قال ابن عباس إنها مكية غير آيتين منها فيهما ذكر عيينة بن حصن الفزاري وعن قتادة أنها مكية وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " ألا أدلكم على سورة شيعها سبعون ألف ملك حين نزلت ؟ هي سورة الكهف "
{ الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا ، قيما لينذر بأسا شديدا من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا حسن ، ماكثين فيه أبدا } في الآية مسائل :
المسألة الأولى : أما الكلام في حقائق قولنا : { الحمد لله } فقد سبق ، والذي أقوله ههنا أن التسبيح أينما جاء فإنما جاء مقدما على التحميد ، ألا ترى أنه يقال : { سبحان الله والحمد لله } إذا عرفت هذا فنقول : إنه جل جلاله ذكر التسبيح عندما أخبر أنه أسرى بمحمد صلى الله عليه وسلم فقال : { سبحان الذي أسرى بعبده ليلا } وذكر التحميد عندما ذكر أنه أنزل الكتاب على محمد صلى الله عليه وسلم فقال : { الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب } وفيه فوائد :
الفائدة الأولى : أن التسبيح أول الأمر لأنه عبارة عن تنزيه الله عما لا ينبغي وهو إشارة إلى كونه كاملا في ذاته والتحميد عبارة عن كونه مكملا لغيره ، ولا شك أن أول الأمر هو كونه كاملا في ذاته . ونهاية الأمر كونه مكملا لغيره . فلا جرم وقع الابتداء في الذكر بقولنا { سبحان الله } ثم ذكر بعده { الحمد لله } تنبيها على أن مقام التسبيح مبدأ ومقام التحميد نهاية . إذا عرفت هذا فنقول : ذكر عند الإسراء لفظ التسبيح وعند إنزال الكتاب لفظ التحميد . وهذا تنبيه على أن الإسراء به أول درجات كماله وإنزال الكتاب غاية درجات كماله ، والأمر في الحقيقة كذلك لأن الإسراء به إلى المعراج يقتضي حصول الكمال له ، وإنزال الكتاب عليه يقتضي كونه مكملا للأرواح البشرية وناقلا لها من حضيض البهيمية إلى أعلى درجات الملكية ، ولا شك أن هذا الثاني أكمل . وهذا تنبيه على أن أعلى مقامات العباد مقاما أن يصير ( العبد ) عالما في ذاته معلما لغيره ولهذا روي في الخبر أنه عليه الصلاة والسلام قال : « من تعلم وعلم فذاك يدعى عظيما في السماوات »
الفائدة الثانية : أن الإسراء عبارة عن رفع ذاته من تحت إلى فوق وإنزال الكتاب عليه عبارة عن إنزال نور الوحي عليه من فوق إلى تحت ، ولا شك أن هذا الثاني أكمل .
الفائدة الثالثة : أن منافع الإسراء به كانت مقصورة عليه ألا ترى أنه تعالى قال هنالك : { لنريه من آياتنا } ومنافع إنزال الكتاب عليه متعدية ، ألا ترى أنه قال : { لينذر بأسا شديدا من لدنه ويبشر المؤمنين } والفوائد المتعدية أفضل من القاصرة .
المسألة الثانية : المشبهة استدلوا بلفظ الإسراء في السورة المتقدمة وبلفظ الإنزال في هذه السورة على أنه تعالى مختص بجهة فوق . والجواب عنه مذكور بالتمام في سورة الأعراف في تفسير قوله تعالى : { ثم استوى على العرش } .
