مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَلَا تَقۡرَبُواْ ٱلزِّنَىٰٓۖ إِنَّهُۥ كَانَ فَٰحِشَةٗ وَسَآءَ سَبِيلٗا} (32)

قوله تعالى { ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا } .

اعلم أنه تعالى لما أمر بالأشياء الخمسة التي تقدم ذكرها ، وحاصلها يرجع إلى شيئين : التعظيم لأمر الله ، والشفقة على خلق الله ، أتبعها بذكر النهي عن أشياء . أولها : أنه تعالى نهى عن الزنا فقال : { ولا تقربوا الزنا } قال القفال : إذا قيل للإنسان لا تقربوا هذا ، فهذا أكد من أن يقول له لا تفعله ، ثم إنه تعالى علل هذا النهي بكونه : { فاحشة وساء سبيلا } .

واعلم أن الناس قد اختلفوا في أنه تعالى إذا أمر بشيء أو نهى عن شيء فهل يصح أن يقال إنه تعالى إنما أمر بذلك الشيء أو نهى عنه لوجه عائد إليه أم لا ؟ فقال القائلون بتحسين العقل وتقبيحه الأمر كذلك . وقال المنكرون : لتحسين العقل وتقبيحه ليس الأمر كذلك ، احتج القائلون بتحسين العقل وتقبيحه على صحة قولهم بهذه الآية قالوا إنه تعالى نهى عن الزنا ، وعلل ذلك النهي بكونه فاحشة فيمتنع أن يكون كونه فاحشة عبارة عن كونه منهيا عنه . وإلا لزم تعليل الشيء بنفسه وهو محال ، فوجب أن يقال : كونه فاحشة وصف حاصل له باعتبار كونه زنا ، وذلك يدل على أن الأشياء تحسن وتقبح لوجوه عائدة إليها في أنفسها ، ويدل أيضا على أن نهي الله تعالى عنها معلل بوقوعها في أنفسها على تلك الوجوه ، وهذا الاستدلال قريب ، والأولى أن يقال : إن كون الشيء في نفسه مصلحة أو مفسدة أمر ثابت لذاته لا بالشرع ، فإن تناول الغذاء الموافق مصلحة ، والضرب المؤلم مفسدة ، وكونه كذلك أمر ثابت بالعقل لا بالشرع .

وإذا ثبت هذا فنقول : تكاليف الله تعالى واقعة على وفق مصالح العالم في المعاش والمعاد فهذا هو الكلام الظاهري ، وفيه مشكلات مائلة ومباحث عميقة نسأل الله التوفيق لبلوغ الغاية فيها .

