قوله تعالى : { أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا . وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا . وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان
المسألة الأولى : في النظم وجوه . الأول : أنه تعالى لما قرر أمر الالهيات والمعاد والنبوات أردفها بذكر الأمر بالطاعات بعد الإيمان وأشرف الطاعات بعد الإيمان الصلاة فلهذا السبب أمر بها . الثاني : أنه تعالى لما قال : { وإن كادوا ليستفزونك من الأرض } [ الإسراء : 76 ] أمره تعالى بالإقبال على عبادته لكي ينصره عليهم فكأنه قيل له لا تبال بسعيهم في إخراجك من بلدتك ولا تلتفت إليهم واشتغل بعبادة الله تعالى وداوم على أداء الصلوات فإنه تعالى يدفع مكرهم وشرهم عنك ويجعل يدك فوق أيديهم ودينك غالبا على أديانهم ونظيره قوله في سورة طه : { فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ، ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى } [ طه : 130 ] وقال : { ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون * فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين * واعبد ربك حتى يأتيك اليقين } [ الحجر : 97-99 ] والوجه الثالث : في تقرير النظم أن اليهود لما قالوا له اذهب إلى الشام فإنه مسكن الأنبياء عزم صلى الله عليه وسلم على الذهاب إليه فكأنه قيل له المعبود واحد في كل البلاد وما النصرة والدولة إلا بتأييده ونصرته فداوم على الصلوات وارجع إلى مقرك ومسكنك وإذا دخلته ورجعت إليه فقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي في هذا البلد سلطانا نصيرا في تقرير دينك وإظهار شرعك ، والله أعلم .
المسألة الثانية : اختلف أهل اللغة والمفسرون في معنى دلوك الشمس على قولين . أحدهما : أن دلوكها غروبها وهذا القول مروي عن جماعة من الصحابة ، فنقل الواحدي في البسيط عن علي عليه السلام أنه قال : دلوك الشمس غروبها . وروى زر بن حبيش أن عبد الله بن مسعود قال : دلوك الشمس غروبها ، وروى سعيد بن جبير هذا القول عن ابن عباس وهذا القول اختيار الفراء وابن قتيبة من المتأخرين . والقول الثاني : أن دلوك الشمس هو زوالها عن كبد السماء وهو اختيار الأكثرين من الصحابة والتابعين واحتج القائلون بهذا القول على صحته بوجوه . الحجة الأولى : روى الواحدي في البسيط عن جابر أنه قال : «طعم عندي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ثم خرجوا حين زالت الشمس فقال النبي صلى الله عليه وسلم هذا حين دلكت الشمس » . الحجة الثانية : روى صاحب «الكشاف » عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " أتاني جبريل عليه السلام لدلوك الشمس حين زالت الشمس فصلى بي الظهر " الحجة الثالثة : قال أهل اللغة معنى الدلوك في كلام العرب الزوال ولذلك قيل للشمس إذا زالت نصف النهار دالكة ، وقيل لها إذا أفلت دالكة لأنها في الحالتين زائلة .
هكذا قاله الأزهري وقال القفال : أصل الدلوك الميل ، يقال : مالت الشمس للزوال ، ويقال : مالت للغروب ، إذا عرفت هذا فنقول : وجب أن يكون المراد من الدلوك ههنا الزوال عن كبد السماء وذلك لأنه تعالى علق إقامة الصلاة بالدلوك ، والدلوك عبارة عن الميل والزوال ، فوجب أن يقال إنه أول ما حصل الميل والزوال تعلق به هذا الحكم فلما حصل هذا المعنى حال ميلها من كبد السماء وجب أن يتعلق به وجوب الصلاة وذلك يدل على أن المراد من الدلوك في هذه الآية ميلها عن كبد السماء وهذه حجة قوية في هذا الباب استنبطتها بناء على ما اتفق عليه أهل اللغة : أن الدلوك عبارة عن الميل والزوال ، والله أعلم . الحجة الرابعة : قال الأزهري الأولى حمل الدلوك على الزوال في نصف النهار ، والمعنى { أقم الصلاة } أي أدمها من وقت زوال الشمس إلى غسق الليل وعلى هذا التقدير فيدخل فيه الظهر والعصر والمغرب والعشاء ، ثم قال : { وقرآن الفجر } فإذا حملنا الدلوك على الزوال دخلت الصلوات الخمس في هذه الآية ، وإن حملناه على الغروب لم يدخل فيه إلا ثلاث صلوات وهي المغرب والعشاء والفجر وحمل كلام الله تعالى على ما يكون أكثر فائدة أولى فوجب أن يكون المراد من الدلوك الزوال ، واحتج الفراء على قوله الدلوك هو الغروب بقول الشاعر :
هذا مقام قدمي رباح*** وقفت حتى دلكت براح
وبراح اسم الشمس أي حتى غابت ، واحتج ابن قتيبة بقول ذي الرمة :
مصابيح ليست باللواتي يقودها*** نجوم ولا أفلاكهن الدوالك
واعلم أن هذا الاستدلال ضعيف لأن عندنا الدلوك عبارة عن الميل والتغير وهذا المعنى حاصل في الغروب فكان الغروب نوعا من أنواع الدلوك فكان وقوع لفظ الدلوك على الغروب لا ينافي وقوعه على الزوال كما أن وقوع لفظ الحيوان على الإنسان لا ينافي وقوعه على الفرس ومنهم من احتج أيضا على صحة هذا القول بأن الدلوك اشتقاقه من الدلك لأن الإنسان يدلك عينيه عند النظر إليها وهذا إنما يصح في الوقت الذي يمكن النظر إليها ومعلوم أنها عند كونها في وسط السماء لا يمكن النظر إليها ، أما عند قربها من الغروب فيمكن النظر إليها ( و ) عندما ينظر الإنسان إليها في ذلك الوقت يدلك عينيه ، فثبت أن لفظ الدلوك مختص بالغروب . والجواب أن الحاجة إلى ذلك التبيين عند كونها في وسط السماء أتم فهذا الذي ذكرته بأن يدل على أن الدلوك عبارة عن الزوال من وسط السماء أولى ، والله أعلم .
