ثم قال تعالى : { فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرا }
واعلم أنه تعالى لما شرح فضائح أعمال اليهود وقبائح الكافرين وأفعالهم ذكر عقيبه تشديده تعالى عليهم في الدنيا وفي الآخرة ، أما تشديده عليهم في الدنيا فهو أنه تعالى حرم عليهم طيبات كانت محللة لهم قبل ذلك ، كما قال تعالى في موضع آخر { وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون } ثم إنه تعالى بين ما هو كالعلة الموجبة لهذه التشديدات .
واعلم أن أنواع الذنوب محصورة في نوعين : الظلم للخلق ، والإعراض عن الدين الحق ، أما ظلم الخلق فإليه الإشارة بقوله { وبصدهم عن سبيل الله } ثم إنهم مع ذلك في غاية الحرص في طلب المال ، فتارة يحصلونه بالربا مع أنهم نهوا عنه ، وتارة بطريق الرشوة وهو المراد بقوله { وأكلهم أموال الناس بالباطل } ونظيره قوله تعالى : { سماعون للكذب أكالون للسحت } فهذه الأربعة هي الذنوب الموجبة للتشديد عليهم في الدنيا وفي الآخرة ، أما التشديد في الدنيا فهو الذي تقدم ذكره من تحريم الطيبات عليهم ، وأما التشديد في الآخرة فهو المراد من قوله { وأعتدنا للكافرين منهم عذابا أليما } .
وأعيدت الباء هنا ولم تعد في قوله تعالى : { وَأَخْذِهِمُ الربَوا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ } لأنه فصل بين المعطوف والمعطوف عليه بما ليس معمولاً للمعطوف عليه ، وحيث فصل بمعموله لم تعد ، وجملة ( وقد نهوا ) حالية ، وفي الآية دلالة على أن الربا كان محرماً عليهم كما هو محرم علينا ، وأن النهي يدل على حرمة المنهى عنه ، وإلا لما توعد سبحانه على مخالفته { وَأَكْلِهِمْ أموال الناس * بالباطل } بالرشوة وسائر الوجوه المحرمة { وَأَعْتَدْنَا للكافرين مِنْهُمْ } أي للمصرين على الكفر لا لمن تاب وآمن من بينهم كعبدالله بن سلام وأضرابه { عَذَاباً أَلِيماً } سيذوقونه في الآخرة كما ذاقوا في الدنيا عقوبة التحريم ، وذكر في «البحر » أن التحريم كان عاماً للظالم وغيره ، وأنه من باب { واتقوا فتنة لا تصيبنّ الذين ظلموا منكم خاصة } [ الأنفال : 25 ] دون العذاب ، ولذا قال سبحانه : ( للكافرين ) دون لهم وإلى ذلك ذهب الجبائي أيضاً فتدبر .
( هذا ومن باب الإشارة ) :{ وَأَخْذِهِمُ الربا } وهو فضول العلم الرسمي الجدلي الذي هو كشجرة الخلاف لا ثمرة له ، وكاللذات البدنية والحظوظ النفسانية { وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ } لما أنه الحجاب العظيم { وَأَكْلِهِمْ أموال الناس بالباطل } [ النساء : 161 ] أي استعمال علوم القوى الروحانية في تحصيل الخسائس الدنيوية ، أو أخذ ما في أيدي العباد برذيلة الحرص والطمع
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.