جامع البيان في تفسير القرآن للإيجي - الإيجي محيي الدين  
{وَجَعَلُواْ لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ ٱلۡحَرۡثِ وَٱلۡأَنۡعَٰمِ نَصِيبٗا فَقَالُواْ هَٰذَا لِلَّهِ بِزَعۡمِهِمۡ وَهَٰذَا لِشُرَكَآئِنَاۖ فَمَا كَانَ لِشُرَكَآئِهِمۡ فَلَا يَصِلُ إِلَى ٱللَّهِۖ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَىٰ شُرَكَآئِهِمۡۗ سَآءَ مَا يَحۡكُمُونَ} (136)

{ وجعلوا } أي : مشركو العرب ، { لله ما ذرأ } : خلق ، { مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ{[1534]} } : كانوا يجعلون من أموالهم نصيبا لله ومصرفه الضيفان ، ونصيبا لآلهتهم ومصرفه خدم أصنامهم فإن سقط شيء من الثمر مثلا من نصيب الوثن فيما سمى للصمد ردوه إلى ما جعلوه للوثن وإن هلك أو انتقص منه شيء أخذوا بدله مما جعلوا لله ، وإن سقط شيء من نصيب الله في نصيب الأوثان خلوه أو مات شيء منه لم يبالوا به ، وقالوا : الله غني ، وهذا معنى قوله : ( فما كان لشركائهم ) الآية ، وفي قوله : ( مما ذرأ ) إشارة إلى جهلهم بأنهم أشركوا الخالق في خلقه جمادا ، ثم جعلوا له النصيب الأوفر ، وقوله : ( بزعمهم ) إشارة إلى أن هذا مخترعهم ليس من أمر الله ، ولا يصل إليه ، { ساء ما يحكمون{[1535]} } : حكمهم هذا .


[1534]:ونظير هذا في زماننا جعل كثير من عابدي القبور قسطا من أموالهم نذرا للموتى ويحتاطون فيه ما لا يحتاطون في حق الله تعالى ويهتمون فيه ما لا يهتمون في قسط الله المفروض كما يجعلون شيئا من الزرع، ويعينونه بأسمائهم بأن هذا نذر فلان وقسطه، ويقلدون بعض أنعامهم، ويشتهرونه بأسمائهم، ويصرفون على سدنة قبورهم ومجاوريهم وينحرونها على قبورهم فهذا بعينه الذي كان يفعله المشركون الذين حكى الله تعالى عنهم (وجعلوا لله مما ذرأ) الآية (ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا مما رزقناهم تالله لتسألن عما كنتم تفترون) (النحل: 56)، فهؤلاء القبوريون والمعتقدون في جهال الأحياء وضلالهم سلكوا مسالك المشركين، حذو القذة بالقذة فاعتقدوا فيهم ما لا يجوز أن يعتقدوه إلا في الله تعالى هكذا قال السيد الأمير اليماني صاحب سبل السلام شرح بلوغ المرام في كتابه (تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد)/12.
[1535]:والمقصود من حكاية أمثال هذه المذاهب الفاسدة أن يعرف الناس قلة عقول القائلين بهذه المذاهب وأن يصير ذلك سببا لتحقيرهم في أعين العقلاء وألا يلتفت إلى كلامهم أحد البتة/12 كبير.