ثم بين الله تعالى كما أخبره بقوله : { يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو الرحيم الغفور }
ما يلج في الأرض من الحبة والأموات ويخرج منها من السنابل والأحياء وما ينزل من السماء من أنواع رحمته منها المطر ومنها الملائكة ومنها القرآن ، وما يعرج فيها منها الكلم الطيب لقوله تعالى : { إليه يصعد الكلم الطيب } ومنها الأرواح ومنها الأعمال الصالحة لقوله : { والعمل الصالح يرفعه } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قدم ما يلج في الأرض على ما ينزل من السماء ، لأن الحبة تبذر أولا ثم تسقى ثانيا .
المسألة الثانية : قال { وما يعرج فيها } ولم يقل يعرج إليها إشارة إلى قبول الأعمال الصالحة ومرتبة النفوس الزكية وهذا لأن كلمة إلى للغاية ، فلو قال وما يعرج إليها لفهم الوقوف عند السماوات فقال : { وما يعرج فيها } ليفهم نفوذها فيها وصعودها منها ولهذا قال في الكلم الطيب : { إليه يصعد الكلم الطيب } لأن الله هو المنتهى ولا مرتبة فوق الوصول إليه ، وأما السماء فهي دنيا وفوقها المنتهى .
المسألة الثالثة : قال : { وهو الرحيم الغفور } رحيم بالإنزال حيث ينزل الرزق من السماء ، غفور عندما تعرج إليه الأرواح والأعمال فرحم أولا بالإنزال وغفر ثانيا عند العروج .
يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأرض وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ ( 2 )
{ يَعْلَمُ مَا يَلْجُ في الأرض } الخ استئناف لتفصيل بعض ما يحيط به علمه تعالى من الأمور التي نيطت بها مصالحهم الدينية والدنيوية ، وجوز أن يكون تفسيراً لخبير ، وأن يكون حالاً من ضميره تعالى في { لَّهُ مَا فِي السموات } [ سبأ : 1 ] فيكون { لَهُ الحمد في الآخرة } اعتراضاً بين الحال وصاحبها أي يعلم سبحانه ما يدخل في الأرض من المطر { وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا } من النبات قاله السدي .
وقال الكلبي : ما يدخل فيها من الأموات وما يخرج منها من جواهر المعادن ، والأولى التعميم في الموصولين فيشملان كل ما يلج في الأرض ولو بالوضع فيها وكل ما يخرج منها حتى الحيوان فإنه كله مخلوق من التراب .
{ وَمَا يَنزِلُ مِنَ السماء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا } أي من الملائكة قاله السدي . والكلبي ، والأولى التعميم فيشمل { مَا يُنَزّلٍ } المطر والثلج والبرد والصاعقة والمقادير ونحوها أيضاً { وَمَا يَعْرُجُ } الأبخرة الأدخنة وأعمال العباد وأدعيتهم ونحوها أيضاً ، ويراد بالسماء جهة العلو مطلقاً ولعل ترتيب المتعاطفات كما سمعت إفادة للترقي في المدح ، وضمن العروج معنى السير أو الاستقرار على ما قيل فلذا عدى بفي دون إلى ، وقيل : لا حاجة إلى اعتبار التضمين والمراد بما يعرج فيها ما يعرج في ثخن السماء ويعلم من العلم بذلك العلم بما يعرج إليها من باب أولى فتدبر ، وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه . والسلمي { يُنَزّلٍ } بضم الياء وفتح النون وشد الزاي أي الله كذا في «البحر » .
وفي «الكشاف » عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه قرأ { نُنَزّلُ } بالتشديد ونون العظمة { وَهُوَ } مع كثرة نعمته وسبوغ فضله { الرحيم الغفور } للمفرطين في أداء مواجب شكرها فهذا التذنيب مع كونه مقرراً للخبرة مفصل لما أجمل في قوله سبحانه : { لَّهُ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض } يعرف منه كيف كان كله نعمة وكالتبصر لأنواع النعم الكلية فكل منه ومن التذنيب السابق في موضعه اللاحق فلا تتوهم أن العكس أنسب .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.