سورة التوبة مائة وثلاثة وثلاثون وقيل عشرون وتسع آيات مدنية
قال صاحب «الكشاف » : لها عدة أسماء : براءة ، والتوبة ، والمقشقشة ، والمبعثرة ، والمشردة ، والمخزية ، والفاضحة ، والمثيرة ، والحافرة ، والمنكلة ، والمدمدمة ، وسورة العذاب ، قال لأن فيها التوبة على المؤمنين ، وهي تقشقش من النفاق أي تبرئ منه ، وتبعثر عن أسرار المنافقين ، وتبحث عنها ، وتثيرها . وتحفر عنها ، وتفضحهم ، وتنكل بهم ، وتشردهم وتخزيهم ، وتدمدم عليهم . وعن حذيفة : أنكم تسمونها سورة التوبة ، والله ما تركت أحدا إلا نالت منه . وعن ابن عباس في هذه السورة قال : إنها الفاضحة ما زالت تنزل فيهم وتنال منهم حتى خشينا أن لا تدع أحدا ، وسورة الأنفال نزلت في بدر ، وسورة الحشر نزلت في بني النضير . فإن قيل : ما السبب في إسقاط التسمية من أولها ؟
الوجه الأول : روي عن ابن عباس قال : قلت لعثمان بن عفان ، ما حملكم على أن عمدتم إلى سورة براءة وهي من المئين ، وإلى سورة الأنفال وهي من المثاني ، فقرنتم بينهما وما فصلتم ببسم الله الرحمن الرحيم ؟ فقال : كان النبي صلى الله عليه وسلم كلما نزلت عليه سورة يقول : «ضعوها في موضع كذا » وكانت براءة من آخر القرآن نزولا . فتوفي صلى الله عليه وسلم ولم يبين موضعها ، وكانت قصتها شبيهة بقصتها فقرن بينهما . قال القاضي يبعد أن يقال : إنه عليه السلام لم يبين كون هذه السورة تالية لسورة الأنفال ، لأن القرآن مرتب من قبل الله تعالى ومن قبل رسوله على الوجه الذي نقل ، ولو جوزنا في بعض السور أن لا يكون ترتيبها من الله على سبيل الوحي ، لجوزنا مثله في سائر السور وفي آيات السور الواحدة ، وتجويزه يطرف ما يقوله الإمامية من تجويز الزيادة والنقصان في القرآن . وذلك يخرجه من كونه حجة ، بل الصحيح أنه عليه السلام أمر بوضع هذه السورة ، بعد سورة الأنفال وحيا ، وأنه عليه السلام حذف بسم الله الرحمن الرحيم من أول هذه السورة وحيا .
الوجه الثاني : في هذا الباب ما يروى عن أبي بن كعب أنه قال : إنما توهموا ذلك ، لأن في الأنفال ذكر العهود ، وفي براءة نبذ العهود . فوضعت إحداهما بجنب الأخرى والسؤال المذكور عائد ههنا ، لأن هذا الوجه إنما يتم إذا قلنا إنهم إنما وضعوا هذه السورة بعد الأنفال من قبل أنفسهم لهذه العلة .
والوجه الثالث : أن الصحابة اختلفوا في أن سورة الأنفال وسورة التوبة سورة واحدة أم سورتان ؟ فقال بعضهم : هما سورة واحدة لأن كلتيهما نزلت في القتال ومجموعهما هذه السورة السابعة من الطوال وهي سبع ، وما بعدها المئون . وهذا قول ظاهر لأنهما معا ومائتان وست آيات ، فهما بمنزلة سورة واحدة . ومنهم من قال هما سورتان ، فلما ظهر الاختلاف بين الصحابة في هذا الباب تركوا بينهما فرجة تنبيها على قول من يقول هما سورتان ، وما كتبوا بسم الله الرحمن الرحيم بينهما تنبيها على قول من يقول هما سورة واحدة ، وعلى هذا القول لا يلزمنا تجويز مذهب الإمامية ، وذلك لأنه لما وقع الاشتباه في هذا المعنى بين الصحابة لم يقطعوا بأحد القولين ، وعملوا عملا يدل على أن هذا الاشتباه كان حاصلا ، فلما لم يتسامحوا بهذا القدر من الشبهة دل على أنهم كانوا مشددين في ضبط القرآن عن التحريف والتغيير ، وذلك يبطل قول الإمامية .
