قوله تعالى : { وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ساء ما يحكمون }
اعلم أنه تعالى لما بين قبح طريقتهم في إنكارهم البعث ، والقيامة ذكر عقيبه أنواعا من جهالاتهم وركاكات أقوالهم تنبيها على ضعف عقولهم ، وقلة محصولهم ، وتنفيرا للعقلاء عن الالتفات إلى كلماتهم ، فمن جملتها أنهم يجعلون لله من حروثهم ، كالتمر والقمح ، ومن أنعامهم كالضأن والمعز والإبل والبقر ، نصيبا ، فقالوا : { هذا لله بزعمهم } يريد بكذبهم .
فإن قيل : أليس أن جميع الأشياء لله فكيف نسبوا إلى الكذب في قولهم : هذا لله ؟
قلنا : إفرازهم النصيبين نصيبا لله ؛ ونصيبا للشيطان هو الكذب . قال الزجاج : وتقدير الكلام جعلوا لله نصيبا ولشركائهم نصيبا ودل على هذا المحذوف تفصيله القسمين فيما بعد ، وهو قوله : { هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا } وجعل الأوثان شركاءهم لأنهم جعلوا لها نصيبا من أموالهم ينفقونها عليها .
ثم قال تعالى : { فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم } وفي تفسيره وجوه : الأول : قال ابن عباس رضي الله عنهما : كان المشركون يجعلون لله من حروثهم وأنعامهم نصيبا ، وللأوثان نصيبا ، فما كان للصنم أنفقوه عليه ، وما كان لله أطعموه الصبيان والمساكين ، ولا يأكلون منه البتة . ثم إن سقط مما جعلوه لله في نصيب الأوثان تركوه وقالوا : إن الله غني عن هذا ، وإن سقط مما جعلوه للأوثان في نصيب الله أخذوه وردوه إلى نصيب الصنم ، وقالوا : إنه فقير . الثاني : قال الحسن والسدي : كان إذا هلك ما لأوثانهم أخذوا بدله مما لله ، ولا يفعلون مثل ذلك فيما لله عز وجل . الثالث : قال مجاهد : المعنى أنه إذا انفجر من سقي ما جعلوه للشيطان في نصيب الله سدوه ، وإن كان على ضد ذلك تركوه . الرابع : قال قتادة : إذا أصابهم القحط استعانوا بما لله ووفروا ما جعلوه لشركائهم . الخامس : قال مقاتل : إن زكا ونما نصيب الآلهة ولم يزك نصيب الله تركوا نصيب الآلهة لها ، وقالوا لو شاء زكى نصيب نفسه وإن زكا نصيب الله ولم يزك نصيب الآلهة ، قالوا لا بد لآلهتنا من نفقة ، فأخذوا نصيب الله فأعطوه السدنة ، فذلك قوله : { فما كان لشركائهم } يعني من نماء الحرث والأنعام { فلا يصل إلى الله } يعني المساكين وإنما قال : { إلى الله } لأنهم كانوا يفرزونه لله ويسمونه نصيب الله ، وما كان لله فهو يصل إليهم ، ثم إنه تعالى ذم هذا الفعل { فقال ساء ما يحكمون } وذكر العلماء في كيفية هذه الإساءة وجوها كثيرة : الأول : أنهم رجحوا جانب الأصنام في الرعاية والحفظ على جانب الله تعالى ، وهو سفه . الثاني : أنهم جعلوا بعض النصيب لله وجعلوا بعضه لغيره مع أنه تعالى الخالق للجميع ، وهذا أيضا سفه . الثالث : أن ذلك الحكم حكم أحدثوه من قبل أنفسهم ، ولم يشهد بصحته عقل ولا شرع ، فكان أيضا سفها . الرابع : أنه لو حسن إفراز نصيب الأصنام لحسن إفراز النصيب لكل حجر ومدر ، الخامس : أنه لا تأثير للأصنام في حصول الحرث والأنعام ، ولا قدرة لها أيضا على الانتفاع بذلك النصيب فكان إفراز النصيب لها عبثا ، فثبت بهذا الوجوه أنه { ساء ما يحكمون } والمقصود من حكاية أمثال هذه المذاهب الفاسدة ، أن يعرف الناس قلة عقول القائلين بهذه المذاهب ، وأن يصير ذلك سببا لتحقيرهم في أعين العقلاء ، وأن لا يلتفت إلى كلامهم أحد ألبتة .
