مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٍۚ إِلَّا تَفۡعَلُوهُ تَكُن فِتۡنَةٞ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَفَسَادٞ كَبِيرٞ} (73)

ثم قال تعالى : { والذين كفروا بعضهم أولياء بعض } وفيه مسائل :

المسألة الأولى : اعلم أن هذا الترتيب الذي اعتبره الله في هذه الآية في غاية الحسن لأنه ذكر ههنا أقساما ثلاثة : فالأول : المؤمنون من المهاجرين والأنصار وهم أفضل الناس وبين أنه يجب أن يوالي بعضهم بعضا .

والقسم الثاني : المؤمنون الذين لم يهاجروا فهؤلاء بسبب إيمانهم لهم فضل وكرامة وبسبب ترك الهجرة لهم حالة نازلة فوجب أن يكون حكمهم حكما متوسطا بين الإجلال والإذلال وذلك هو أن الولاية المثبتة للقسم الأول ، تكون منفية عن هذا القسم ، إلا أنهم يكونون بحيث لو استنصروا المؤمنين واستعانوا بهم نصروهم وأعانوهم . فهذا الحكم متوسط بين الإجلال والإذلال . وأما الكفار فليس لهم البتة ما يوجب شيئا من أسباب الفضيلة . فوجب كون المسلمين منقطعين عنهم من كل الوجوه فلا يكون بينهم ولاية ولا مناصلة بوجه من الوجوه ، فظهر أن هذا الترتيب في غاية الحسن .

المسألة الثانية : قال بعض العلماء : قوله : { والذين كفروا بعضهم أولياء بعض } يدل على أن الكفار في الموارثة مع اختلاف مللهم كأهل ملة واحدة ، فالمجوسي يرث الوثني ، والنصراني يرث المجوسي ، لأن الله تعالى قال : { والذين كفروا بعضهم أولياء بعض } .

واعلم أن هذا الكلام إنما يستقيم إذا حملنا الولاية على الإرث وقد سبق القول فيه ، بل الحق أن يقال : إن كفار قريش كانوا في غاية العداوة لليهود فلما ظهرت دعوة محمد صلى الله عليه وسلم تناصروا وتعاونوا على إيذائه ومحاربته ، فكان المراد من الآية ذلك . وتمام التحقيق فيه أن الجنسية علة الضم وشبيه الشيء منجذب إليه ، والمشركون واليهود والنصارى لما اشتركوا في عداوة محمد صلى الله عليه وسلم صارت هذه الجهة موجبة لانضمام بعضهم إلى بعض وقرب بعضهم من بعض وذلك يدل على أنهم ما أقدموا على تلك العداوة لأجل الدين ، لأن كل واحد منهم كان في نهاية الإنكار لدين صاحبه ، بل كان ذلك من أدل الدلائل على أن تلك العداوة لمحض الحسد والبغي والعناد .

ثم إنه تعالى لما بين هذه الأحكام قال : { إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير } والمعنى : إن لم تفعلوا ما أمرتكم به في هذه التفاصيل المذكورة المتقدمة تحصل فتنة في الأرض ومفسدة عظيمة ، وبيان هذه الفتنة والفساد من وجوه : الأول : أن المسلمين لو اختلطوا بالكفار في زمان ضعف المسلمين وقلة عددهم ، فربما صارت تلك المخالطة سببا لالتحاق المسلم بالكفار . الثاني : أن المسلمين لو كانوا متفرقين لم يظهر منهم جمع عظيم ، فيصير ذلك سببا لجراءة الكفار عليهم . الثالث : أنه إذا كان جمع المسلمين كل يوم في الزيادة في العدة والعدة ، صار ذلك سببا لمزيد رغبتهم فيما هم فيه ورغبة المخالف في الالتحاق بهم .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٍۚ إِلَّا تَفۡعَلُوهُ تَكُن فِتۡنَةٞ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَفَسَادٞ كَبِيرٞ} (73)

{ والذين كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ } آخر منهم أي في الميراث كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، وقال قتادة . وابن إسحاق : في المؤازرة ، وهذا بمفهومه مفيد لنفي الموارثة والمؤازرة بينهم وبين المسلمين وإيجاب ضد ذلك وإن كانوا أقارب ، ومن هنا ذهب الجمهور إلى أنه لا يرث مسلم كافراً ولا كافر مسلماً ، وأخرج ذلك ابن مردويه . والحاكم وصححه عن أسامة رضي الله تعالى عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال ذلك وقرأ الآية ، ومن الناس من قال : إن المسلم يرث الكافر دون العكس وليس مما يعول عليه والفتوى على الأول كما تحقق في محله { إِلاَّ تَفْعَلُوهُ } أي إلا تفعلوا ما أمرتم به في الآيتين ، وقيل : الضمير المنصوب للميثاق أو حفظه أو الإرض أو النصر أو الاستنصار المفهوم من الفعل والأولى ما ذكرنا ، وفي الأخير ما لا يخفى من التكلف .

{ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِى الارض } أي تحصل فتنة عظيمة فيها ، وهي اختلاف الكلمة وضعف الإيمان وظهور الكفر { وَفَسَادٌ كَبِيرٌ } وهو سفك الدماء على ما روي عن الحسن فالمراد فساد كبير فيها ، وقيل : المراد في الدارين وهو خلاف الظاهر ، وعن الكسائي أنه قرأ { كَثِيرٍ } بالمثلثة .