المسألة الثالثة : إنزال الكتاب نعمة عليه ونعمة علينا ، أما كونه نعمة عليه فلأنه تعالى أطلعه بواسطة هذا الكتاب الكريم على أسرار علوم التوحيد والتنزيه وصفات الجلال والإكرام وأسرار أحوال الملائكة والأنبياء وأحوال القضاء والقدر ، وتعلق أحوال العالم السفلي بأحوال العالم العلوي ، وتعلق أحوال عالم الآخرة بعالم الدنيا ، وكيفية نزول القضاء من عالم الغيب ، وكيفية ارتباط عالم الجسمانيات بعالم الروحانيات ، وتصيير النفس كالمرآة التي يتجلى فيها عالم الملكوت وينكشف فيها قدس اللاهوت فلا شك أن ذلك من أعظم النعم ، وأما كون هذا الكتاب نعمة علينا فلأنه مشتمل على التكاليف والأحكام والوعد والوعيد والثواب والعقاب ، وبالجملة فهو كتاب كامل في أقصى الدرجات فكل واحد ينتفع به بمقدار طاقته وفهمه فلما كان كذلك وجب على الرسول وعلى جميع أمته أن يحمدوا الله عليه فعلمهم الله تعالى كيفية ذلك التحميد فقال : { الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب } ثم إنه تعالى وصف الكتاب بوصفين فقال : { ولم يجعل له عوجا قيما } وفيه أبحاث :
البحث الأول : أنا قد ذكرنا أن الشيء يجب أن يكون كاملا في ذاته ثم يكون مكملا لغيره ويجب أن يكون تاما في ذاته ثم يكون فوق التمام بأن يفيض عليه كمال الغير إذا عرفت هذا فنقول في قوله : { ولم يجعل له عوجا } إشارة إلى كونه كاملا في ذاته
وقوله : { قيما } إشارة إلى كونه مكملا لغيره لأن القيم عبارة عن القائم بمصالح الغير ونظيره قوله في أول سورة البقرة في صفة الكتاب : { لا ريب فيه هدى للمتقين } فقوله : { لا ريب فيه } إشارة إلى كونه في نفسه بالغا في الصحة وعدم الإخلال إلى حيث يجب على العاقل أن لا يرتاب فيه وقوله : { هدى للمتقين } إشارة إلى كونه سببا لهداية الخلق وإكمال حالهم فقوله : { ولم يجعل له عوجا } قائم مقام قوله : { لا ريب فيه } وقوله : { قيما } قائم مقام قوله : { هدى للمتقين } وهذه أسرار لطيفة .
البحث الثاني : قال أهل اللغة العوج في المعاني كالعوج في الأعيان ، والمراد منه وجوه : أحدها : نفي التناقض عن آياته كما قال : { ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا } . وثانيها : أن كل ما ذكر الله من التوحيد والنبوة والأحكام والتكاليف فهو حق وصدق ولا خلل في شيء منها ألبتة . وثالثها : أن الإنسان كأنه خرج من عالم الغيب متوجها إلى عالم الآخرة وإلى حضرة جلال الله وهذه الدنيا كأنها رباط بني على طريق عالم القيامة حتى أن المسافر إذا نزل فيه اشتغل بالمهمات التي يجب رعايتها في هذا السفر ثم يرتحل منه متوجها إلى عالم الآخرة فكل ما دعاه في الدنيا إلى الآخرة ومن الجسمانيات إلى الروحانيات ومن الخلق إلى الحق ومن اللذات الشهوانية الجسدانية إلى الاستنارة بالأنوار الصمدانية فثبت أنه مبرأ عن العوج والانحراف والباطل فلهذا قال تعالى : { ولم يجعل له عوجا } . الصفة الثانية : للكتاب وهي قوله : { قيما } قال ابن عباس يريد مستقيما وهذا عندي مشكل لأنه لا معنى لنفي الاعوجاج إلا حصول الاستقامة فتفسير القيم بالمستقيم يوجب التكرار وأنه باطل ، بل الحق ما ذكرناه وأن المراد من كونه : { قيما } أنه سبب لهداية الخلق وأنه يجري مجرى من يكون قيما للأطفال ، فالأرواح البشرية كالأطفال ، والقرآن كالقيم الشفيق القائم بمصالحهم .