{ وَجَعَلُواْ } أي مشركو العرب { لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ } أي خلق . قال الراغب : «الذرء ، إظهار الله تعالى ما ( أبدعه ) يقال : ذرأ الله تعالى الخلق أي أوجد أشخاصهم » ، وقال الطبرسي : «الذرء الخلق على وجه الاختراع وأصله الظهور ومنه ملح ذرْآني ( وذَرَآني ) لظهور بياضه » . و ( من ) متعلقة بجعل و ( ما ) موصولة وجملة { ذَرَأَ } صلته والعائد محذوف . وقوله سبحانه : { مِنَ الحرث والانعام } متعلق بذرأ . وجوز أبو البقاء أن يكون { مّمَّا } متعلقاً بمحذوف وقع حالاً من قوله تعالى : { نَصِيباً } وأن يكون { مِنَ الحرث } حالاً أيضاً من ما أو من العائد المحذوف . و { نَصِيباً } على كل تقدير مفعول جعل وهو متعد لواحد ، وجوز أن يكون متعدياً لاثنين أولهما { مِمَّا ذَرَأَ } على أن من تبعيضية وثانيهما { نَصِيباً } ، وقيل : الأمر بالعكس . واعترض بأنه لا يساعده سداد المعنى ، وأياً ما كان فهذا شروع في تقبيح أحوالهم الفظيعة بحكاية أقوالهم وأفعالهم الشنيعة .
أخرج ابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال في الآية : إنهم كانوا إذا احترثوا حرثاً أو كانت لهم ثمرة جعلوا لله تعالى منه جزءاً وجزءاً للوثن فما كان من حرث أو ثمرة أو شيء من نصيب الأوثان حفظوه وأحصوه فإن سقط شيء مما سمي للصمد ردوه إلى ما جعلوه للوثن وإن سبقهم الماء الذي جعلوه للوثن فسقي شيئاً مما جعلوه لله تعالى جعلوه للوثن وإن سقط شيء من الحرث والثمرة الذي جعلوه لله تعالى فاختلط بالذي جعلوه للوثن قالوا : هذا فقير ولم يردوه إلى ما جعلوا لله تعالى وإن سبقهم الماء الذي سموا لله تعالى فسقي ما سموا للوثن تركوه للوثن ، وكانوا يحرمون من أنعامهم البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي فيجعلونه للأوثان ويزعمون أنهم يحرمون لله سبحانه . وروي أنهم كانوا يعينون شيئاً من حرث ونتاج لله تعالى فيصرفونه إلى الضيفان والمساكين وأشياء منهما لآلهتهم فينفقون منها لسدنتها ويذبحون عندها فإذا رأوا ما جعلوه لله تعالى زاكياً نامياً يزيد في نفسه خيراً رجعوا فجعلوه لآلهتهم وإذا زكا ما جعلوه لآلهتهم تركوه معتلين بأن الله تعالى غني وما ذاك إلا لفرط جهلهم حيث أشركوا الخالق القادر جماداً لا يقدر على شيء ثم رجحوه عليه سبحانه بأن جعلوا الزاكي له ، واختار هذه الرواية الزجاج وغيره .
وأصل النظم الكريم وجعلوا لله الخ ولشركائهم فطوى ذكر الشركاء لأنه على ما قيل أمر محقق عندهم وأشير إلى تقديره بالتصريح به في قوله تعالى : { فَقَالُواْ هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وهذا لِشُرَكَائِنَا } أي الأوثان ، وسموهم شركاءهم لأنهم جعلوا لهم نصيباً من أموالهم فهم شركاؤهم فيها : ويحتمل أن الإضافة لأدنى ملابسة حيث إنهم زعموا كونهم شركاء لله تعالى .
وقرأ الكسائي ويحيى بن وثاب والأعمش { بِزَعْمِهِمْ } بضم الزاي وهو لغة فيه ، وجاء الكسر أيضاً فهو مثلث كالود وقد تقدم معناه ، وإنما قيد به الأول للتنبيه على أنه في الحقيقة ليس يجعل لله سبحانه غير مستتبع لشيء من الثواب كالتطوعات التي يبتغى بها وجه الله تعالى ، وقيل : للإيذان بأن ذلك مما اخترعوه لم يأمرهم الله تعالى به . ورد بأن ذلك مستفاد من الجعل ولذلك لم يقيد به الثاني . وجوز أن يكون ذلك تمهيداً لما بعده على أن معنى قولهم : { هذا لِلَّهِ } مجرد زعم منهم لا يعلمون بمقتضاه الذي هو اختصاصه به تعالى .
فقوله سبحانه : { فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلاَ يَصِلُ إِلَى الله وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إلى شُرَكَائِهِمْ } بيان وتفصيل له أي فما عينوه لشركائهم لا يصرف إلى الوجوه التي يصرف إليها ما عينوه لله تعالى وما عينوه لله تعالى يصرف إلى الوجوه التي يصرف إليها ما عينوه لآلهتهم { سَاء مَا يَحْكُمُونَ } فيما فعلوا من إيثار مخلوق عاجز عن كل شيء على خالق قادر على كل شيء وعملهم بما لم يشرع لهم ، و { سَاء } يجري مجرى بئس ، فما سواء كانت موصولة أو موصوفة فاعل ، والمخصوص بالذم محذوف أي حكمهم هذا ، وقيل : إن { سَاء } هنا غير الجارية مجرى بئس فلا تحتاج إلى مخصوص بالذم بل إلى فاعل فقط فإن فاعل الجارية يجب أن يكون معرفاً باللام أو مضافاً في الأشهر ، واختاره بعض المحققين .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.