المسألة الثالثة : قال الواحدي : اللام في قوله لدلوك الشمس لام الأجل والسبب وذلك لأن الصلاة إنما تجب بزوال الشمس فيجب على المصلي إقامتها لأجل دلوك الشمس .
المسألة الرابعة : قوله : { إلى غسق الليل } غسق الليل سواده وظلمته قال الكسائي : غسق الليل غسوقا ، والغسق : الاسم ، بفتح السين . وقال النضر بن شميل : غسق الليل دخول أوله ، وأتيته حين غسق الليل ، أي حين يختلط ويسد المناظر ، وأصل هذا الحرف من السيلان يقال : غسقت العين تغسق . وهو هملان العين بالماء ، والغاسق السائل ، ومن هذا يقال لما يسيل من أهل النار : الغساق ، فمعنى غسق الليل أي انصب بظلامه ، وذلك أن الظلمة كأنها تنصب على العالم ، وأما قول المفسرين ، قال ابن جريج : قلت لعطاء : ما غسق الليل ؟ قال أوله حين يدخل . وسأل نافع بن الأزرق ابن عباس ما الغسق : قال دخول الليل بظلمته ، وقال الأزهري : غسق الليل عند غيبوبة الشفق عند تراكم الظلمة واشتدادها ، يقال : غسقت العين إذا امتلأت دمعا ، وغسقت الجراحة إذا امتلأت دما ، قال لأنا لو حملنا الغسق على هذا المعنى دخلت الصلوات الأربع فيه وهي الظهر والعصر والمغرب والعشاء ، ولو حملنا الغسق على ظهور أول الظلمة لم يدخل فيه إلا الظهر والمغرب فوجب أن يكون الأول أولى ، واعلم أنه يتفرع على هذين القولين بحث شريف فإن فسرنا الغسق بظهور أول الظلمة كان الغسق عبارة عن أول المغرب وعلى هذا التقدير يكون المذكور في الآية ثلاثة أوقات وقت الزوال ووقت أول المغرب ووقت الفجر وهذا يقتضي أن يكون الزوال وقتا للظهر والعصر فيكون هذا الوقت مشتركا بين هاتين الصلاتين وأن يكون أول المغرب وقتا للمغرب والعشاء فيكون هذا الوقت مشتركا أيضا بين هاتين الصلاتين فهذا يقتضي جواز الجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء مطلقا إلا أنه دل الدليل على أن الجمع في الحضر من غير عذر ولا يجوز فوجب أن يكون الجمع جائزا بعذر السفر وعذر المطر وغيره ، أما إن فسرنا الغسق بالظلمة المتراكمة فنقول الظلمة المتراكمة إنما تحصل عند غيبوبة الشفق الأبيض وكلمة إلى لانتهاء الغاية والحكم الممدود إلى غاية يكون مشروعا قبل حصول تلك الغاية فوجب جواز إقامة الصلوات كلها قبل غيبوبة الشفق الأبيض وهذا إنما يصح إذا قلنا إنها تجب عند غيبوبة الشفق الأحمر ، والله أعلم .
المسألة الخامسة : قوله { وقرآن الفجر } أجمعوا على أن المراد منه صلاة الصبح وانتصابه بالعطف على الصلاة في قوله أقم الصلاة والتقدير أقم الصلاة وأقم قرآن الفجر وفيه فوائد . الأولى : أن هذه الآية تدل على أن الصلاة لا تتم إلا بالقراءة . الفائدة الثانية : أنه تعالى أضاف القرآن إلى الفجر والتقدير أقم قرآن الفجر فوجب أن تتعلق القراءة بحصول الفجر وفي أول طلوع الصبح قد حصل الفجر لأن الفجر سمى فجرا لانفجار ظلمة الليل عن نور الصباح وظاهر الأمر للوجوب فمقتضى هذا اللفظ وجوب إقامة صلاة الفجر من أول طلوعه إلا أنا أجمعنا على أن هذا الوجوب غير حاصل ، فوجب أن يبقى الندب لأن الوجوب عبارة عن رجحان مانع من الترك فإذا منع مانع من تحقق الوجوب وجب أن يرتفع المنع من الترك وأن يبقى أصل الرجحان حتى تنقل مخالفة الدليل فثبت أن هذه الآية تقتضي أن إقامة الفجر في أول الوقت أفضل وهذا يدل على صحة مذهب الشافعي في أن التغليس أفضل من التنوير ، والله أعلم . الفائدة الثالثة : أن الفقهاء بينوا أن السنة أن تكون القراءة في هذه الصلاة أطول من القراءة في سائر الصلوات فالمقصود من قوله { وقرآن الفجر } الحث على أن تطويل القراءة في هذه الصلاة مطلوب لأن التخصيص بالذكر يدل على كونه أكمل من غيره . الفائدة الرابعة : أنه وصف قرآن الفجر بكونه مشهودا . قال الجمهور : معناه أن ملائكة الليل وملائكة النهار يجتمعون في صلاة الصبح خلف الإمام تنزل ملائكة النهار عليهم وهم في صلاة الغداة وقبل أن تعرج ملائكة الليل فإذا فرغ الإمام من صلاته عرجت ملائكة الليل ومكثت ملائكة النهار ثم إن ملائكة الليل إذا صعدت قالت : يا رب إنا تركنا عبادك يصلون لك وتقول ملائكة النهار ربنا أتينا عبادك وهم يصلون فيقول الله تعالى للملائكة اشهدوا أني قد غفرت لهم . وأقول هذا أيضا دليل قوي في أن التغليس أفضل من التنوير لأن الإنسان إذا شرع فيها من أول الصبح ففي ذلك الوقت الظلمة باقية فتكون ملائكة الليل حاضرين ثم إذا امتدت الصلاة بسبب ترتيل القراءة وتكثيرها زالت الظلمة وظهر الضوء وحضرت ملائكة النهار فبهذا الطريق تحضر في هذه الصلاة ملائكة الليل وملائكة النهار أما إذا ابتدأ بهذه الصلاة في وقت التنوير فهناك ما بقيت الظلمة فلم يبق في ذلك الوقت أحد من ملائكة الليل فلا يحصل المعنى المذكور