البحث الثالث : قال الواحدي جميع أهل اللغة والتفسير قالوا هذا من التقديم والتأخير والتقدير : أنزل على عبده الكتاب قيما ولم يجعل له عوجا . وأقول قد بينا ما يدل على فساد هذا الكلام لأنا بينا أن قوله : { ولم يجعل له عوجا } يدل على كونه كاملا في ذاته ، وقوله : { قيما } يدل على كونه مكملا لغيره وكونه كاملا في ذاته متقدم بالطبع على كونه مكملا لغيره فثبت بالبرهان العقلي أن الترتيب الصحيح هو الذي ذكره الله تعالى وهو قوله : { ولم يجعل له عوجا قيما } فظهر أن ما ذكروه من التقديم والتأخير فاسد يمتنع العقل من الذهاب إليه .
البحث الرابع : اختلف النحويون في انتصاب قوله : { قيما } وذكروا فيه وجوها . الأول : قال صاحب «الكشاف » لا يجوز جعله حالا من الكتاب لأن قوله : { ولم يجعل له عوجا } معطوف على قوله : { أنزل } فهو داخل في حيز الصلة فجعله حالا من { الكتاب } يوجب الفصل بين الحال وذي الحال ببعض الصلة ، وأنه لا يجوز . قال : ولما بطل هذا وجب أن ينتصب بمضمر والتقدير : { ولم يجعل له عوجا وجعله قيما } . الوجه الثاني : قال الأصفهاني الذي نرى فيه أن يقال قوله : { ولم يجعل له عوجا } حال وقوله : { قيما } حال أخرى وهما حالان متواليان والتقدير أنزل على عبده الكتاب غير مجعول له عوجا قيما . الوجه الثالث : قال السيد صاحب «حل العقد » يمكن أن يكون قوله : { قيما } بدلا من قوله : { ولم يجعل له عوجا } لأن معنى : { لم يجعل له عوجا } أنه جعله مستقيما فكأنه قيل : { أنزل على عبده الكتاب } وجعله { قيما } . الوجه الرابع : أن يكون حالا من الضمير في قوله : { ولم يجعل له عوجا } أي حال كونه قائما بمصالح العباد وأحكام الدين ، واعلم أنه تعالى لما ذكر أنه : { أنزل على عبده الكتاب } الموصوف بهذه الصفات المذكورة أردفه ببيان ما لأجله أنزله فقال : { لينذر بأسا شديدا من لدنه } وأنذر متعد إلى مفعولين كقوله : { إنا أنذرناكم عذابا قريبا } إلا أنه اقتصر ههنا على أحدهما وأصله { لينذر } الذين كفروا { بأسا شديدا } كما قال في ضده : { ويبشر المؤمنين } والبأس مأخوذ من قوله تعالى : { بعذاب بئيس } وقد بؤس العذاب وبؤس الرجل بأسا وبآسة وقوله : { من لدنه } أي صادرا من عنده قال الزجاج وفي : لدن لغات يقال لدن ولدي ولد والمعنى واحد ، قال وهي لا تتمكن تمكن عند لأنك تقول هذا القول صواب عندي ولا تقول صواب لدني وتقول عندي مال عظيم والمال غائب عنك ولدني لما يليك لا غير وقرأ عاصم في رواية أبي بكر بسكون الدال مع إشمام الضم وكسر النون والهاء وهي لغة بني كلاب ثم قال تعالى : { ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا حسنا } واعلم أن المقصود من إرسال الرسل إنذار المذنبين وبشارة المطيعين ، ولما كان دفع الضرر أهم عند ( ذوي ) العقول من إيصال النفع لا جرم قدم الإنذار على التبشير في اللفظ ، قال صاحب «الكشاف » وقرئ { ويبشر } بالتخفيف والتثقيل .
