مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{فَبِظُلۡمٖ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمۡنَا عَلَيۡهِمۡ طَيِّبَٰتٍ أُحِلَّتۡ لَهُمۡ وَبِصَدِّهِمۡ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ كَثِيرٗا} (160)

ثم قال تعالى : { فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرا }

واعلم أنه تعالى لما شرح فضائح أعمال اليهود وقبائح الكافرين وأفعالهم ذكر عقيبه تشديده تعالى عليهم في الدنيا وفي الآخرة ، أما تشديده عليهم في الدنيا فهو أنه تعالى حرم عليهم طيبات كانت محللة لهم قبل ذلك ، كما قال تعالى في موضع آخر { وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون } ثم إنه تعالى بين ما هو كالعلة الموجبة لهذه التشديدات .

واعلم أن أنواع الذنوب محصورة في نوعين : الظلم للخلق ، والإعراض عن الدين الحق ، أما ظلم الخلق فإليه الإشارة بقوله { وبصدهم عن سبيل الله } ثم إنهم مع ذلك في غاية الحرص في طلب المال ، فتارة يحصلونه بالربا مع أنهم نهوا عنه ، وتارة بطريق الرشوة وهو المراد بقوله { وأكلهم أموال الناس بالباطل } ونظيره قوله تعالى : { سماعون للكذب أكالون للسحت } فهذه الأربعة هي الذنوب الموجبة للتشديد عليهم في الدنيا وفي الآخرة ، أما التشديد في الدنيا فهو الذي تقدم ذكره من تحريم الطيبات عليهم ، وأما التشديد في الآخرة فهو المراد من قوله { وأعتدنا للكافرين منهم عذابا أليما } .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{فَبِظُلۡمٖ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمۡنَا عَلَيۡهِمۡ طَيِّبَٰتٍ أُحِلَّتۡ لَهُمۡ وَبِصَدِّهِمۡ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ كَثِيرٗا} (160)

{ فَبِظُلْمٍ مّنَ الذين هَادُواْ } أي تابوا من عبادة العجل ، والتعبير عنهم بهذا العنوان إيذان بكمال عظم ظلمهم بتذكير وقوعه بعد تلك التوبة الهائلة إثر بيان عظمه بالتنوين التفخيمي أي بسبب ظلم عظيم خارج عن حدود ( الأشباه والأشكال ) صادر عنهم { حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طيبات أُحِلَّتْ لَهُمْ } ولمن قبلهم لا لشيء غيره كما زعموا ، فإنهم كانوا كلما ارتكبوا معصية من المعاصي التي اقترفوها يحرم عليهم نوع من الطيبات التي كانت محللة لهم ولمن تقدمهم من أسلافهم عقوبة لهم ، ومع ذلك كانوا يفترون على الله تعالى الكذب ويقولون : لسنا بأول من حرمت عليه وإنما كانت محرمة على نوح وإبراهيم ومن بعدهما عليهم الصلاة والسلام حتى انتهى الأمر إلينا فكذبهم الله تعالى في مواقع كثيرة وبكتهم بقوله سبحانه : { كُلُّ الطعام كَانَ حِلاًّ لّبَنِى إسراءيل } [ آل عمران : 93 ] الآية ، وقد تقدم الكلام فيها ، وذهب بعض المفسرين أن المحرم عليهم ما سيأتي إن شاء الله تعالى في الأنعام ( 146 ) مفصلاً .

/ واستشكل بأن التحريم كان في التوراة ولم يكن حينئذٍ كفر بمحمد صلى الله عليه وسلم وبعيسى عليه السلام ولا ما أشار إليه قوله تعالى : { وَبِصَدّهِمْ عَن سَبِيلِ الله كَثِيراً } أي ناساً كثيراً ، أو صداً أو زماناً كثيراً ، وقيل في جوابه : إن المراد استمرار التحريم فتدبر ولا تغفل ، وهذا معطوف على الظلم وجعله ، وكذا ما عطف عليه في «الكشاف » بياناً له ، وهو كما قال بعض المحققين لدفع ما يقال : إن العطف على المعمول المتقدم ينافي الحصر ، ومن جعل الظلم بمعناه وجعل { *بصدّهم } متعلقاً بمحذوف فلا إشكال عليه ، ومن هذا يعلم تخصيص ما ذكره أهل المعاني من أنه مناف للحصر بما إذا لم يكن الثاني بياناً للأول كما إذا قلت : بذنب ضربت زيداً وبسوء أدبه ، فإن المراد فيه لا بغير ذنب ، وكذا خصصوا ذلك بما إذا لم يكن الحصر مستفاداً من غير التقديم .

( هذا ومن باب الإشارة ) :{ فَبِظُلْمٍ مّنَ الذين هَادُواْ } وهو عبادتهم عجل الشهوات واتخاذه إلهاً وامتناعهم عن دخول باب حضيرة القدس واعتدائهم في السبت بمخالفة الشرع الذي هو المظهر الأعظم والاحتجاب عن كشف توحيد الأفعال ونقضهم ميثاق الله تعالى واحتجابهم عن توحيد الصفات الذي هو كفر بآيات الله تعالى إلى غير ذلك من المساوي :

مساو لو قسمن على الغواني *** لما أمهرن إلا بالطلاق

{ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طيبات } عظيمة جليلة وهي ما في الجنات الثلاث { أُحِلَّتْ لَهُمْ } بحسب استعدادهم لولا هذه الموانع { وَبِصَدّهِمْ عَن سَبِيلِ الله } أي طريقه الموصلة إليه سبحانه { كَثِيراً } [ النساء : 160 ] أي خلقاً كثيراً وهي القوى الروحانية