فثبت أن قوله تعالى : { إنه كان مشهودا } دليل قوي على أن التغليس أفضل وعندي في تفسير قوله تعالى : { إنه كان مشهودا } احتمال آخر وذلك لأنه كلما كانت الحوادث الحادثة أعظم وأكمل كان الاستدلال بها على كمال قدرة الله تعالى أكمل فالإنسان إذا شرع في أداء صلاة الصبح من أول هذا الوقت كانت الظلمة القوية باقية في العالم ، فإذا امتدت القراءة في أثناء هذا الوقت ينقلب العالم من الظلمة إلى الضوء والظلمة مناسبة للموت والعدم ، والضوء مناسب للحياة والوجود . وعلى هذا التقدير فالإنسان لما قام من منامه فكأنه انتقل من الموت إلى الحياة ومن العدم إلى الوجود ثم إنه مع ذلك يشاهد في أثناء صلاته انقلاب كلية هذا العالم من الظلمة إلى الضوء ومن الموت إلى الحياة ومن السكون إلى الحركة ومن العدم إلى الوجود . وهذه الحالة حالة عجيبة تشهد العقول والأرواح بأنه لا يقدر على هذا التقليب والتحويل والتبديل إلا الخالق المدبر بالحكمة البالغة والقوة الغير المتناهية وحينئذ يستنير العقل بنور هذه المعرفة وينفتح على العقل والروح أبواب المكاشفات الروحانية الإلهية فتصير الصلاة التي هي عبارة عن أعمال الجوارح مشهودا عليها بهذه المكاشفات الإلهية المقدسة ولذلك فكل من له ذوق سليم وطبع مستقيم إذا قام من منامه وأدى صلاة الصبح في أول الوقت واعتبر اختلاف أحوال العالم من الظلمة الحاصلة إلى النور ومن السكون إلى الحركة فإنه يجد في قلبه روحا وراحة ومزيدا في نور المعرفة وقوة اليقين فهذا هو المراد من قوله : { إن قرآن الفجر كان مشهودا } وظهر أن هذا الاعتبار لا يحصل إلا عند أداء صلاة الفجر على سبيل التغليس فهذا ما خطر بالبال والله أعلم بمراده . وفي الآية احتمال ثالث وهو أن يكون المراد من قوله : { إن قرآن الفجر كان مشهودا } الترغيب في أن تؤدي هذه الصلاة بالجماعة ويكون المعنى كونه مشهودا بالجماعة الكثيرة ومزيد التحقيق فيه أنا بينا أن تأثير هذه الصلاة في تصفية القلب وفي تنويره أكثر من تأثير سائر الصلوات فإذا حضر جمع من المسلمين في المسجد لأداء هذه العبادة استنار قلب كل واحد منهم ثم بسبب ذلك الاجتماع كأنه ينعكس نور معرفة الله تعالى ونور طاعته في ذلك الوقت من قلب كل واحد إلى قلب الآخر فتصير أرواحهم كالمرايا المشرقة المتقابلة إذا وقعت عليها أنوار الشمس فإنه ينعكس النور من كل واحدة من تلك المرايا إلى الأخرى فكذا في هذه الصورة ولهذا السبب فإن كل من له ذوق سليم وأدى هذه الصلاة في هذا الوقت بالجماعة وجد من قلبه فسحة ونورا وراحة . الفائدة الخامسة : قوله : { وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا } يحتمل أن يكون السبب في كونه مشهودا هو أن الإنسان لما نام طول الليل فصار كالغافل في هذه المدة عن مراقبة أحوال الدنيا فزالت صورة الحوادث الجسمانية عن لوح خياله وفكره وعقله وصارت هذه الألواح كألواح سطرت فيها نقوش فاسدة ثم غسلت وأزيلت تلك النقوش عنها ، ففي أول وقت القيام من المنام صارت ألواح عقله وفكره وخياله مطهرة عن النقوش الفاسدة الباطلة . فإذا تسارع الإنسان في ذلك الوقت إلى عبادة الله تعالى وقراءة الكلمات الدالة على تنزيهه والإقدام على الأفعال الدالة على تعظيم الله تعالى انتقش في لوح عقله وفكره وخياله هذه النقوش الطاهرة المقدسة ، ثم إن حصول هذه النقوش يمنع من استحكام النقوش الفاسدة ، وهي النقوش المتولدة من الميل إلى الدنيا وشهواتها فبهذا الطريق يترشح الميل إلى معرفة الله تعالى ومحبته وطاعته ويضعف الميل إلى الدنيا وشهواتها . إذا عرفت هذا فنقول هذه الحكمة إنما تحصل إذا شرع الإنسان في الصلاة من أول قيامه من النوم عند التغليس . وذلك يدل على المقصود واعلم أن أكثر الخلق وقعوا في أمراض القلوب وهي حب الدنيا والحرص والحسد والتفاخر والتكاثر وهذه الدنيا مثل دار المرضى إذا كانت مملوءة من المرضى والأنبياء كالأطباء الحاذقين والمريض ربما قد قوي مرضه فلا يعود إلى الصحة إلا بمعالجات قوية وربما كان المريض جاهلا فلا ينقاد للطبيب ويخالفه في أكثر الأمر ، إلا أن الطبيب إذا كان مشفقا حاذقا فإنه يسعى في إزالة ذلك المرض بكل طريق يقدر عليه فإن لم يقدر على إزالته فإنه يسعى في تقليله وتخفيفه . إذا عرفت هذا فنقول : مرض حب الدنيا مستول على الخلق ولا علاج له إلا بالدعوة إلى معرفة الله تعالى وخدمته وطاعته وهذا علاج شاق على النفوس ، وقل من يقبله وينقاد له . لا جرم ( أن ) الأنبياء اجتهدوا في تقليل هذا المرض وحمل الخلق على الشروع في الطاعة والعبودية من أول وقت القيام من النوم مما ينفع في إزالة هذا المرض من الوجه الذي قررناه فوجب أن يكون مشروعا ، والله أعلم بأسرار كلامه .