الوجه الرابع : في هذا الباب : أنه تعالى ختم سورة الأنفال بإيجاب أن يوالي المؤمنون بعضهم بعضا وأن يكونوا منقطعين عن الكفار بالكلية ، ثم إنه تعالى صرح بهذا المعنى في قوله : { براءة من الله ورسوله } فلما كان هذا عين ذلك الكلام وتأكيدا له وتقريرا له ، لزم وقوع الفاصل بينهما ، فكان إيقاع الفصل بينهما تنبيها على كونهما سورتين متغايرتين ، وترك كتب بسم الله الرحمن الرحيم بينهما تنبيها على أن هذا المعنى هو عين ذلك المعنى .
الوجه الخامس : قال ابن عباس : سألت عليا رضي الله عنه : لم لم يكتب بسم الله الرحمن الرحيم بينهما ؟ قال : لأن بسم الله الرحمن الرحيم أمان ، وهذه السورة نزلت بالسيف ونبذ العهود وليس فيها أمان ، ويروى أن سفيان بن عيينة ذكر هذا المعنى ، وأكده بقوله تعالى : { ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا } فقيل له : أليس أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل الحرب بسم الله الرحمن الرحيم . فأجاب عنه : بأن ذلك ابتداء منه بدعوتهم إلى الله ، ولم ينبذ إليهم عهدهم . ألا تراه قال في آخر الكتاب : «والسلام على من اتبع الهدى » وأما في هذه السورة فقد اشتملت على المقاتلة ونبذ العهود فظهر الفرق .
والوجه السادس : قال أصحابنا : لعل الله تعالى لما علم من بعض الناس أنهم يتنازعون في كون بسم الله الرحمن الرحيم من القرآن ، أمر بأن لا تكتب ههنا ، تنبيها على كونها آية من أول كل سورة ، وأنها لما لم تكن آية من هذه السورة ، لا جرم لم تكتب ، وذلك يدل على أنها لما كتبت في أول سائر السور وجب كونها آية من كل سورة .
قوله تعالى : { براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين } وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : معنى البراءة انقطاع العصمة . يقال : برئت من فلان أبرأ براءة ، أي انقطعت بيننا العصمة ولم يبق بيننا علقة ، ومن هنا يقال برئت من الدين ، وفي رفع قوله : { براءة } قولان : الأول : أنه خبر مبتدأ محذوف أي هذه براءة . قال الفراء : ونظيره قولك إذا نظرت إلى رجل جميل ، جميل والله ، أي هذا جميل والله ، وقوله : { من } لابتداء الغاية ، والمعنى : هذه براءة واصلة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم ، كما تقول كتاب من فلان إلى فلان . الثاني : أن يكون قوله : { براءة } مبتدأ وقوله : { من الله ورسوله } صفتها وقوله : { إلى الذين عاهدتم } هو الخبر كما تقول رجل من بني تميم في الدار .
فإن قالوا : ما السبب في أن نسب البراءة إلى الله ورسوله ، ونسب المعاهدة إلى المشركين ؟
قلنا قد أذن الله في معاهدة المشركين ، فاتفق المسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاهدهم ثم إن المشركين نقضوا العهد فأوجب الله النبذ إليهم ، فخوطب المسلمون بما يحذرهم من ذلك ، وقيل اعلموا أن الله ورسوله قد برئا مما عاهدتم من المشركين .
المسألة الثالثة : روي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج إلى غزوة تبوك وتخلف المنافقون وأرجفوا بالأراجيف ، جعل المشركون ينقضون العهد ، فنبذ رسول الله صلى الله عليه وسلم العهد إليهم .
فإن قيل : كيف يجوز أن ينقض النبي صلى الله عليه وسلم العهد ؟
قلنا : لا يجوز أن ينقض العهد إلا على ثلاثة أوجه : أحدها : أن يظهر له منهم خيانة مستورة ويخاف ضررهم فينبذ العهد إليهم ، حتى يستووا في معرفة نقض العهد لقوله : { وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء } وقال أيضا : { الذين ينقضون عهدهم في كل مرة } والثاني : أن يكون قد شرط لبعضهم في وقت العهد أن يقرهم على العهد فيما ذكر من المدة إلى أن يأمر الله تعالى بقطعه . فلما أمره الله تعالى بقطع العهد بينهم قطع لأجل الشرط . والثالث : أن يكون مؤجلا فتنقضي المدة وينقضي العهد ويكون الغرض من إظهار هذه البراءة أن يظهر لهم أنه لا يعود إلى العهد ، وأنه على عزم المحاربة والمقاتلة ، فأما فيما وراء هذه الأحوال الثلاثة لا يجوز نقض العهد البتة ، لأنه يجري مجرى الغدر وخلف القول ، والله ورسوله منه بريئان ، ولهذا المعنى قال الله تعالى : { إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم } وقيل : إن أكثر المشركين نقضوا العهد إلا أناسا منهم وهم بنو ضمرة وبنو كنانة .