ويقال سورة أصحاب الكهف كما في حديث أخرجه ابن مردويه وروى البيهقي من حديث ابن عباس مرفوعا أنها تدعى في التوراة الحائلة تحول بين قارئها وبين النار إلا أنه قال : إنه منكر وهي مكية كلها في المشهور واختاره الداني وروي عن ابن عباس وابن الزبير رضي الله تعالى عنهما وعدها بعضهم من السور التي نزلت جملة لما أخرج الديلمي في مسند الفردوس عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : نزلت سورة الكهف جملة معها سبعون ألفا من الملائكة وفي رواية أخرى عن ابن عباس أنها مكية إلا قوله تعالى ( واصبر نفسك ) الآية فمدني وروي ذلك عن قتادة وقال مقاتل : هي مكية إلا أولها إلى ( جرزا ) وقوله تعالى : ( إن الذين آمنوا ) إلى آخرها فمدني وهي مائة وإحدى عشرة آية عند البصريين ومائة وعشرة عند الكوفيين ومائة وست عند الشاميين ومائة وخمس عند الحجازيين ووجه مناسبة وضعها بعد الإسراء على ما قيل افتتاح تلك بالتسبيح وهذه بالتحميد وهما مقترنان في الميزان وسائر الكلام نحو ( فسبح بحمد ربك ) فسبحان الله وبحمده وأيضا تشابه اختتام تلك وافتتاح هذه فإن في كل منهما حمدا نعم فرق بينهما بأن الحمد الأول ظاهر الحمد الذاتي والحمد المفتتح به في هذه يدل على الإستحقاق الغير الذاتي وقال الجلال السيوطي في ذلك : إن اليهود أمروا المشركين أن يسألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن ثلاثة أشياء عن الروح وعن قصة أصحاب الكهف وعن قصة ذي القرنين وقد ذكر جواب السؤال الأول في آخر السورة الأولى وجواب السؤالين الآخرين في هذه فناسب اتصالهما ولم تجمع الأجوبة الثلاثة في سورة لأنه لم يقع الجواب عن الأول بالبيان فناسب أن يذكر وحده في سورة واختيرت سورة الإسراء لما بين الروح وبين الإسراء من المشاركة بأن كلا منهما مما لا يكاد تصل إلى حقيقته العقول وقيل : إنما ذكر هناك لما أن الإسراء متضمن العروج إلى المحل الأرفع والروح متصفة بالهبوط من ذلك المحل ولذا قال ابن سينا فيها : هبطت إليك من المحل الأرفع ورقاء ذات تعزز وتمنع ثم قال : ظهر لي وجه آخر وهو أنه تعالى لما قال في تلك ( وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ) والخطاب لليهود استظهر على ذلك بقصة موسى نبي بني إسرائيل مع الخضر عليهما السلام التي كان سبب ذكر العلم والأعلم وما دلت عليه من كثرة معلومات الله تعالى التي لا تحصى فكانت هذه الصورة كإقامة الدليل لما ذكر من الحكم في تلك السورة + وقد ورد في الحديث أنه لما نزل ( وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ) قال اليهود : قد أوتينا التوراة فيها علم كل شيء نزل ( قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي ) الآية فتكون هذه السورة من هذه الجهة جوابا عن شبهة الخصوم فيما قرر في تلك وأيضا لما قال سبحانه هناك ( فإذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفا ) شرح ذلك هنا وبسطه بقوله سبحانه ( فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء ) إلى قوله تعالى ( ونفخ في الصور فجمعناهم جمعا وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرضا ) اه وللمناسبة أوجه أخر تظهر بأدنى تأمل وأما فضلها فمشهور + وقد أخرج ابن مردويه عن ابن عمر مرفوعا من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة سطع له نور من تحت
