ولما نبه سبحانه على العلل المانعة من ولاية الكفار وحصر الولاية فيه سبحانه ، أنتج ذلك قطعاً قوله منبهاً على علل أخرى موجهاً للبراءة منهم : { يا أيها الذين آمنوا } أي أقروا بالإيمان ، ونبه بصيغة الافتعال على أن من يوالهم{[26485]} يجاهد عقله على ذلك اتباعاً لهواه فقال : { لا تتخذوا الذين اتخذوا } أي بغاية الجد والاجتهاد منهم { دينكم } أي الذي شرفكم الله به { هزواً ولعباً } ثم بين المنهي عن موالاتهم بقوله : { من الذين } .
ولما كان المقصود بهم منح العلم ، وهو كاف من غير حاجة إلى تعيين المؤتي ، بني للمجهول قوله{[26486]} : { أوتوا الكتاب }{[26487]} ولما كان تطاول الزمان له تأثير فيما عليه الإنسان من طاعة أو عصيان{[26488]} ، و{[26489]}كان الإيتاء المذكور لم يستغرق {[26490]}زمان القبل{[26491]} قال : { من قبلكم } يعني أنهم فعلوا الهزو عناداً بعد تحققهم صحة الدين .
ولما خص عم فقال : { والكفار } أي من{[26492]} عبدة الأوثان الذين لا علم لهم نُقِلَ عن الأنبياء ، وإنما ستروا ما وضح لعقولهم من الأدلة فكانوا ضالين ، وكذا غيرهم ، سواء علم أنهم يستهزؤون أولا ، كما أرشد إليه غير{[26493]} قراءة البصريين والكسائي بالنصب { أولياء } أي فإن الفريقين اجتمعوا على حسدكم وازدرائكم ، فلا تصح لكم موالاتهم أصلاً .
ولما كان المستحق لموالاة{[26494]} شخص - إذا تركه ووالى غيره - يسعى في إهانته ، حذرهم وقوعهم بموالاتهم{[26495]} على ضد{[26496]} مقصودهم فقال : { {[26497]}واتقوا الله } من له الإحاطة الكاملة ، فإن من والى غيره عاداه ، ومن عاداه هلك هلاكاً لا يضار معه { إن كنتم مؤمنين * } أي راسخين في الإيمان بحيث صار لكم جبلة وطبعاً ، فإن لم تخافوه بأن تتركوا ما نهاكم عنه فلا إيمان .
قوله تعالى : { يأيها الذين ءامنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء واتقوا الله إن كنتم مؤمنين ( 57 ) وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا ذلك بأنهم قوم لا يعقلون } جاء في سبب نزول الآية أن رفاعة بن زيد وسويد بن الحرث كانا قد أظهرا الإيمان ثم نافقا وكان رجال المسلمين يوادونهما فأنزل الله الآية { لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا } وفيها تنفير للمؤمنين من موالاة أهل الكتاب { والكفار } وهو منصوب على العطف على { الذين اتخذوا } والمقصود أن أهل الكتاب من يهود ونصارى وكذا المشركون كلهم كافرون يسخرون من تعاليم الإسلام . فلا ينبغي لمسلم بعد ذلك أن يواليهم . أي يحالفهم ويناصرهم ويلقي إليهم بالمودة .
ومن شأن الكافرين على اختلاف مللهم ومشاربهم أن يهزأوا إذ يهزأوا بالإسلام والمسلمين . فهم لا يبرحون السخرية والاستهزاء بالإسلام في معانيه وقيمه وشعائره وتعاليمه . فتارة بالغمز واللمز في كلام مبطن ملفوف . وتارة بالطعن والتجريح وإطلاق الشتائم . وتارة أخرى بإثارة الشبهات والافتراءات والأباطيل من حول الإسلام ليشوهوه تشويها ولينفروا من حوله المسلمين والناس جميعا . فهؤلاء الحاقدون الفارغون المتربصون الكفرة ما كان ينبغي للمسلمين إلا أن يستعلوا عليهم استعلاء ، وأن يبادروهم التصدي لهم فضلا عن مبارحتهم والتغيظ منهم والتقزز والاشمئزاز من موالاتهم والدنو منهم .
قوله : { واتقوا الله إن كنتم مؤمنين } أي خافوا الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه . ويدخل في ذلك موالاة الكافرين جميعا . ويتحقق ذلك بكونكم مؤمنين حقا ، لأن الإيمان الحق يفرض على المسلمين أن لا يوالوا الكافرين المستهزئين بل يجانبونهم ويستعلون عليهم .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.