{ أَقِمِ الصلاة } أي المفروضة { لِدُلُوكِ الشمس } أي لزوالها عن دائرة نصف النهار وهو المروى عن عمر بن الخطاب . وابنه . وابن عباس في رواية . وأنس . وأبي برزة الأسلمي . والحسن . والشعبي . وعطاء . ومجاهد ، ورواه الإمامية عن أبي جعفر . وأبي عبد الله رضي الله تعالى عنهما وخلق آخرين ، وأخرج ابن جرير . وإسحاق بن راهويه في مسنده . وابن مردويه في تفسيره . والبيهقي في المعرفة عن أبي مسعود عقبة بن عامر قال : «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاني جبريل عليه السلام لدلوك الشمس حين زالت فصلى بي الظهر » وقيل لغروبها( {[570]} ) وهو المروى عندنا عن علي كرم الله تعالى وجهه ، وأخرجه ابن مردويه . والطبراني . والحاكم وصححه . وغيرهم عن ابن مسعود ، وابن المنذر . وغيره عن ابن مسعود ، وروي عن زيد بن أسلم . والنخعي . والضحاك . و
مصابيح ليست باللواتي يقودها . . . نجوم ولا بالأفلاك الدوالك
وأصل مادة د ل ك تدل على الانتقال ففي الزوال انتقال من دائرة نصف النهار إلى ما يليها وفي الغروب انتقال من دائرة الأفق إلى ما تحتها وكذا في الدلك المعروف انتقال اليد من محل إلى آخر بل كل ما أوله دال ولام مع قطع النظر عن آخره يدل على ذلك كدلج بالجيم من الدلجة وهي سير الليل وكذا دلج بالدلو إذا مشى بها من رأس البئر للمصب ودلح بالحاء المهملة إذا مشى مشياً متثاقلاً ولد بالعين المهملة إذا أخرج لسانه . ودلف بالفاء إذا مشى مشية المقيد وبالقاف إذا أخرج المائع من مقره ووله إذا ذهب عقله وفيه انتقال معنوي إلى غير ذلك ، وهذا المعنى يشمل كلا المعنيين السابقين وإن قيل إن الانتقال في الغروب أتم لأنه انتقال معنوي إلى غير ذلك ، وهذا المعنى يشمل كلا المعنيين السابقين وإن قيل إن الانتقال في الغروب أتم لأنه انتقال من مكان إلى مكان ومن ظهور إلى خفاء وليس في الزوال إلا الأول ، وقيل إن الدلوك مصدر مزيد مأخوذ من المصدر المجرد أعني الدلك المعروف وهو أظهر في الزوال لأن من نظر إلى الشمس حينئذٍ يدلك عينه ويكون على هذا في دلوك الشمس تجوز عن دلوك ناظرها ، وقد يستأنس في ترجيح القول الأول مع ما سبق بأن أول صلاة صلاها النبي صلى الله عليه وسلم نهار ليلة الإسراء الظهر ، وقد صح أن جبريل عليه السلام ابتدأ بها حين علم النبي عليه الصلاة والسلام كيفية الصلاة في يومين ، وقال المبرد : دلوك الشمس من لدن زوالها إلى غروبها فالأمر بإقامة الصلاة لدلوكها أمر بصلاتين الظهر والعصر ، وعلى القولين الآخرين أمر بصلاة واحدة الظهر أو العصر ، واللام للتأقيت متعلقة بأقم وهي بمعنى بعد كما في قول متمم بن نويرة يرثي أخاه :
فلما تفرقنا كأني ومالكا . . . لطول اجتماع لم نبت ليلة معاً
ومنه كتبته لثلاث خلون من شهر كذا وتكون بمعنى عند أيضاً ، وقال الواحدي : هي للتعليل لأن دخول الوقت سبب لوجوب الصلاة { أَقِمِ الصلاة لِدُلُوكِ } أي إلى شدة ظلمته كما قال الراغب وغيره وهو وقت العشاء .
وأخرج ابن الأنباري في الوقف عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له : أخبرني ما الغسق ؟ فقال : دخول الليل بظلمته وأنشد قول زهير بن أبي سلمى :
ظلت تجود يداها وهي لاهية . . . حتى إذا جنح الإظلام والغسق
وقال النضر بن شميل : غسق الليل دخول أوله ، قال الشاعر :
إن هذا الليل قد غسقا . . . واشتكيت الهم والأرقا
وهو عنده وقت المغرب ، وروي ذلك عن مجاهد ، وأصله من السيلان يقال غسقت العين تغسق إذا هملت بالماء كان الظلمة تنصب على العالم ، وقيل : المراد من غسق الليل ما يعم وقتي المغرب والعشاء وهو ممتد إلى الفجر كما أن المراد بدلوك الشمس ما يعم وقتي الظهر والعصر ففي الآية بدخول الغاية تحت المغيا وبضم ما بعد إشارة إلى أوقات الصلوات الخمس ، واختاره جماعة من الشيعة واستدلوا بها على أن وقت الظهر موسع إلى غروب الشمس ووقت المغرب موسع إلى انتصاف الليل وهي أحد أدلة الجمع في الحضر بلا عذر الذي ذهبوا إليه وأيدوا ذلك بما رواه العياشي بإسناده عن عبيدة ، وزرارة عن أبي عبد الله أنه قال في هذه الآية : إن الله تعالى افترض أربع صلوات أول وقتها من زوال الشمس إلى انتصاف الليل منها صلاتان أول وقتهما من عند زوال الشمس إلى غروبها إلا أن هذه قبل هذه ومنها صلاتان أول وقتهما غروب الشمس إلى انتصاف الليل ألا إن هذه قبل هذه وهو مرتضى المرتضى في أوقات الصلاة ، والمعتمد عليه عند جمهور المفسرين أن دلوك الشمس وقت الظهر وغسق الليل وقت العشاء كما ينبىء عنه إقحام الغسق وعدم الاكتفاء بإلى الليل ، والجار والمجرور متعلق بأقم ، وأجاز أبو البقاء تعلقه بمحذوف وقع حالاً من الصلاة أي ممدودة إلى الليل والأول أولى وليس المراد بإقامة الصلاة فيما بين هذين الوقتين على وجه الاستمرار بل إقامة كل صلاة في وقتها الذي عين لها ببيان جبريل عليه السلام الثابت في الروايات الصحيحة التي لم يروها من شهد أحد من الأئمة الطاهرين بزندقتهم ونجاسة بواطنهم كما أن إعداد ركعات كل صلاة موكولة إلى بيانه عليه الصلاة والسلام ، ولعل الاكتفاء ببيان المبدأ والمنتهى في أوقات الصلاة من غير فصل بينها لما أن الإنسان فيما بين هذه الأوقات على اليقظة فبعضها متصل ببعض بخلاف وقت العشاء والفجر فإنه باشتغاله فيما بينهما بالنوم عادة ينقطع أحدهما عن الآخر ولذلك فصل وقت الفجر عن سائر الأوقات ، ثم إن المستدل من الشيعة بالآية لا يتم له الاستدلال بها على جواز الجمع بين صلاتي الظهر .