قدمه إلى عنان السماء يضيء له إلى يوم القيامة وغفر له ما بين الجمعتين وروى غير واحد عن أبي سعيد الخدري من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أضاء له من النور ما بينه وبين البيت العتيق وكان الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما كما أخرج أبو عبيد والبيهقي عن أم موسى يقرأها كل ليلة + وأخرج ابن مردويه عن عبد الله بن مغفل مرفوعا البيت الذي تقرأ فيه سورة الكهف لا يدخله الشيطان تلك الليلة وإلى سنية قراءتها يوم الجمعة وكذا ليلتها ذهب غير واحد من الأئمة وقالوا بندب تكرار قراءتها + وأخرج أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن حبان وجماعة عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عصم من فتنة الدجال وفي رواية أخرى عنه رواها أحمد ومسلم والنسائي وابن حبان أيضا قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من قرأ العشر الأواخر من سورة الكهف عصم من فتنة الدجال وأخرج الترمذي وصححه عنه مرفوعا من قرأ ثلاث آيات من أول الكهف عصم الخ وجاء في حديث أخرجه ابن مردويه عن عائشة رضي الله تعالى عنها مرفوعا إن من قرأ الخمس الأواخر منها عند نومه بعثه الله تعالى أي الليل شاء وقد جربت ذلك مرارا فليحفظ والله تعالى الموفق
{ بِسْمِ اللَّهِ الرحمن الرحيم الحمد لِلَّهِ الذي أَنْزَلَ على عَبْدِهِ } محمد صلى الله عليه وسلم { الكتاب } الكامل الغني عن الوصف بالكمال المعروف بذلك من بين سائر الكتب الحقيق باختصاص اسم الكتاب به ، وهو إما عبارة عن جميع القرآن ففيه تغليب الموجود على المترقب وإما عبارة عن جميع القرآن ففيه تغليب الموجود على المترقب وإما عبارة عن الجميع المنزل حينئذ فالأمر ظاهر . وفي وصفه تعالى بالموصول إشعار بعلية ما في حيز الصلة لاستحقاق الحمد الدال عليه اللام على ما صرح به ابن هشام وغيره وإيذان بعظم شأن التنزيل الجليل كيف لا وهو الهادي إلى الكمال الممكن في جانبي العلم والعمل وفي التعبير عن الرسول صلى الله عليه وسلم بالعبد مضافاً إلى ضميره تعالى من الإشارة إلى تعظيمه عليه الصلاة والسلام ، وكذا تعظيم المنزل عليه ما فيه ، وفيه أيضاً إشعار بأن شأن الرسول أن يكون عبداً للمرسل لا كما زعمت النصارى في حق عيسى عليه السلام وتأخير المفعول الصريح عن الجار والمجرور مع أن حقه التقديم عليه ليتصل به قوله تعالى :
{ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ } أي للكتاب { عِوَجَا } أي شيئاً من العوج باختلال اللفظ من جهة الأعراب ومخالفة الفصاحة وتناقض المعنى وكونه مشتملاً على ما ليس بحق أو داعياً لغير الله تعالى والعوج وكذا العوج الانحراف والميل عن الاستقامة إلا أنه قيل هو بكسر العين ما يدرك بفتح العين وبفتح العين ما يدرك بفتح العين( {[581]} ) فالأول الانحراف عن الاستقامة المعنوية التي تدرك بالبصيرة كعوج الدين والكلام ، والثاني الانحراف عن الاستقامة الحسية التي تدرك بالبصر كعوج الحائط . والعود وأورد عليه قوله تعالى : في شأن الأرض { لاَّ ترى فِيهَا عِوَجاً وَلا أَمْتاً } [ طه : 107 ] فإن الأرض محسوسة واعوجاجها وكذا استقامتها مما يدرك بالبصر فكان ينبغي على ما ذكر فتح العين ، وأجيب بأنه لما أريد به هنا ما خفي من الاعوجاج حتى احتاج إثباته إلى المقاييس الهندسية المحتاجة إلى أعمال البصيرة الحق بما هو عقلي صرف فأطلق عليه ذلك لذلك وتعقب بأن لا ترى ظاهر في أن المنفي ما يدرك بالبصر فيحتاج إلى أن يراد به الإدراك ، وعن ابن السكيت أن المكسور أعم من المفتوح .
/ واختار المرزوقي في شرح الفصيح أنه لا فرق بينهما .
( هذا ومن باب الإشارة ) : في الآيات : { الحمد لِلَّهِ الذي أَنْزَلَ على عَبْدِهِ الكتاب } قد تقدم أن مقام العبودية لا يشابهه مقام ولا يدانيه ونبينا صلى الله عليه وسلم في أعلى مراقيه ، وقد ذكر أن العبد الحقيقي من كان حراً عن الكونين وليس ذاك إلا سيدهما صلى الله عليه وسلم { وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا } [ الكهف : 1 ]