مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{إِلَّا مَنۡ هُوَ صَالِ ٱلۡجَحِيمِ} (163)

ثم استثنى منه ما في قوله تعالى : { إلا من هو صال الجحيم } فوجب أن يكون المراد من وقوع الفتنة هو كونه محكوما عليه بأنه صال الجحيم ، وذلك تصريح بأن حكم الله بالسعادة والشقاوة هو الذي يؤثر في حصول الشقاوة والسعادة . واعلم أن أصحابنا قرروا هذه الحجة بالحديث المشهور وهو أنه حج آدم موسى ، قال القاضي هذا الحديث لم يقبله علماء التوحيد ، لأنه يوجب أن لا يلام أحد على شيء من الذنوب ، لأنه إن كان آدم لا يجوز لموسى أن يلومه على عمل كتبه الله عليه قبل أن يخلقه ، فكذلك كل مذنب . فإن صحت هذه الحجة لآدم عليه السلام ، فلماذا قال موسى عليه السلام في الوكزة هذا من عمل الشيطان ، إنه عدو مضل مبين ؟ ولما قال فلن أكون ظهيرا للمجرمين ؟ ولماذا لام فرعون وجنوده على أمر كتبه الله عليهم ؟ ومن عجيب أمرهم أنهم يكفرون القدرية ، وهذا الحديث يوجب أن آدم كان قدريا ، فلزمهم أن يكفروه ، وكيف يجوز مع قول آدم وحواء عليهما السلام :

{ ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لكنتم من الخاسرين } [ الأعراف : 23 ] أن يحتج على موسى بأنه لا لوم عليه ، وقد كتب عليه ذلك قبل أن يخلقه ، هذا جملة كلام القاضي فيقال له هب أنك لا تقبل ذلك الخبر ، فهل ترد هذه الآية أم لا ، فإنا بينا أن صريح هذه الآية يدل على أنه لا تأثير للوساوس في هذا الباب ، فإن الكل يحصل بحكمة الله تعالى ، والذي يدل عليه وجوه الأول : أن الكافر إن ضل بسبب وسوسة الشيطان فضلال الشيطان إن كان بسبب شيطان آخر لزم تسلسل الشياطين وهو محال ، وإن انتهى إلى ضلال لم يحصل بسبب وسوسة متقدمة فهو المطلوب الثاني : أن كل أحد يريد أن يحصل لنفسه الاعتقاد الحق والدين الصدق ، فحصول ضده يدل على أن ذلك ليس منه الثالث : أن الأفعال موقوفة على الدواعي وحصول الدواعي بخلق الله ، فيكون الكل من الله تعالى الرابع : أنه تعالى لما اقتضت حكمته شيئا ، وعلم وقوعه ، فلو لم يقع ذلك الشيء لزم انقلاب ذلك الحكم كذبا وانقلاب ذلك العلم جهلا وهو محال ، وأما الآيات التي تمسك بها القاضي فهي معارضة بالآيات الدالة على أن الكل من الله والقرآن كالبحر المملوء من هذه الآيات فتبقى الدلائل العقلية التي ذكرناها سليمة ، والله أعلم .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{إِلَّا مَنۡ هُوَ صَالِ ٱلۡجَحِيمِ} (163)

و { أَنتُمْ } خطاب للكفرة ومعبوديهم على سبيل التغليب نحو أنت وزيد تخرجان أي ما أنتم ومعبودوكم مفسدين أحداً على الله عز وجل بإغوائكم إلا من سبق في علم الله تعالى أنه من أهل النار يصلاها ويدخلها لا محالة .

وجوز كون الواو هنا مثلها في قولهم كل رجل وضيعته فجملة { مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ } الخ مستقلة ليست خبراً لإن وضمير { عَلَيْهِ } لما بتقدير مضاف وهو متعلق بفاتنين أيضاً بتضمينه معنى البعث أو الحمل ولا تغليب في الخطاب كأنه قيل : إنكم وآلهتكم قرناء لا تبرحون تعبدونها ثم قيل ما أنتم على عبادة ما تعبدون بباعثين أو حاملين على طريق الفتنة والإضلال أحداً إلا من سبق في علمه تعالى أنه من أهل النار ، وظاهر صنيع بعضهم أن أمر التغليب في { أَنتُمْ } على هذا على حاله ، وأنت تعلم أن الظاهر الاتصال ، وجوز أن يراد معنى المعية وخبر إن جملة { مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ } الخ ويكون الكلام على أسلوب قول الوليد بن عقبة بن أبي معيط عامله الله تعالى بما هو أهلة يحض معاوية على حرب الأمير علي كرم الله تعالى وجهه

: فإنك والكتاب إلى علي *** كدابغة وقد حلم الأديم

قال في «الكشف » : ومعنى الآية أي عليه أنكم يا كفرة مع معبوديكم لا يتسهل لكم إلا أن تفتنوا من هو ضال مثلكم ، وهو بيان لخلاصة المعنى ، واستظهر أبو حيان العطف وكون الضمير للعبادة وتضمين فاتنين معنى الحمل وتغليب المخاطب على الغائب في { أَنتُمْ } وكون الجملة المنفية خبر إن . وحكي عن بعضهم القول بأن على بمعنى الباء والضمير المجرور به لما تعبدون فتأمل .

وقرأ الحسن . وابن أبي عبلة { صَالُو * الجحيم } بالواو على ما في كتاب الكامل للهذلي ، وفي كتاب ابن خالويه عنهما { صَالِ } بالضم ولا واو . وفي «اللوامح » و «الكشاف » عن الحسن { صَالُو * الجحيم } بضم اللام فعلى إثبات الواو هو جمع سلامة سقطت النون للإضافة ، وفي الكلام مراعاة لفظ من أولاً ومعناها ثانياً كما هو قوله تعالى :

{ وَمِنَ الناس مَن يَقُولُ ءامَنَّا بالله وباليوم الأخر وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ } [ البقرة : 8 ] وعلى عدم إثباتها فيه ثلاثة أوجه ، الأول : أن يكون جمعاً حذفت النون منه للإضافة ثم واو الجمع لالتقاء الساكنين وأتبع الخط اللفظ .

الثاني : أن يكون مفرداً حذفت لامه وهي الياء تخفيفاً وجعلت كالمنسي وجرى الإعراب على عينه كما جرى على عين يد ودم وعلى ذلك قوله تعالى : { وَجَنَى الجنتين دَانٍ } [ الرحمن : 54 ] وقوله سبحانه : { وَلَهُ الجوار المنشآت } [ الرحمن : 24 ] بضم نون { الجنتين دَانٍ } وراء { الجوار } وقولهم ما باليت به بالة فإن أصل بالة بالية بوزن عافية حذفت لامه فأجري الإعراب على عينه ولما لحقته الهاء انتقل إليها ، الثالث : أن يكون مفرداً أيضاً ويكون أصله صائل على القلب المكاني بتقديم اللام على العين ثم حذفت اللام المقدمة وهي الياء فبقي صال بوزن فاع وصار معرباً كباب ونظيره شاك الجاري إعرابه على الكاف في لغة

[ بم وقوله تعالى :