إذا عرفت هذا فنقول : الزنا اشتمل على أنواع من المفاسد : أولها : اختلاط الأنساب واشتباهها فلا يعرف الإنسان أن الولد الذي أتت به الزانية أهو منه أو من غيره ، فلا يقوم بتربيته ولا يستمر في تعهده ، وذلك يوجب ضياع الأولاد ، وذلك يوجب انقطاع النسل وخراب العالم . وثانيها : أنه إذا لم يوجد سبب شرعي لأجله يكون هذا الرجل أولى بهذه المرأة من غيره لم يبق في حصول ذلك الاختصاص إلا التواثب والتقاتل ، وذلك يفضي إلى فتح باب الهرج والمرج والمقاتلة ، وكم سمعنا وقوع القتل الذريع بسبب إقدام المرأة الواحدة على الزنا . وثالثها : أن المرأة إذا باشرت الزنا وتمرنت عليه يستقذرها كل طبع سليم ، وكل خاطر مستقيم ، وحينئذ لا تحصل الألفة والمحبة ولا يتم السكن والإزدواج ، ولذلك فإن المرأة إذا اشتهرت بالزنا تنفر عن مقارنتها طباع أكثر الخلق . ورابعها : أنه إذا انفتح باب الزنا فحينئذ لا يبقى لرجل اختصاص بامرأة ، وكل رجل يمكنه التواثب على كل امرأة شاءت وأرادت . وحينئذ لا يبقى بين نوع الإنسان وبين سائر البهائم فرق في هذا الباب . وخامسها : أنه ليس المقصود من المرأة مجرد قضاء الشهوة بل أن تصير شريكة للرجل في ترتيب المنزل وإعداد مهماته من المطعوم والمشروب والملبوس ، وأن تكون ربة البيت وحافظة للباب وأن تكون قائمة بأمور الأولاد والعبيد ، وهذه المهمات لا تتم إلا إذا كانت مقصورة الهمة على هذا الرجل الواحد منقطعة الطمع عن سائر الرجال ، وذلك لا يحصل إلا بتحريم الزنا وسد هذا الباب بالكلية . وسادسها : أن الوطء يوجب الذل الشديد ، والدليل عليه أن أعظم أنواع الشتم عند الناس ذكر ألفاظ الوقاع ، ولولا أن الوطء يوجب الذل ، وإلا لما كان الأمر كذلك ، وأيضا فإن جميع العقلاء لا يقدمون على الوطء إلا في المواضع المستورة ، وفي الأوقات التي لا يطلع عليهم أحد ، وأن جميع العقلاء يستنكفون عن ذكر أزواج بناتهم وأخواتهم وأمهاتهم لما يقدمون على وطئهن ، ولولا أن الوطء ذل ، وإلا لما كان كذلك .

وإذا ثبت هذا فنقول : لما كان الوطء ذلا كان السعي في تقليله موافقا للعقول ، فاقتصار المرأة الواحدة على الرجل الواحد سعى في تقليل ذلك العمل ، وأيضا ما فيه من الذل يصير مجبورا بالمنافع الحاصلة في النكاح ، أما الزنا فإنه فتح باب لذلك العمل القبيح ولم يصر مجبورا بشيء من المنافع فوجب بقاؤه على أصل المنع والحجر ، فثبت بما ذكرنا أن العقول السليمة تقضي على الزنا بالقبح .

وإذا ثبت هذا فنقول : إنه تعالى وصف الزنا بصفات ثلاثة كونه فاحشة ، ومقتا وساء سبيلا : أما كونه فاحشة فهو إشارة إلى اشتماله على فساد الأنساب الموجبة لخراب العالم وإلى اشتماله على التقاتل والتواثب على الفروج وهو أيضا يوجب خراب العالم . وأما المقت : فقد ذكرنا أن الزانية تصير ممقوتة مكروهة ، وذلك يوجب عدم حصول السكن والازدواج وأن لا يعتمد الإنسان عليها في شيء من مهماته ومصالحه . وأما أنه ساء سبيلا ، فهو ما ذكرنا أنه لا يبقى فرق بين الإنسان وبين البهائم في عدم اختصاص الذكران بالإناث ، وأيضا يبقى ذل هذا العمل وعيبه وعاره على المرأة من غير أن يصير مجبورا بشيء من المنافع ، فقد ذكرنا في قبح الزنا ستة أوجه ؛ والله تعالى ذكر ألفاظا ثلاثة ، فحملنا كل واحد من هذه الألفاظ الثلاثة على وجهين من تلك الوجوه الستة ، والله أعلم بمراده .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَلَا تَقۡرَبُواْ ٱلزِّنَىٰٓۖ إِنَّهُۥ كَانَ فَٰحِشَةٗ وَسَآءَ سَبِيلٗا} (32)

{ وَلاَ تَقْرَبُواْ الزنى } بمباشرة مباديه القريبة أو البعيدة فضلاً عن مباشرته ، والنهي عن قربانه على خلاف ما سبق ولحق للمبالغة في النهي عن نفسه ولأن قربانه داع إلى مباشرته ، وفسره الراغب بوطء المرأة من غير عقد شرعي ، وجاء في المد والقصر وإذا مد يصح أن يكون مصدر المفاعلة ، وتوسيط النهي عنه بين النهي عن قتل الأولاد والنهي عن قتل النفس المحرمة مطلقاً كما قال شيخ الإسلام باعتبار أنه قتل للأولاد لما أنه تضييع للأنساب فإن من لم يثبت نسبه ميت حكماً .

{ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً } فعلة ظاهرة القبح زائدته { وَسَاء سَبِيلاً } أي وبئس السبيل سبيلاً لما فيه من اختلال أمر الأنساب وهيجان الفتن ، وقد روى الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : «لا يزنى الزاني حين يزنى وهو مؤمن » وجاء في غير رواية أنه إذا زنى الرجل خرج منه الإيمان فكان فوق رأسه كالظلة فإن تاب ونزع رجع إليه وهو من الكبائر ، وفاحشة مطلقاً على ما أجمع عليه المحققون بل في الحديث الصحيح أنه بحليلة الجار من أكبر الكبائر ، وزعم الحليمي أنه فاحشة إن كان بحليلة الجار أو بذات الرحم أو بأجنبية في شهر رمضان أو في البلد الحرام وكبيرة إن كان مع امرأة الأب أو حليلة الابن أو مع أجنبية على سبيل القهر والإكراه وإذا لم يوجب حدا يكون صغيرة ، ولا يخفى رده وضعف مبناه ، والآية ظاهرة في أنه فاحشة مطلقاً نعم أفحش أنواعه الزنا بحليلة الجار ، وقال بعضهم : أعظم الزنا على الإطلاق الزنا بالمحارم فقد صحح الحاكم أنه صلى الله عليه وسلم قال : «من وقع على ذات محرم فاقتلوه » وزنا الثيب أقبح من زنا البكر بدليل اختلاف حديهما ، وزنا الشيخ لكمال عقله أقبح من زنا الشاب ، وزنا الحر والعالم لكمالهما أقبح من زنا القن والجاهل ، وهل هو أكبر من اللواط أم لا ؟ فيه خلاف وفي الأحياء أنه أكبر منه لأن الشهوة داعية إليه من الجانبين فيكثر وقوعه ويعظم الضرر ، ومنه اختلاط الأنساب بكثرته ، وقد يعارض بأن حده أغلظ بدليل قول مالك وآخرين برجم اللوطي ولو غير محصن بخلاف الزاني .

