فلما تأكد أمر البعث غاية التأكد{[29325]} ، ولم يبق فيه لذي لب وقفة ، صرح بما اقتضاه الحال من أمر هذه الدار ، فقال منبهاً على خساستها{[29326]} معجباً منهم في قوة رغبتهم في إيثار لذاذتها ، معلماً بأنه قد كشف الحال عن أن ما ركنوا إليه خيال ، وما كذبوا به حقيقة ثابتة ليس لها زوال ، عكس ما كانوا يقولون : { وما الحياة الدنيا } .
ولما كان السياق للخسارة{[29327]} ، وكانت أكثر ما تكون{[29328]} من اللعب - وهو فعل ما يزيد سرور النفس على وجه غير مشروع ، ويسرع{[29329]} انقضاؤه - قدمه فقال : { إلا لعب ولهو } أي{[29330]} للأشقياء ، وللحياة الدنيا شر للذين يلعبون ، واللهو ما من شأنه أن يعجب النفس كالغناء والزينة من المال والنساء على وجه لم يؤذن فيه ، فيكون سبباً للغفلة عما ينفع ، فتأخيره إشارة إلى أن الجهلة كلما فتروا في اللعب وهو اشتغال بالأمور السافلة والشواغل الباطلة بعلو النفوس{[29331]} أثاروا الشهوات بالملاهي{[29332]} ، والمعنى أنه تحقق من هذه الآيات زوال الدنيا ، فتحققت سرعته ، لأن كل آتٍ قريب ، فحينئذ{[29333]} ما هي{[29334]} إلا ساعة لعب ، يندم الإنسان على ما فرط فيها ، كما يندم اللاعب - إن كان له عقل - على تفويت{[29335]} الأرباح إذا رأى ما حصل أولو الجد وأرباب العزائم .
ولما كان التقدير بما أرشد إليه المعنى :{[29336]} وما{[29337]} الدار الآخرة إلا جد وحضور وبقاء للأتقياء ، أتبعه قوله مؤكداً : { وللدار الآخرة خير } ولما كان الكل مآلهم{[29338]} إلى الآخرة ، خصص{[29339]} فقال : { للذين يتقون } أي يوجدون التقوى ، وهي الخوف من الله الذي يحمل على فعل الطاعات وترك المعاصي ، ليكون ذلك وقاية لهم من غضب الله ، فذكر حال الدنيا وحذف نتيجتها لأهلها لدلالة ثمرة الآخرة عليه وحذف ذكر حال الآخرة لدلالة ذكر حال الدنيا عليه ، فهو احتباك ؛ ولما كان من شأن العقلاء الإقبال على الخير وترك غيره ، تسبب عن إقبالهم على الفاني وتركهم الباقي قوله منكراً : { أفلا تعقلون{[29340]} * } .
قوله تعالى : { وما الحيوة الدنيا إلا لعب ولهو وللدار الأخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون }
الحياة مبتدأ . ولعب خبره واللعب : ما يشغل النفس عما تنتفع به . وقيل : ما يشغل الإنسان عما يغنيه ويهمه . واللهو : صرف النفس من الجد إلى الهزل{[1153]} .
وذلك رد وتقبيح لما يتصور الكافرون في قولهم : { إن هي إلا حيتنا الدنيا } فالله يبين لهم أن هذه الحياة الزائلة السريعة بكل ما حوته من لذائذ ونعم ومباهج وزخارف ليست إلا لعبا تنشغل به النفوس فتذهل عن وجائبها الكبرى . أو هي لهو يهيم خلاله الساهون اللاهون فترة من زمان لتؤول بعد ذلك إلى زوال محتوم يأتي عقيبه فجائع جسام وأهوال مريعة عظام تنتظر الآثمين الذين استعاضوا عن الآخرة بلعاعة الدنيا الفانية .
قوله : { وللدار الأخرة خير للذين يتقون } اللام الأولى لام الابتداء واللام الثانية للتعريف . والدار مبتدأ وخبره { خير } {[1154]} يبين الله سبحانه أن الدار الآخرة بنعيمها المستديم الباقي وبكل ما حوته من ضروب الخير والنعمة والجمال مما يظل على الدوام سرمدا فلا يفنى ولا يزول . ولا يأتي عليه مرور الأدهار والسنين . لا جرم أن ذلك خير من الدنيا القاصرة العاجلة التي تمر مر السحاب وتغرر ببريقها المخادع تغرير السراب . إذ ذلك خير للذين يتقون الله ، إذ يخشونه حق الخشية ويخافون جلاله وسلطانه خوفا يحفزهم لعمل الطاعات ويحول بينهم وبين السيئات والخطيئات .
وقوله : { أفلا تعقلون } يعني أفلا يعقل هؤلاء المكذبون بيوم القيامة ، السادرون في الغي واللهو ، المدبرون عن طاعة الله – حقيقة ما نبينه لهم من أن الحياة الدنيا قصيرة وفانية وأنها مجرد لهو تنشغل به الأذهان والقلوب عن طاعة الله وعن فعل الخيرات والطاعات . وها هم يرون بأعينهم ويدركون بإحساسهم أن الناس جميعا ميتون فرادى وجماعات . وأنه ما من موجود حي إلا ويأتي عليه داهم الموت المحقق أفلا يدّكرون أو يتدبرون مثل هذه الحقيقة ؟ !
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.