المسألة الثالثة : روي أن فتح مكة كان سنة ثمان وكان الأمير فيها عتاب بن أسيد ، ونزول هذه السورة سنة تسع ، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر رضي الله عنه سنة تسع أن يكون على الموسم ، فلما نزلت هذه السورة أمر عليا أن يذهب إلى أهل الموسم ليقرأها عليهم . فقيل له لو بعثت بها إلى أبي بكر ، فقال : لا يؤدي عني إلا رجل مني ، فلما دنا علي سمع أبو بكر الرغاء ، فوقف وقال : هذا رغاء ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما لحقه قال : أميرا أو مأمورا ؟ قال : مأمور ، ثم ساروا ، فلما كان قبل التروية خطب أبو بكر وحدثهم عن مناسكهم ، وقام علي يوم النحر عند جمرة العقبة فقال : يا أيها الناس إني رسول رسول الله إليكم ، فقالوا بماذا فقرأ عليهم ثلاثين أو أربعين آية ، وعن مجاهد ثلاث عشرة آية ، ثم قال : أمرت بأربع أن لا يقرب هذا البيت بعد هذا العام مشرك ، ولا يطوف بالبيت عريان ، ولا يدخل الجنة إلا كل نفس مؤمنة ، وأن يتم إلى كل ذي عهد عهده . فقالوا عند ذلك يا علي أبلغ ابن عمك أنا قد نبذنا العهد وراء ظهورنا وأنه ليس بيننا وبينه عهد إلا طعن بالرماح وضرب بالسيوف ، واختلفوا في السبب الذي لأجله أمر عليا بقراءة هذه السورة عليهم وتبليغ هذه الرسالة إليهم ، فقالوا السبب فيه أن عادة العرب أن لا يتولى تقرير العهد ونقضه إلا رجل من الأقارب فلو تولاه أبو بكر لجاز أن يقولوا هذا خلاف ما نعرف فينا من نقض العهود فربما لم يقبلوا ، فأزيحت علتهم بتولية ذلك عليا رضي الله عنه ، وقيل لما خص أبا بكر رضي الله عنه بتوليته أمير الموسم خص عليا بهذا التبليغ تطييبا للقلوب ورعاية للجوانب ، وقيل قرر أبا بكر علي الموسم وبعث عليا خلفه لتبليغ هذه الرسالة ، حتى يصلي على خلف أبي بكر ويكون ذلك جاريا مجرى التنبيه على إمامة أبي بكر ، والله أعلم .
وقرر الجاحظ هذا المعنى فقال : إن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أبا بكر أميرا على الحاج وولاه الموسم وبعث عليا يقرأ على الناس آيات من سورة براءة فكان أبو بكر الإمام وعلي المؤتم وكان أبو بكر الخطيب وعلي المستمع وكان أبو بكر الرافع بالموسم والسابق لهم والآمر لهم ، ولم يكن ذلك لعلي رضي الله عنه . وأما قوله عليه الصلاة والسلام : «لا يبلغ عني إلا رجل مني » فهذا لا يدل على تفضيل علي على أبي بكر ، ولكنه عامل العرب بما يتعارفونه فيما بينهم ، وكان السيد الكبير منهم إذا عقد لقوم حلفا أو عاهد عهدا لم يحل ذلك العهد والعقد إلا هو أو رجل من أقاربه القريبين منه كأخ أو عم . فلهذا المعنى قال النبي صلى الله عليه وسلم ذلك القول .
