{ ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا } رجاء ثوابي { وأوذوا } حتى نشروا بالمناشير وحرقوا بالنار { حتى أتاهم نصرنا } معونتنا إياهم بإهلاك من كذبهم { ولا مبدل لكلمات الله } لا ناقض لحكمه وقد حكم بنصر الأنبياء في قوله { كتب الله لأغلبن أنا ورسلي } { ولقد جاءك من نبإ المرسلين } أي خبرهم في القرآن كيف أنجيناهم ودمرنا قومهم
ولما سلاه{[29393]} بوعده النصرة المسببة عن علم المرسل القادر ، وبأن تكذيبهم إنما هو له سبحانه ، وهو مع ذلك يصبر عليهم ويحلم{[29394]} عنهم ، بل ويحسن إليهم بالرزق والمنافع ، زاده أن ذلك سنة في إخوانه من الرسل فقال : { ولقد } ولما كان المنكي هو التكذيب لا كونه من معين ، بني للمفعول قوله : { كذبت رسل } .
ولما كان تكذيبهم لم يستغرق الزمان ، وكان الاشتراك في شيء يهوّنه ، وكلما قرب الزمان كان أجدر بذلك{[29395]} أدخل الجار فقال : { من قبلك } بأن جحد قومهم ما يعرفون من صدقهم وأمانتهم كما فعل بك { فصبروا } أي فتسبب عن تكذيب قومهم لهم أنهم صبروا{[29396]} { على ما كذبوا وأوذوا } أي فصبروا أيضاً على ما أوذوا ، ثم أشار إلى الوعد بالنصر بشرط الصبر فقال : { حتى } أي وامتد صبرهم حتى { آتاهم نصرنا } أي فليكن لك بهم أسوة ، وفيهم مسلاة ، فاصبر حتى يأتيك النصر كما أتاهم ، فقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين أنهم لهم المنصورون{[29397]} في قولنا { فإن حزب الله هم الغالبون{[29398]} }[ المائدة : 56 ] { ولا مبدل لكلمات الله } أي لأن له جميع العظمة فلا كفوء له ، ودل سبحانه على صعوبة مقام الصبر جداً بالتأكيد فقال : { ولقد جاءك } ودل على عظيم ما تحملوا بقوله : { من نبإى المرسلين * } أي خبرهم العظيم في صبرهم واحتمالهم وطاعتهم وامتثالهم ورفقهم بمن أرسلوا إليهم ونصرنا لهم على من بغى{[29399]} عليهم ، ومجيء نبأهم{[29400]} تقدم إجمالاً وتفصيلاً ، أما إجمالاً ففي مثل قوله
{ وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير{[29401]} }[ آل عمران : 146 ] ، { أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم{[29402]} }[ البقرة : 87 ] وأما تفصيلاً ففي ذكر موسى{[29403]} وعيسى{[29404]} وغيرهما ؛ وفي قوله { فصبروا } أدل{[29405]} دليل على ما تقدم من أن النهي عن{[29406]} الحزن نهي عن تابعه المؤدي إلى عدم الصبر ، والتعبير بمن التبعيضية تهويل لما لقوا ، فهو أبلغ في التعزية .
قوله تعالى : { ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتهم نصرنا } فهذه تسلية من الله وتعزية لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم لما أصابه من المساءة بتكذيب المشركين له . وهو إن يكذبه قومه فما ينبغي له أن يأسى ويحزن بل عليه أن يحتمل ويصبر على أذاهم وتكذيبهم حتى يأتي نصر الله المحقق الموعود ، وله في ذلك أسوة في إخوانه المرسلين الذين خلوا من قبله فقد كذبتهم أممهم فصبروا على تكذيبهم ولم يثنهم ذلك عن المضي لأمر الله بل إنهم ثبتوا على الحق ومضوا عليه دعاة إلى الله من غير أن تنال من هممهم المكاره والمعوقات أو تردهم المكائد والعراقيل عن الصدع بأمر الله .
قوله : { ولا مبدل لكلمت الله } المراد بكلمات الله وعده لنبيه بالنصر على المشركين الظالمين . فالله يخاطب نبيه صلى الله عليه وسلم مؤيدا له ومثبتا أنه لن يقدر أحد أن يدفع ما كتبه الله لك من النصر الموعود . فالله جلت قدرته لا يخلف وعده وليس من أحد ينقض قضاءه . وكفى بالله أن يقول في مثل هذا الموقف { كتب الله لأغلبن أنا ورسلي } وكذلك قوله : { وإن جندنا لهم الغلبون } .
قوله : { ولقد جاءك من نبإى المرسلين } أي جاءك من أنباء من سبقك من المرسلين وأنباء أممهم وما صنع الله بهم حين جحدوا وتمادوا في الغي والضلال فحاق بهم البلاء والتدمير ، ونجى الله رسله الكرام وأيدهم بنصره المبين ، فاقتد أنت بهم في صبرهم على الأذى من قومهم يكن الله معك ويجعل العاقبة لك ، وللمتقين الصابرين .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.