مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَأَزۡلَفۡنَا ثَمَّ ٱلۡأٓخَرِينَ} (64)

أما قوله تعالى : { وأزلفنا ثم الأخرين } ففيه بحثان :

البحث الأول : قال ابن عباس وابن جريج وقتادة والسدي { وأزلفنا } أي وقربنا ثم أي حيث انفلق البحر للآخرين قوم فرعون ثم فيه ثلاثة أوجه : أحدها : قربناهم من بني إسرائيل . وثانيها : قربنا بعضهم من بعض وجمعناهم حتى لا ينجو منهم أحد . وثالثها : قدمناهم إلى البحر ومن الناس من قال : { وأزلفنا } أي حبسنا فرعون وقومه عند طلبهم موسى عليه السلام بأن أظلمنا عليهم الدنيا بسحابة وقفت عليهم فوقفوا حيارى ، وقرئ { وأزلقنا } بالقاف أي أزللنا أقدامهم والمعنى أذهبنا عزهم ويحتمل أن يجعل الله طريقهم في البحر على خلاف ما جعله لبني إسرائيل يبسا وأزلقهم .

البحث الثاني : أنه تعالى أضاف ذلك الإزلاف إلى نفسه مع أن اجتماعهم هنالك في طلب موسى كفر أجاب الجبائي عنه من وجهين : الأول : أن قوم فرعون تبعوا بني إسرائيل وبنو إسرائيل إنما فعلوا ذلك بأمر الله تعالى فلما كان مسيرهم بتدبيره وهؤلاء تبعوا ذلك أضافه إلى نفسه توسعا وهذا كما يتعب أحدنا في طلب غلام له فيجوز أن يقول أتعبني الغلام لما حدث ذلك فعله . الثاني : قيل : { وأزلفنا ثم الأخرين } أي أزلفناهم إلى الموت لأجل أنهم في ذلك الوقت قربوا من أجلهم وأنشد :

وكل يوم مضى أو ليلة سلفت *** فيها النفوس إلى الآجال تزدلف

وأجاب الكعبي عنه من وجهين : الأول : أنه تعالى لما حلم عنهم ، وترك البحر لهم يبسا وطمعوا في عبوره جازت الإضافة كالرجل يسفه عليه صاحبه مرارا فيحلم عنه ، فإذا تمادى في غيه وأراه قدرته عليه قال له أنا أحوجتك إلى هذا وصيرتك إليه بحلمي ، لا يريد بذلك أنه أراد ما فعل . الثاني : يحتمل أنه أزلفهم أي جمعهم ليغرقهم عند ذلك ولكي لا يصلوا إلى موسى وقومه والجواب : عن الأول أن الذي فعله بنو إسرائيل هل له أثر في استجلاب داعية قوم فرعون إلى الذهاب خلفهم أوليس له أثر فيه . فإن كان الأول فقد حصل المقصود لأن لفعل الله تعالى أثرا في حصول الداعية المستلزمة لذلك الإزلاف ، وإن لم يكن له فيه أثر البتة فقد زال التعلق فوجب أن لا تحسن الإضافة ، وأما إذا تعب أحدنا في طلب غلام له ، فإنما يجوز أن يقول أتعبني ذلك الغلام لما أن فعل ذلك الغلام صار كالمؤثر في حصول ذلك التعب لأنه متى فعل ذلك الفعل فالظاهر أنه يصير معلوما للسيد ، ومتى علمه صار علمه داعيا له إلى ذلك التعب ومؤثرا فيه فصحت الإضافة . وبالجملة فعندنا القادر لا يمكنه الفعل إلا بالداعي فالداعي مؤثر في صيرورة القادر مؤثرا في ذلك الفعل فلا جرم حسنت الإضافة . والجواب : عن الثاني وهو أنه أزلفهم ليغرقهم فهو أنه تعالى ما أزلفهم بل هم بأنفسهم ازدلفوا ثم حصل الغرق بعده ، فكيف يجوز إضافة هذا الإزلاف إلى الله تعالى ؟ أما على قولنا فإنه جائز لأنه تعالى هو الذي خلق الداعية المستعقبة لذلك الازدلاف والجواب : عن الثالث وهو أن حلمه تعالى عنهم وحملهم على ذلك ، فنقول ذلك الحلم هل له أثر في استجلاب هذه الداعية أم لا ؟ وباقي التقرير كما تقدم والجواب : عن الرابع هو بعينه الجواب عن الثاني والله أعلم .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَأَزۡلَفۡنَا ثَمَّ ٱلۡأٓخَرِينَ} (64)

{ وَأَزْلَفْنَا } عطف على { أَوْحَيْنَا } [ الشعراء : 63 ] ، وقيل : على محذوف يقتضيه السياق والتقدير فأدخلنا بني إسرائيل فيما انفلق من البحر وأزلفنا { ثُمَّ } أي هنالك { الاخرين } أي فرعون وجنوده أي قربناهم من قوم موسى عليه السلام حتى دخلوا على أثرهم مداخلهم ، وجوز أن يراد قربنا بعضهم من بعض وجمعناهم لئلا ينجو منهم أحد .

أخرج ابن عبد الحكم عن مجاهد قال : كان جبريل عليه السلام بين الناس بين بني إسرائيل وبين آل فرعون فجعل يقول لبني إسرائيل : ليلحق آخركم بأولكم ويستقبل آل فرعون فيقول : رويدكم ليلحقكم آخركم فقال بنو إسرائيل : ما رأينا سائقاً أحسن سياقاً من هذا وقال آل فرعون : ما رأينا وازعاً أحسن زعة من هذا ، وقرأ الحسن . وأبو حيوة . { وزلفنا } بدون همزة ، وقرأ أبي وابن عباس . وعبد الله بن الحرث { العظيم وَأَزْلَفْنَا } بالقاف عوض الفاء أي أزلقنا أقدامهم ، والمعنى اذهبنا عزهم كقوله :

تداركتما عبساً وقد ثل عرشها *** وذبيان إذ زلت بأقدامها النعل

ويحتمل أن يجعل الله تعالى طريقهم في البحر على خلاف ما جعله لبني إسرائيل يبساً فيزلقهم فيه .

هذا وقال صاحب اللوامح : قيل من قرأ بالقاف أراد بالآخرين فرعون وقومه ومن قرأ بالفاء أراد بهم موسى عليه السلام وأصحابه أي جمعنا شملهم وقربناهم بالنجاة . ولا يخفى أنه يبعد إرادة موسى عليه السلام وأصحابه من الآخرين قوله سبحانه :