مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّمَنۡ خَافَ عَذَابَ ٱلۡأٓخِرَةِۚ ذَٰلِكَ يَوۡمٞ مَّجۡمُوعٞ لَّهُ ٱلنَّاسُ وَذَٰلِكَ يَوۡمٞ مَّشۡهُودٞ} (103)

ثم قال تعالى : { إن في ذلك لآية لمن خاف عذاب الآخرة } قال القفال : تقرير هذا الكلام أن يقال : إن هؤلاء إنما عذبوا في الدنيا لأجل تكذيبهم الأنبياء وإشراكهم بالله ، فإذا عذبوا في الدنيا على ذلك وهي دار العمل ، فلأن يعذبوا عليه في الآخرة التي هي دار الجزاء كان أولى .

واعلم أن كثيرا ممن تنبه لهذا البحث من المفسرين عولوا على هذا الوجه ، بل هو ضعيف . وذلك لأن على هذا الوجه الذي ذكره القفال يكون ظهور عذاب الاستئصال في الدنيا دليلا على أن القول بالقيامة والبعث والنشر حق وصدق ، وظاهر الآية يقتضي أن العلم بأن القيامة حق كالشرط في حصول الاعتبار بظهور عذاب الاستئصال ، وهذا المعنى كالمضاد لما ذكره القفال ، لأن القفال يجعل العلم بعذاب الاستئصال أصلا للعلم بأن القيامة حق ، فبطل ما ذكره القفال والأصوب عندي أن يقال : العلم بأن القيامة حق موقوف على العلم بأن المدبر لوجود هذه السموات والأرضين فاعل مختار لا موجب بالذات وما لم يعرف الإنسان أن إله العالم فاعل مختار وقادر على كل الممكنات وأن جميع الحوادث الواقعة في السموات والأرضين لا تحصل إلا بتكوينه وقضائه ، لا يمكنه أن يعتبر بعذاب الاستئصال ، وذلك لأن الذين يزعمون أن المؤثر في وجود هذا العالم موجب بالذات لا فاعل مختار ، يزعمون أن هذه الأحوال التي ظهرت في أيام الأنبياء مثل الغرق والحرق والخسف والمسخ والصيحة كلها إنما حدثت بسبب قرانات الكواكب واتصال بعضها ببعض ، وإذا كان الأمر كذلك فحينئذ لا يكون حصولها دليلا على صدق الأنبياء ، فأما الذي يؤمن بالقيامة ، فلا يتم ذلك الإيمان إلا إذا اعتقد أنه إله العالم فاعل مختار وأنه عالم بجميع الجزئيات ، وإذا كان الأمر كذلك لزم القطع بأن حدوث هذه الحوادث الهائلة والوقائع العظيمة إنما كان بسبب أن إله العالم خلقها وأوجدها وأنها ليست بسبب طوالع الكواكب وقراناتها ، وحينئذ ينتفع بسماع هذه القصص ، ويستدل بها على صدق الأنبياء ، فثبت بهذا صحة قوله : { إن في ذلك لآية لمن خاف عذاب الآخرة } .

ثم قال تعالى : { ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود } .

واعلم أنه تعالى لما ذكر الآخرة وصف ذلك اليوم بوصفين : أحدهما : أنه يوم مجموع له الناس ، والمعنى أن خلق الأولين والآخرين كلهم يحشرون في ذلك اليوم ويجمعون . والثاني : أنه يوم مشهود . قال ابن عباس رضي الله عنهما يشهده البر والفاجر . وقال آخرون يشهده أهل السماء وأهل الأرض ، والمراد من الشهود الحضور ، والمقصود من ذكره أنه ربما وقع في قلب إنسان أنهم لما جمعوا في ذلك الوقت لم يعرف كل أحد إلا واقعة نفسه ، فبين تعالى أن تلك الوقائع تصير معلومة للكل بسبب المحاسبة والمساءلة .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّمَنۡ خَافَ عَذَابَ ٱلۡأٓخِرَةِۚ ذَٰلِكَ يَوۡمٞ مَّجۡمُوعٞ لَّهُ ٱلنَّاسُ وَذَٰلِكَ يَوۡمٞ مَّشۡهُودٞ} (103)