والعصر ، وبين صلاتي المغرب والعشاء ما لم يضم إلى ذلك شيئاً من الأخبار فءنها إذا لم يضم إليها ذلك أولى بأن يستدل بها على جواز الجمع بين الأربعة جميعها لا بين الاثنتين والاثنتين ولا يخفى ما في الاستدلال بها على هذا المطلب ولذا لم يرتضه أبو جعفر منهم ، نعم ما ذهبوا إليه مما يؤيده ظواهر بعض الأحاديث الصحيحة كحديث ابن عباس وهو في «صحيح مسلم » صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر والعصر جمعاً بالمدينة ، وفي رواية أنه صلى الله عليه وسلم صلى ثمانياً جميعاً وسبعاً جميعاً من غير خوف ولا سفر .
واختلف في تأويله فمنهم من أوله بأنه جمع بعذر المطر والجمع بسبب ذلك تقديماً وتأخيراً مذهب الشافعي في القديم وتقديماً فقط في الجديد بالشرط المذكور في كتبهم ، وخص مالك جواز الجمع بالمطر في المغرب والعشاء ، وهذا التأويل مشهور عن جماعة من الكبار المتقدمين وهو ضعيف لما في «صحيح مسلم » عنه أيضاً جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمدينة في غير خوف ولا مطر ، وكون المراد ولا مطر كثير لا يرتضيه ذو إنصاف قليل والشذوذ غير مسلم ، ومنهم من أوله بأنه كان في غيم فصلى صلى الله عليه وسلم الظهر ثم انكشف الغيم وبان أن أول وقت العصر دخل فصلاها ، وفيه أنه وإن كان فيه أدنى احتمال في الظهر والعصر إلا أنه لا احتمال في المغرب والعشاء ، ومنهم من أوله بأنه عليه الصلاة والسلام أخر الأولى إلى آخر وقتهاف صلاها فيه فلما فرغ منها دخل وقت الثانية فصلاها فصارت الصورة صورة جمع ، وفيه أنه مخالف للظاهر مخالفة لا تحتمل ، ويرده أيضاً ما صح عن عبد الله بن شقيق قال : خطبنا ابن عباس يوماً بعد العصر حتى غربت الشمس وبدت النجوم وجعل الناس يقولون : الصلاة الصلاة فجاء رجل من بني تميم فجعل لا يفتر ولا ينثني الصلاة الصلاة فقال ابن عباس : أتعلمني بالسنة لا أم لك رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء قال عبد الله بن شقيق : فحاك في صدري من ذلك شيء فأتيت أبا هريرة فسألته فصدق مقالته ، ومنهم من قال : هو محمول على الجمع بعذر المرض أو نحوه مما هو في معناه من الأعذار وهذا قول الإمام أحمد . والقاضي حسين من الشافعية ، واختاره منهم الخطابي . والمتولي . والروياني .
وقال النووي : هو المختار في التأويل . ومذهب جماعة من الأئمة جواز الجمع في الحضر للحاجة لمن لا يتخذه عادة وهو قول ابن سيرين .
وأشهب من أصحاب مالك . وحكاه الخطابي عن القفال الشاشي الكبير من أصحاب الإمام الشافعي ، وعن أبي إسحاق المروزي ، وعن جماعة من أصحاب الحديث واختاره ابن المنذر . ويؤيده ظاهر ما صح عن ابن عباس . ورواه مسلم أيضاً أنه لما قال : جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمدينة في غير خوف ولا مطر قيل له : لم فعل ذلك ؟ فقال : أراد أن لا يحرج أحداً من أمته وهو من الحرج بمعنى المشقة فلم يعلله بمرض ولا غيره ، ويعلم مما ذكرنا أن قول الترمذي في آخر كتابه ليس في كتابي حديث أجمعت الأمة على ترك العمل به إلا حديث ابن عباس في الجمع بالمدينة من غير خوف ولا مطر وحديث قتل شارب الخمر في المرة الرابعة ناشىء من عدم التتبع ، نعم ما قاله في الحديث الثاني صحيح فقد صرحوا بأنه حديث منسوخ دل الإجماع على نسخه .
وقال ابن الهمام : إن حديث ابن عباس معارض بما في مسلم من حديث ليلة التعريس أنه صلى الله عليه وسلم قال : " ليس في النوم تفريط إنما التفريط في اليقظة أن يؤخر الصلاة حتى يدخل وقت صلاة أخرى " وللبحث في ذلك مجال .
