قوله تعالى :{ وبالحق أنزلناه وبالحق نزل وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا . وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا . قل آمنوا به أو لا تؤمنوا إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا }
اعلم أنه تعالى لما بين أن القرآن معجز قاهر دال على الصدق في قوله : { قل لئن اجتمعت الإنس والجن } ثم حكى عن الكفار أنهم لم يكتفوا بهذا المعجز بل طلبوا سائر المعجزات ، ثم أجاب الله بأنه لا حاجة إلى إظهار سائر المعجزات وبين ذلك بوجوه كثيرة ، منها أن قوم موسى عليه الصلاة والسلام آتاهم الله تسع آيات بينات فلما جحدوا بها أهلكهم الله فكذا ها هنا ، ثم إنه تعالى لو آتى قوم محمد تلك المعجزات التي اقترحوها ثم كفروا بها وجب إنزال عذاب الاستئصال بهم وذلك غير جائز في الحكمة لعلمه تعالى أن منهم من يؤمن والذي لا يؤمن فسيظهر من نسله من يصير مؤمنا ، ولما تم هذا الجواب عاد إلى تعظيم حال القرآن وجلالة درجته فقال : { وبالحق أنزلناه وبالحق نزل } والمعنى أنه ما أردنا بإنزاله إلا تقرير الحق والصدق وكما أردنا هذا المعنى فكذلك وقع هذا المعنى وحصل وفي هذه الآية فوائد . الفائدة الأولى : أن الحق هو الثابت الذي لا يزول كما أن الباطل هو الزائل الذاهب ، وهذا الكتاب الكريم مشتمل على أشياء لا تزول وذلك لأنه مشتمل على دلائل التوحيد وصفات الجلال والإكرام وعلى تعظيم الملائكة وتقرير نبوة الأنبياء وإثبات الحشر والنشر والقيامة وكل ذلك مما لا يقبل الزوال ومشتمل أيضا على شريعة باقية لا يتطرق إليها النسخ والنقض والتحريف ، وأيضا فهذا الكتاب كتاب تكفل الله بحفظه عن تحريف الزائغين وتبديل الجاهلين كما قال : { إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون } فكان هذا الكتاب حقا من كل الوجوه . الفائدة الثانية : أن قوله : { وبالحق أنزلناه } يفيد الحصر ومعناه أنه ما أنزل لمقصود آخر سوى إظهار الحق وقالت المعتزلة ، وهذا يدل على أنه ما قصد بإنزاله إضلال أحد من الخلق ولا إغواؤه ولا منعه عن دين الله . الفائدة الثالثة : قوله : { وبالحق أنزلناه وبالحق نزل } يدل على أن الإنزال غير النزول ، فوجب أن يكون الخلق غير المخلوق وأن يكون التكوين غير المكون على ما ذهب إليه قوم . الفائدة الرابعة : قال أبو علي الفارسي الباء في قوله : { وبالحق أنزلناه } بمعنى مع كما تقول نزل بعدته وخرج بسلاحه ، والمعنى أنزلنا القرآن مع الحق وقوله : { وبالحق نزل } فيه احتمالان ، أحدهما : أن يكون التقدير نزل بالحق كما تقول نزلت بزيد وعلى هذا التقدير الحق محمد صلى الله عليه وسلم لأن القرآن نزل به أي عليه . الثاني : أن تكون بمعنى مع كما قلنا في قوله : { وبالحق أنزلناه } ثم قال تعالى : { وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا } والمقصود أن هؤلاء الجهال الذين يقترحون عليك هذه المعجزات ويتمردون عن قبول دينك لا شيء عليك من كفرهم فإني ما أرسلتك إلا مبشرا للمطيعين ونذيرا للجاحدين فإن قبلوا الدين الحق انتفعوا به وإلا فليس عليك من كفرهم شيء .
{ وبالحق أَنْزَلْنَاهُ وبالحق نَزَلَ } عود إلى شرح حال القرآن الكريم فهو مرتبط بقوله تعالى : { لَّئِنِ اجتمعت الإنس والجن } [ الإسراء : 88 ] الآية وهكذا طريقة العرب في كلامها تأخذ في شيء وتستطرد منه إلى آخر ثم إلى آخر ثم إلى آخر ثم تعود إلى ما ذكرته أولاً والحديث شجون فضمير الغائب للقرآن وأبعد من ذهب إلى أنه لموسى عليه السلام ، والآية مرتبطة بما عندها ، والإنزال فيها كما في قوله تعالى : { وَأَنزْلْنَا الحديد } [ الحديد : 25 ] وقد حمله بعضهم على هذا المعنى فيما قبل أو للآيات التسع وذكر على المعنى أو للوعد المذكور آنفاً ، والظاهر أن الباء في الموضعين للملابسة والجار والمجرور في موضع الحال من ضمير القرآن واحتمال أن يكون أولاً حالاً من ضميره تعالى خلاف الظاهر ، والمراد بالحق الأول على ما قيل الحكمة الإلهية المقتضية لإنزاله وبالثاني ما اشتمل عليه من العقائد والأحكام ونحوها أي ما أنزلناه إلا ملتبساً بالحق المقتضي لإنزاله وما نزل إلا ملتبساً بالحق الذي اشتمل عليه ، وقيل الباء الأولى للسببية متعلقة بالفعل بعد والثانية للملابسة ، وقيل : هما للسببية فيتعلقان بالفعل وقال أبو سليمان الدمشقي : الحق الأول التوحيد والثاني الوعد والوعيد والأمر والنهي ، وقيل الحق في الموضعين الأمر المحفوظ الثابت ، والمعنى ما أنزلناه من السماء إلا محفوظاً بالرصد من الملائكة وما نزل على الرسول إلا محفوظاً بهم من تخليط الشياطين ، وحاصله أنه محفوظ حال الإنزال وحال النزول وما بعده لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه . وأبعد من جوز كون المراد بالحق الثاني النبي صلى الله عليه وسلم ومعنى نزوله به نزوله عليه وحلوله عنده من قولهم نزل بفلان ضيف ، وعلى سائر الأوجه لا تخفى فائدة ذكر الجملة الثانية بعد الأولى ، وما يتوهم من التكرار مندفع ونحا الطبري إلى أن الجملة الثانية توكيد للأولى من حيث المعنى لأنه يقال أنزلته فنزل وأنزلته فلم ينزل إذا عرض له مانع من النزول فجاءت الجملة الثانية مزيلة لهذا الاحتمال وتحاشي بعضهم من إطلاق التوكيد لما بين الإنزال والنزول من المغايرة وادعى أنه لو كانت الثانية توكيداً للأولى لما جاز العطف لكمال الاتصال { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشّرًا } للمطيع بالثواب { وَنَذِيرًا } للعاصي من العقاب فلا عليك إلا التبشير والإنذار لا هداية الكفرة المقترحين وإكراههم على الدين ولعل الجملة لتحقيق حقية بعثته صلى الله عليه وسلم أثر تحقيق حقية القرآن ونصب ما بعد إلا على الحال .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.