{ إِنَّ في ذَلِكَ } أي أخذه سبحانه للأمم المهلكة أو فيما قص من أخبارهم { لآيَةً } أي لعلامة ، وفسرها بعضهم بالعبرة لما أنها تلزمها وهو حسن ؛ والتنوين للتعظيم أي لعبرة عظيمة { لّمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخرة } فإنه إذا رأى ما وقع في الدنيا بالمجرمين من العذاب الأليم اعتبر به حال العذاب الموعود فإنه عصا من عصية وقليل من كثير ، وانزجر بذلك عن المعاصي التي يترتب عليها العذاب وأكب على التقوى والخشية من الله تعالى ، وقد أقيم { مَنْ خَافَ } الخ مقام من صدق بذلك لما بينهما من اللزوم ولأن الاعتبار إنما ينشأ من الخوف ، وذكر هذا القيد لأن من أنكر الآخرة وأحال فناء هذا العالم أسند الحوادث إلى أسباب فلكية وأوضاع مخصوصة فلم يعتبر بذلك أصل ولم ينزجر عن الضلالة قطعاً ، وقال : إن ما وقع إنما وقع لهاتيك الأسباب والأوضاع لا للمعاصي التي اقترفتها الأمم المهلكة .

وقيل : المراد إن فيما ذكر دليلاً على عذاب المجرمين في الآخرة لأنهم إذا عذبوا في الدنيا لإجرامهم وهي دار العمل فلأن يعذبوا في الآخرة عليه وهي دار الجزاء أولى ، وقيل : المراد إن فيه دليلاً على البعث والجزاء ، وذلك أن الأنبياء عليهم السلام قد أخبروا باستئصال من كذبهم وأشرك بالله ووقع ما أخبروا به وفق إخبارهم ، وذلك أحد الشواهد على صدقهم فيكونون صادقين فيما يخبرون به من البعث والجزاء فلا بد أن يقع لا محالة ، والتقييد بما ذكر هنا كالتقييد في قوله سبحانه : { هُدًى لّلْمُتَّقِينَ } [ البقرة : 2 ] وهو كما ترى { ذلك } إشارة إلى يوم القيامة المدلول عليه بذكر الآخرة { يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ الناس } أي يجمع له الناس للمحاسبة والجزاء ، فالناس نائب فاعل مجموع .

وأجاز ابن عطية أن يكون مبتدأ و { مَّجْمُوعٌ } خبره ، وفيه بعد إذ الظاهر حينئذ أن يكون مجموعاً وعدل في الفعل وكان الظاهر ليدل الكلام على ثبوت معنى الجمع وتحقق وقوعه لا محالة وأن الناس لا ينفكون عنه فهو أبلغ من قوله تعالى : { يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الجمع } [ التغابن : 9 ] وإيضاحه أن في هذا دلالة على لزوم الوصف ولزوم الاسناد ، وفي ذلك على حدوث تعلق الجمع بالمخاطبين واختصاصه باليوم ولهذا استدركه بقوله : الجمع فأضاف اليوم إليه ليدل على لزومه له وإنما الحادث جمع الأولين والآخرين دفعة { وَذَلِكَ } أي يوم القيامة مع ملاحظة عنوان جمع الناس له { يَوْمٌ مَّشْهُودٌ } أي مشهود فيه فاتسع في الجار والمجرور ووصل الفعل إلى الضمير إجراءاً له مجرى المفعول به كما في قوله :

قليل سوى طعن الدراك نوافله *** أي يشهد فيه الخلائق الموقف لا يغيب عنه أحد وإنما لم يجعل نفس اليوم مشهوداً بل جعل مشهوداً فيه ولم يذكر المشهود تهويلاً وتعظيماً أن يجرى على اللسان وذهاباً إلى أن لا مجال لالتفات الذهن إلى غيره ، وقد يقال : المشهود هو الذي كثر شاهدوه ، ومنه قولهم : لفلان مجلس مشهود .

وطعام محضور ، ولأم قيس الضبية : ومشهد قد كفيت الناطقين به *** في محفل من نواصي الناس ( مشهود )

واعتبروا كثرة شاهديه نظراً إلى أنه الذي يستحق أن يطلق اسم المشهود على الإطلاق عليه ، ولو جعل اليوم نفسه مشهوداً من غير هذا الاعتبار لم يحصل الغرض من تعظيم اليوم وتمييزه فإن سائر الأيام كذلك لكن جاء الامتياز من ذلك لما أضيف إليه من الكثرة المهولة المميزة ، وبما ذكر يعلم سقوط ما قبل : الشهود الحضور . واجتماع الناس حضورهم فمشهود بعد مجموع مكرر .