ومذهب الإمام أبي حنيفة عدم جواز جمع صلاتي الظهر والعصر في وقت إحداهما والمغرب والعشاء كذلك مطلقاً إلا بعرفات فيجمع فيها بين الظهر والعصر بسبب النسك وإلا بمزدلفة فيجمع فيها بين المغرب والعشاء بسبب ذلك أيضاً واستدل بما استدل . وفي «الصحيحين » وسنن أبي داود وغيره ما لا يساعده على التخصيص ، وأنت تعلم أن الاحتياط فيما ذهب إليه الإمام رضي الله تعالى عنه فالمحتاط لا يخرج صلاة الظهر مثلاً عن وقتها المتيقن الذي لا خلاف فيه إلى وقت فيه خلاف ، وقد صرح غير واحد بأنه إذا وقع التعارض يقدم الأحوط وتعارض الأخبار في هذا الفصل مما لا يخفى على المتتبع ، هذا وزعم بعضهم أن المراد بالصلاة المأمور بإقامتها صلاة المغرب والتحديد المذكور بيان لمبدأ وقتها ومنتهاه على أن الغاية خارجة واستدل به على امتداده إلى غروب الشفق وهو خلاف ما ذهب إليه الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه في الجديد من أنه ينقضي بمضي قدر زمن وضوء وغسل وتيمم ، وطلب خفيف وإزالة خبث مغلظ يعم البدن والثوب والمحل وستر عورة واجتهاد في القبلة وأذان وإقامة وألحق بهما سائر سنن الصلاة المتقدمة كتعمم وتقمص ومشي لمحل الجماعة وأكل جائع حتى يشبع وسبع ركعات ولعل الزمان الذي يسع كل هذا يزيد على زمن ما بين غروب الشمس وغروب الشفق أي شفق كان في أكثر الاعراض ، ثم لا يخفى أنه إذا كان المراد من غسق الليل وقت العشاء وفسر الغسق باجتماع الظلمة وشدتها كان ذلك مؤيداً لما في ظاهر الرواية عن الإمام أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه من أن أول وقت العشاء حين يغيب الشفق وهو اللغة الحمرة المعلومة لأن تفسيره بالبياض قد جاء أيضاً ، وروي ذلك عن أبي بكر الصديق .
وعمر . ومعاذ بن جبل . وعائشة رضي الله تعالى عنهم أجمعين ، ورواه عبد الرازق عن أبي هريرة وعن عمر بن عبد العزيز ، وبه قال الأوزاعي . والمزني . وابن المنذر . والخطابي ، واختاره المبرد : وثعلب ، وما رواه الترمذي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " أول وقت العشاء حين يغيب الأفق " ظاهر في كون الشفق البياض إذ لا غيبوبة للأفق إلا بسقوطه ؛ نعم ذهب صاحباه إلى أنه الحمرة وهو( {[571]} ) قول ابن عباس . وابن عمر رضي الله تعالى عنهم ، ورواه أسد بن عمرو عن الإمام أيضاً لكنه خلاف ظاهر الرواية عنه ، والصحيح المفتي به عندنا ما جاء في ظاهر الرواية ، وقد نص على ذلك المحقق ابن الهمام . والعلامة قاسم . وابن نجيم . وغيرهما ، وما قاله الإمام أبو المفاخر من أن الإمام رجع إلى قولهما وقال إنه الحمرة لما ثبت عنده من حمل عامة الصحابة إياه على ذلك وعليه الفتوى وتبعه المحبوبي وصدر الشريعة ليس بشيء لأن الرجوع لم يثبت ودون إثباته مع نقل الكافة عن الكافة خلافه خرط القتاد ، وكذا دعوى حمل عامة الصحابة خلاف المنقول كما سمعت حتى أن البيهقي لم يرو أن الشفق الحمرة إلا عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما .
وما رواه الدارقطني عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الشفق الحمرة فإذا غاب وجبت الصلاة " قال البيهقي . والنووي فيه الصحيح أنه موقوف على ابن عمر رضي الله تعالى عنهما ومثل هذا الاختلاف الاختلاف في أول وقت الصحيح أنه موقوف على ابن عمر رضي الله تعالى عنهما ومثل هذا الاختلاف الاختلاف في أول وقت العصر فقال الإمام : هو إذا صار ظل كل شيء مثليه بعد ظل الزوال وقالا : إذا صار ظل كل شيء مثله بعد ظل الزوال ، وفتوى المحققين على قوله رحمة الله تعالى عليه بل قال ابن نجيم : إن الإفتاء بغيره لا يجوز وقد أطال الكلام في ذلك في رسالته رفع الغشاء عن وقتي العصر والعشاء { أَقِمِ الصلاة } عطف على مفعول { أَقِمِ } أو نصب على الإغراء كما قال الزجاج . وأبو البقاء والجمهور على الأول ، والمراد بقرآن الفجر صلاته كما روي عن ابن عباس . ومجاهد ، وسميت قرآناً أي قراءة لأنها ركنها كما سميت ركوعاً وسجوداً وهذه حجة على ابن علية . والأصم في زعمهما أن القراءة ليست بركن في الصلاة قاله في «الكشاف » .