مدنية كما روي عن ابن عباس وعبد الله بن الزبير وقتادة وخلق كثير وحكى بعضهم الاتفاق عليه ، وقال ابن الفرس : هي كذلك إلا آيتين منها { لقد جاءكم رسول من أنفسكم } الخ وهو مشكل بناء على ما في المستدرك عن أبي بن كعب وأخرجه أبو الشيخ في تفسيره عن علي بن زيد عن يوسف المكي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما من أن آخر آية نزلت { لقد جاءكم } الخ ولا يتأتى هنا ما قالوه في وجه الجمع بين الأقوال المختلفة في آخر ما نزل واستثنى آخرون { ما كان للنبي } الآية بناء على ما ورد أنها نزلت في قوله صلى الله تعالى عليه وسلم لأبي طالب : لأستغفرن لك ما لم أنه عنك وقد نزلت كما قال ابن كيسان على تسع من الهجرة ولها عدة أسماء التوبة لقوله تعالى فيها : { لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار } إلى قوله سبحانه : { وعلى الثلاثة الذين خلفوا } والفاضحة أخرج أبو عبيد وابن المنذر وغيرهما عن ابن جبير قال : قلت لابن عباس رضي الله تعالى عنهما سورة التوبة قال : التوبة بل هي الفاضحة ما زالت تنزل ومنهم ومنهم حتى ظننا أنه لا يبقى أحد منا إلا ذكر فيها وسورة العذاب أخرج الحاكم في مستدركه عن حذيفة قال : التي يسمون سورة التوبة هي سورة العذاب وأخرج أبو الشيخ عن ابن جبير قال : كان عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه إذا ذكر له سورة براءة وقيل سورة التوبة قال : هي إلى العذاب أقرب ما أقلعت عن الناس حتى ما كادت تدع منهم أحدا والمقشقشة أخرج ابن مردويه وغيره عن زيد بن أسلم أن رجلا قال لعبد الله : سورة التوبة فقال ابن عمر : وأيتهن سورة التوبة فقال براءة فقال رضي الله تعالى عنه : وهل فعل بالناس الأفاعيل إلا هي ما كنا ندعوها إلا المقشقشة أي المبرئة ولعله أراد عن النفاق والمنقرة أخرج أبو الشيخ عن عبيد بن عمير قال : كانت براءة تسمى المنقرة نقرت عما في قلوب المشركين والبحوث بفتح الباء صيغة مبالغة من البحث بمعنى اسم الفاعل كما روى ذلك الحاكم عن المقداد والمبعثرة أخرج ابن المنذر عن محمد بن إسحق قال : كانت براءة تسمى في زمان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وبعده المبعثرة لما كشفت من سرائر الناس وظن أنه تصحيف المنقرة من بعد الظن وذكر ابن الفرس أنها تسمى الحافرة أيضا لأنها حفرت عن قلوب المنافقين وروي ذلك عن الحسن والمثيرة كما روي عن قتادة لأنها أثارت المخازي والقبائح والمدمدمة كما روي عن سفيان بن عيينة والمخزية والمنكلة والمشردة كما ذكر ذلك السخاوي وغيره وسورة براءة فقد أخرج سعيد بن منصور والبيهقي في الشعب وغيرهما عن أبي عطية الهمداني قال : كتب عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه تعلموا سورة براءة وعلموا نساءكم سورة النور وهي مائة وتسع وعشرون عند الكوفيين ومائة وثلاثون عند الباقين ووجه مناسبتها للأنفال أن في الأولى قسمة الغنائم وجعل خمسها لخمسة أصناف على ما علمت وفي هذه قيمة الصدقات وجعلها لثمانية أصناف على ما ستعلم إن شاء الله تعالى وفي الأولى أيضا ذكر العهود وهنا نبذها وأنه تعالى أمر في الأولى بالإعداد فقال سبحانه : { وأعدوا لهم مااستطعتم من قوة } ونعى هنا على المنافقين عدم الإعداد بقوله عز وجل : { ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة } وأنه سبحانه ختم الأولى بإيجاب أن يوالي المؤمنين بعضهم بعضا وأن يكونوا منقطعين عن الكفار بالكلية وصرح جل شأنه في هذه بهذا المعنى بقوله تبارك وتعالى : { براءة من الله ورسوله } الخ إلى غير ذلك من وجوه المناسبة ، وعن قتادة وغيره أنها مع الأنفال سورة واحدة ولهذا لم تكتب بينهما البسملة وقيل : في وجه عدم كتابتها أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم اختلفوا في كونها سورة أو بعض سورة ففصلوا بينها وبين الأنفال رعاية لمن يقول هما سورتان ولم يكتبوا البسملة رعاية لمن يقول هما سورة واحدة والحق أنهما سورتان إلا أنهم لم يكتبوا البسملة بينهما لما رواه أبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عن علي كرم الله تعالى وجهه من أن البسملة أمان وبراءة نزلت بالسيف ومثله عن محمد ابن الحنفية وسفيان بن عيينة ومرجع ذلك إلى أنها لم تنزل في هذه السورة كأخواتها لما ذكر ويؤيد القول بالإستقلال تسميتها بما مر ، واختار الشيخ الأكبر قدس سره في فتوحاته أنهما سورة واحدة وأن الترك لذلك قال في الباب الحادي والثلثمائة بعد كلام : وأما سورة التوبة فاختلف الناس فيها هل هي سورة مستقلة كسائر السور أو هل هي وسورة الأنفال سورة واحدة فإنه لا يعرف كمال السورة إلا بالفصل بالبسملة ولم تجيء هنا فدل على أنها من سورة الأنفال وهو الأوجه وإن كان لتركها وجه وهو عدم المناسبة بين الرحمة والتبري ولكن ماله تلك القوة بل هو وجه ضعيف ، وسبب ضعفه أنه في الاسم الله من البسملة ما يطلبه والبراءة إنما هي من الشريك لا من المشرك فإن الخالق كيف يتبرأ من المخلوق ولو تبرا منه من كان يحفظ وجوده عليه والشريك معدوم فتصح البراءة منه فهي صفة تنزيه وتنزيه الله تعالى من الشريك والرسول صلى الله تعالى عليه وسلم من إعتقاد الجهل ووجه آخر من ضعف هذا التأويل الذي ذكرناه وهو أن البسملة موجودة في أول سورة { ويل لكل همزة } و { ويل للمطففين } وأين الرحمة من الويل انتهى وقد يقال : كون البراءة من الشريك غير ظاهر من آيتها أصلا وستعلم إن شاء الله تعالى المراد منها وما ذكره قدس سره في الوجه الآخر من الضعف قد يجاب عنه بأن هذه السورة لا تشبهها سورة فإنها ما تركت أحدا كما قال حذيفة إلا نالت منه وهضمته وبالغت في شأنه أما المنافقون والكافرون فظاهر وأما المؤمنون ففي قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم } إلى { الفاسقين } وهو من أشد ما يخاطب به المخالف فكيف بالموافق وليس في سورة ويل ولا في سورة تبت ولا ولا ولو سلم إشتمال سورة على نوع ما اشتملت عليه لكن الامتياز بالكمية والكيفية مما لا سبيل لإنكاره ولذلك تركت فيها البسملة على ما أقول والاسم الجليل وإن تضمن القهر الذي يناسب ما تضمنته السورة لكنه متضمن غير ذلك أيضا مع إقترانه صريحا بما لم يتضمنا سوى الرحمة وليس المقصود هنا إلا إظهار صفة القهر ولا يتأتى ذلك مع الافتتاح بالبسملة ولو سلم خلوص الاسم الجليل له نعم إنه سبحانه لم يترك عادته في إفتتاح السور هنا بالكلية حيث افتتح هذه السورة بالباء كما إفتتح غيرها بها في ضمن البسملة وإن كانت باء البسملة كلمة وباء هذه السورة جزء كلمة وذلك لسر دقيق يعرفه أهله هذا ونقل عن السخاوي أنه قال في جمال القراء : اشتهر ترك التسمية في أول براءة وروي عن عاصم التسمية أولها وهو القياس لأن إسقاطها إما لأنها نزلت بالسيف أو لأنهم لم يقطعوا بأنها سورة مستقلة بل من الأنفال ولا يتم الأول لأنه مخصوص بمن نزلت فيه ونحن إنما نسمي للتبرك ألا ترى أنه يجوز بالإتفاق بسم الله الرحمن الرحيم { وقاتلوا المشركين } الآية ونحوها وإن كان الترك لأنها ليست مستقلة فالتسمية في أول الأجزاء جائزة وروي ثبوتها في مصحف ابن مسعود رضي الله تعالى عنه ، وذهب ابن متادر إلى قراءتها وفي الإقناع جوازها والحق إستحباب تركها حيث أنها لم تكتب في الإمام ولا يقتدى بغيره وأما القول بحرمتها ووجوب تركها كما قاله بعض المشايخ الشافعية فالظاهر خلافه ولا أرى في الإتيان بها بأسا لمن شرع في القراءة من أثناء السورة والله تعالى أعلم .