وقد يجاب بأن المفضول قد يكون فيه مزية ، وفيه ما فيه ، وبالغ بعضهم فقال : إنه مطلقاً يلي الشرك في الكبر ، والأصح أن الذي يلي الشرك هو القتل ثم الزنا ، وخبر الغيبة أشد من ثلاثين زنية في الإسلام الظاهر كما قال ابن حجر الهيثمي أنه لا أصل له ، نعم روى الطبراني . والبيهقي . وغيرهما الغيبة أشد من الزنا إلا أن له ما يبين معناه وهو ما رواه ابن أبي الدنيا . وأبو الشيخ عن جابر . وأبي سعيد رضي الله تعالى عنهما إياكم والغيبة فإن الغيبة أشد من الزنا أن الرجل ليزنى فيتوب الله تعالى عليه وإن صاحب الغيبة لا يغفر له حتى يغفر له صاحبه فعلم منه أن أشدية الغيبة من الزنا ليست على الإطلاق بل من جهة أن التوب الباطنة المستوفية لجميع شروطها من الندم من حيث المعصية والإقلاع وعزم أن لا يعود مع عدم الغرغرة وطلوع الشمس من مغربها مكفرة لإثم الزنا بمجردها بخلاف الغيبة فإن التوبة وإن وجدت فيها هذه الشروط لا تكفرها بل لا بد وأن ينضم إليها استحلال صاحبها مع عفو فكانت الغيبة أشد من هذه الحيثية لا مطلقاً فلا يعكر الحديث على الأصح ، وعلم منه أيضاً أن الزنا لا يحتاج في التوبة منه إلى استحلال وهو ما صرح به غير واحد من المحققين وهو مع ذلك من الحقوق المتعلقة بالآدمي كيف لا وهو من الجناية على الإعراض والأنساب ، ومعنى قولهم إن الزنا لا يتعلق به حق آدمي أي من المال ونحوه وعدم اشتراط الاستحلال لا يدل على أنه ليس من الحقوق المتعلقة بالآدمي مطلقاً ، وإنما لم يشترط الاستحلال لما يترتب على ذكره من زيادة العار والظن الغالب بأن نحو الزوج أو القريب إذا ذكر له ذلك يبادر إلى قتل الزاني أو المزني بها أو إلى قتلهما معاً ومع ما ذكر كيف يمكن القول باشتراطه ، وقد صرح بنحو ذلك حجة الإسلام الغزالي في منهاج العابدين فقال في ضمن تفصيل قال الأذرعي : إنه في غاية الحسن والتحقيق أما الذنب في الحرم فإن خنته في أهله وولده فلا وجه للاستحلال والإظهار لأنه يولد فتنة وغيظاً بل تتضرع إلى الله سبحانه ليرضيه عنك ويجعل له خيراً كثيراً في مقابلته فإن أمنت الفتنة والهيج وهو نادر فتستحل منه ، وقد ق الأذرعي في مواضع في الحسد والتوبة منه : ويشبه أن يحرم الإخبار به إذا غلب على ظنه أن لا يحلله وأنه يتولد منه عداوة وحقد وأذى للمخبر ، ثم قال : ويجوز أن ينظر إلى المحسود فإن كان حسن الخلق بحيث يظن أنه يحلله تعين أخباره ليخرج من ظلامته بيقين وإن غلب على ظنه أن إخباره يجر شراً وعداوة حرم إخباره قطعاً وإن تردد فالظاهر ما ذكره النووي من عدم الوجوب والاستحباب فإن النفس الزكية نادرة وربما جر ذلك شراً وعداوة وإن حلله بلسانه اه ، فإذا كان هذا في الحسد مع سهولته عند أكثر الناس وعدم مبالاتهم به ون ثم أطلق النووي عدم الإخبار فقال : المختار بل الصواب أنه لا يجب إخبار المحسود بل لا يستحب ولو قيل يكره لم يبعد فما بالك في الزنا المستلزم أن الزوج والقريب يقتل فيه بمجرد التوهم فكيف مع التحقق ويعلم من الأخبار أن ثمرات الزنا قبيحة منها أنه يورد النار والعذاب الشديد وأنه يورث الفقر وذهاب البهاء وقصد العمر وأنه يؤخذ بمثله من ذرية الزاني ، ولما قيل لبعض الملوك ذلك أراد تجربته بابنة له وكانت غاية في الحسن فأنزلها مع امرأة وأمرها أن لا تمنع أحداً أراد التعرض لها بأي شيء شاء وأمرها بكشف وجهها فطافت بها في الأسواق فما مرت على أحد إلا وأطرق حياء وخجلاً منها فلما طافت بها المدينة كلها ولم يمد أحد نظره إليها رجعت بها إلى دار الملك فلما أرادت الدخول أمسكها إنسان وقبلها ثم ذهب عنها فادخلتها على الملك وذكرت له القصة فسجد شكراً وقال : الحمد لله تعالى ما وقع مني في عمري قط إلا قبلة وقد قوصصت بها نسأل الله سبحانه أن يعصمنا وذراينا ومن ينسب إلينا من الفواحش ما ظهر منها وما بطن بحرمة النبي صلى الله عليه وسلم .

وقرأ أبي بن كعب كما أخرجه عنه ابن مردويه { وَلاَ تَقْرَبُواْ الزنى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً * وَمَقْتاً وَسَاء سَبِيلاً * إِلاَّ مَن تَابَ * فَإِنَّ الله كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً } فذكر لعمر رضي الله تعالى عنه فأتاه فسأله فقال أخذتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس لك عمل إلا الصفق بالنقيع وهذا إن صح كان قبل العرضة الأخيرة .