ورد بأن ذلك لا يدل على الركنية لجواز كون مدار التجوز كون القراءة مندوبة فيها . وفي «الكشف » أنه مدفوع بأن العلاقة المعتبرة في إطلاق غير الصلاة وإرادة الصلاة هي علاقة الكل والجزء بدليل النظائر وههنا إذ ورد تجوزاً فحمله على معلوم النظير من الاستقراء واجب على أن الندبية قولاً بقراءة الفاتحة بل بالتكبير الواجب بالاتفاق وفعلاً أيضاً بالركوع والسجود مثلاً الدالين على كمال التعظيم والتبجيل فهو الركن كله لا لأن التسبيح بمعنى قول سبحان الله ليقال تجوز عن الصلاة بما هو مندوب فيها . وتعقب بأن الاكتفاء بعلاقة الندبية التي يقول بها الأصم . وابن علية لا تكلف فيه فإن القرآن جزء من الصلاة الكاملة فيكون ذلك كالنظائر بلا ضرر ولا ضير ، وبأن مذهبهما في التكبير غير معلوم فدعوى الاتفاق غير مسلمة منه ولو كان كما ذكره لكان الوجوب كافياً في علاقة أخرى وهي اللزوم . وفيه بحث ، وأبقى الجصاص القرآن على حقيقته وقال : في الآية دلالة على وجوب القراءة في صلاة الفجر لأن التقدير فيها وأقم قرآن الفجر والأمر للوجوب ولا قراءة في ذلك الوقت واجبة إلا في الصلاة وزعم أن كون المعنى صلوا الفجر غلط من وجهين الأول أنه صرف عن الحقيقة بغير دليل ، والثاني أن { فَتَهَجَّدْ بِهِ } [ الإسراء : 79 ] فيما بعد يأباه إذ لا معنى للتهجد بصلاة الفجر ، وفيه أن الدليل قائم وهو { أَقِمِ } لاشتهار { أَقِمِ الصلاة } دون أقم القراءة وضمير { بِهِ } فيما بعد يجوز أن يرجع إلى القرآن بمعناه الحقيقي استخداماً وهو أكثر من أن يحصى ثم متى دلت الآية على وجوب القراءة في صلاة الفجر نصاً كان ثبوت وجوبها في غيرها من الصلاة قياساً ، وذكر بعضهم أن في التعبير عن صلاة الفجر بخصوصها بما ذكر إشارة إلى أنه يطلب فيها من تطويل القراءة ما لم يطلب في غيرها وهو حسن ، وقال الإمام : إن في الآية دلالة على أنه يسن التغليس في صلاة الفجر لأنه أضيف فيها القرآن إلى الفجر على معنى أقم قررن الفجر والأمر للوجوب والفجر أول طلوع الصبح لانفجار ظلمة الليل عن نور الصباح حينئذٍ ولذلك سمي الفجر فجراً فيقتضي ذلك وجوب إقامة صلاة الفجر أول الطلوع وحيث أجمع على عدم وجوب ذلك بقي الندب لأن الوجوب عبارة عن رجحان مانع الترك فإذا منع مانع من تحقق الوجوب كالإجماع هنا وجب أن يرتفع المنع من الترك وأن يبقى أصل الرجحان حتى تقل مخالفة الدليل .
وأنت تعلم ما للعلماء من الخلاف في الباقي بعد رفع الوجوب ، وما ذكر قول في المسألة لكنه لا يفيد المطلوب لأن صلاة الفجر اسم للصلاة المخصوصة سواء وقعت بغلس أم أسفار ، والأخبار الصحيحة تدل على سنية الأسفار بها كخبر الترمذي وهو كما قال : حسن صحيح
" أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر " وحمله على تبين الفجر حتى لا يكون شك في طلوعه ليس بشيء إذ ما لم يتبين لا يحكم بجواز الصلاة فضلاً عن إصابة الأجر المفاد بآخر الخبر ولو حمل أعظم فيه على عظيم ورد أن المناسب في التعليل فإنه لا تصح الصلاة بدونه على أنه على ما فيه ينفيه رواية الطحاوي أسفروا بالفجر فكلما أسفرتم فهو أعظم الأجر أو لأجوركم أو كما قال ، وروي بسنده الصحيح عن إبراهيم قال : ما اجتمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على شيء ما اجتمعوا على التنوير ، ومحال نظراً إلى علو شأنهم أن يجتمعوا على خلاف ما فارقهم عليه حبيبهم رسول الله عليه الصلاة والسلام .
وفي «الصحيحين » عن ابن مسعود وما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى صلاة لميقاتها إلا صلاتين صلاة المغرب والعشاء بجمع وصلى الفجر يومئذٍ قبل ميقاتها مع أنه كان بعد الفجر كما يفيده لفظ البخاري فيكون المراد قبل ميقاتها الذي اعتاد الأداء فيه ، والظاهر أنه عليه الصلاة والسلام لم يكن يعتاد التغليس إلا أنه فعله يومئذٍ ليمتد الوقوف . ونحن نقول بسنيته بفجر جمع لهذا الحديث .
وخبر عائشة رضي الله تعالى عنها «كان صلى الله عليه وسلم يصلي الصبح بغلس فتشهد معه نساء ملتفعات بمروطهن ثم يرجعن إلى بيوتهن ما يعرفهن أحد من الغلس » حمل الغلس فيه بعض أصحابنا على غلس داخل المسجد ، ويأباه قولها : ثم يرجعن إلى بيوتهن ما يعرفهن أحد من الغلس إذ لا يمكن حمل هذا الغلس المانع من معرفتهن في طريق رجوعهن إلى بيوتهن على غلس داخل المسجد ، وكون المراد ما يعرفهن أحد في داخل المسجد من الغلس خلاف الظاهر على تقدير جعل الجملة حالاً من ضمير يرجعن .
والظاهر ما أشرنا إليه ، وكذا جعل الجملة حالاً من نساء أو صفة لها كأنه قيل فتشهد معه نساء ملتفعات بمروطهن ما يعرفهن أحد من الغلس ثم يرجعن إلى بيوتهن ، وقيل كان ذلك في يوم غيم ، ويبعده كان فإنها شائعة الاستعمال فيما كان يداوم عليه عليه الصلاة والسلام ، وقيل هو منسوخ كما يدل عليه اجتماع الصحابة على التنوير ، ويبعد ذلك أن النسخ يقتضي سابقية وجود المنسوخ ، وقول ابن مسعود : ما رأيت الخ يفيد أن لا سابقية له . وقال بعضهم : ترجح في الأخبار المتعارضة هنا رواية الرجال خصوصاً مثل ابن مسعود فإن الحال أكشف لهم في صلاة الجماعة فتأمل .
وذكر الطحاوي أن الذي ينبغي الدخول في الفجر وقت التغليس والخروج وقت الأسفار ، وهو قول الإمام أبي حنيفة وصاحبيه وهو خلاف ما يذكره الأصحاب عنهم من البدء والختم في الأسفار وهو الذي يفيده حديث الترمذي وغيره والله تعالى أعلم ، ثم إن صلاة الفجر وإن كانت إحدى الصلوات الخمس التي فرضت ليلة الإسراء عليه صلى الله عليه وسلم وعلى أمته ودلت هذه الآية على وجوب إقامتها كذلك إلا أنه عليه الصلاة والسلام لم يصلها صبح تلك الليلة لعدم العلم بكيفيتها حينئذٍ وإنما علم الكيفية بعد .
وقد قدمنا قريباً أن البداءة وقعت في صلاة الظهر إشارة إلى أن دينه عليه الصلاة والسلام سيظهر على الأديان ظهورها على بقية الصلوات ، ونوه سبحانه هنا بشأن صلاة الفجر بقوله عز وجل :
{ إِنَّ قُرْءانَ الفجر } حيث لم يقل سبحانه إنه { كَانَ مَشْهُودًا } أخرج أحمد . والنسائي . وابن ماجه . والترمذي . والحاكم وصححاه وجماعة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في تفسير ذلك : تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار ، وفي الصحيحين عنه رضي الله عنه أنه قال : " قال النبي صلى الله عليه وسلم تجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر ثم قال أبو هريرة : «اقرأوا إن شئتم { وقُرْءانَ الفجرإن قرآن الفجر كَانَ مَشْهُودًا } " . والمراد بهؤلاء الملائكة الكتبة والحفظة فتنزل ملائكة النهار وتصعد ملائكة الليل وتلتقي الطائفتان في ذلك الوقت ، وكذا تلتقي الطائفتان وأمر النزول والصعود على العكس وقت العصر كما جاء في الآثار ، وهذا مما يعكر على الإمام في زعمه أن هذا أيضاً دليل قوي على أن التغليس أفضل من التنوير لأن الإنسان إذا شرع في الصلاة من أول الصبح يكون ملائكة الليل حاضرين لبقاء الظلمة فإذا امتدت الصلاة بسبب ترتيب القراءة وتكثيرها زالت الظلمة وظهر الضوء وحضر ملائكة النهار فإنه يلزمه على هذا البيان الذي لا يروج إلا على الصبيان القول بأن تأخير صلاة العصر إلى أن يزول الضوء وتظهر الظلمة وهو لا يقول به بل لا يقول به أحد .
وهل الطائفة التي تشهد اليوم مثلاً تشهد غداً أو كل يوم تشهد طائفة أخرى لم تشهد قبل ولا تشهد بعد فيه خلاف ، وسيأتي الكلام إن شاء الله تعالى فيما يتعلق بذلك .
وقيل يشهد الكثير من المصلين في العادة ، وقيل من حقه أن تشهده الجماعة الكثيرة ، وقيل تشهده وتحضر فيه شواهد القدرة من تبدل الضياء بالظلمة والانتباه بالنوم الذي هو أخو الموت ، وهو احتمال أبداه الإمام وبسط الكلام فيه ، قم قال : وهذا هو المراد من قوله تعالى : { إِنَّ قُرْءانَ الفجر كَانَ مَشْهُودًا } ثم ذكر احتمال كون المراد مشهوداً بالجماعة الكثيرة وبسط الكلام أيضاً في تحقيقه ، وأنت تعلم أنه لا وجه للحصر المدلول عليه بقوله : وهذا هو المراد ثم إبداء ذلك الاحتمال على أنه بعدما صح تفسير النبي صلى الله عليه وسلم له بما سمعت لا ينبغي أن يقال في غيره هذا هو المراد ، ولا يخفى ما في هذه الجملة من الترغيب والحث على الاعتناء بأمر صلاة الفجر لأن العبد في ذلك الوقت مشيع كراماً ومتلقى كراماً فينبغي أن يكون على أحسن حال يتحدث به الراحل ويرتاح له النازل .
( ومن باب الإشارة ) : في الآيات : وأن كادوا ليفتنونك إلى آخره تنبيه لحبيبه صلى الله عليه وسلم عن الوقوع فيما يخل بحفظ شرائط المحبة وفيه إشارة إلى أيصاله إلى مقام التمكين { أَقِمِ الصلاة لِدُلُوكِ الشمس إلى غَسَقِ اليل } الآية ، ذكر أن الصلاة على خمسة أقسام صلاة المواصلة والمناغاة في مقام الخفي وصلاة المشاهدة في مقام الروح وصلاة المناجاة في مقام السر وصلاة الحضور في مقام القلب وصلاة المطاوعة والانقياد في مقام النفس . فدلوك الشمس إشارة إلى زوال شمس الوحدة عن الاستواء على وجود العبد بالفناء المحض فإنه لا صلاة في حال الاستواء إذ لا وجود للعبد حينئذ ولا شعور له بنفسه ، وإنما تجب بالزوال وحدوث ظل وجود العبد سواء عند الاحتجاب بالخلق وهو حالة الفرق قبل الجمع أو عند البقاء وهو حالة الفرق بعد الجمع ، وغسق الليل إشارة إلى غسق ليل النفس وقرآن الفجر إشارة إلى قرآن فجر القلب ، وأدل الصلوات وألطفها صلاة المواصلة وأفضلها صلاة الشهود المشار إليها بصلاة العصر وأخفها صلاة السر المشار إليها بصلاة المغرب وأشدها تثبيتاً للنفس صلاة النفس المشار إليها بصلاة العشاء وأزجرها للشيطان صلاة الحضور المشار إليها بالفجر { إنَّ قُرآنَ الفَجْرِ كَانَ مشْهُوداً } [ الإسراء : 78 ] أي تشهده ملائكة الليل والنهار ؛ وهذا إشارة إلى نزول صفات القلب وأنوارها وذهاب صفات النفس وزوالها ،