{ بَرَاءةٌ مّنَ الله وَرَسُولِهِ } أي هذه براءة والتنوين للتفخيم و { مِنْ } ابتدائية كما يؤذن به مقابلتها بإلى متعلقة بمحذوف وقع صفة للخبر لفساد تعلقه به أي واصلة من الله ، وقدروه بذلك دون حاصله لتقليل التقدير لأنه يتعلق به { إلى } الآتي أيضاً ، وجوز أن تكون مبتدأ لتخصيصها بصفتها وخبره قوله تعالى : { إِلَى الذين * عاهدتم مّنَ المشركين } .
وقرأ عيسى بن عمرو { بَرَاءةٌ } بالنصب وهي منصوبة باسمعوا أو الزموا على الإغراء ، وقرأ أهل نجران { مِنَ الله } بكسر النون على أن الأصل في تحريك الساكن الكسر ، لكن الوجه الفتح مع لام التعريف هرباً من توالي الكسرتين ، وإنما لم يذكر ما تعلق به البراءة حسبما ذكر في قوله تعالى : { أَنَّ الله بَرِىء مّنَ المشركين } [ التوبة : 3 ] اكتفاءً بما في حيز الصلة فإنه منبىء عنه إنباءً ظاهراً واحترازاً عن تكرار لفظ من ، والعهد العقد الموثق باليمين ، والخطاب في { عاهدتم } للمسلمين وقد كانوا عاهدوا مشركي العرب من أهل مكة وغيرهم بإذن الله تعالى واتفاق الرسول صلى الله عليه وسلم فنكثوا إلا بني ضمرة وبني كنانة ، وأمر المسلمون بنبذ العهد إلى الناكثين وأملهوا أربعة أشهر ليسيروا حيث شاءوا .
وإنما نسبت البراءة إلى الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم مع شمولها للمسلمين في اشتراكهم في حكمها ووجوب العمل بموجبها وعلقت المعاهدة بالمسلمين خاصة مع كونها بإذن الله تعالى واتفاق الرسول عليه الصلاة والسلام للإنباء عن تنجزها وتحتمها من غير توقف على رأي المخاطبين لأنها عبارة عن إنهاء حكم الأمان ورفع الخطر المترتب على الع ، السابق عن التعرض للكفرة وذلك منوط بجانب الله تعالى من غير توقف على شيء أصلاً ، واشتراك المسلمين إنما هو على طريق الامتثال لا غير ، وأما المعاهدة فحيث كانت عقداً كسائر العقود الشرعية لا تتحصل ولا تترتب عليها الأحكام إلا بمباشرة المتعاقدين على وجه لا يتصور صدوره منه تعالى وإنما الصادر عنه سبحانه الإذن في ذلك وإنما المباشر له المسلمون ، ولا يخفى أن البراءة إنما تتعلق بالعهد لا بالإذن فيه فنسبت كل واحدة منهما إلى من هو أصل فيها ، على أن في ذلك تفخيماً لشأن البراءة وتهويلاً لأمرها وتسجيلاً على الكفرة بغاية الذل والهوان ونهاية الخزي والخذلان ، وتنزيهاً لساحة الكبرياء عما يوهم شائبة النقص والبداء تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً ، وأدراجه صلى الله عليه وسلم في النسبة الأولى وإخراجه عن الثانية لتنويه شأنه الرفيع صلى الله عليه وسلم في كلا المقامين كذا حرره بعض المحققين وهو توجيه وجيه . وزعم بعضهم أن المعاهدة لما لم تكن واجبة بل مباحة مأذونة نسبت إليه بخلاف البراءة فإنها واجبة بإيجابه تعالى فلذا نسبت للشارع وهو كما ترى .
وذكر ابن المنير في سر ذلك أن نسبة الع . د إلى الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم في مقام نسب فيه النبذ من المشركين لا يحسن أدباً .
ألا ترى إلى وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمراء السرايا حيث يقول لهم : «إذا نزلتم بحصن فطلبوا النزول على حكم الله تعالى فأنزلوهم على حكمكم فانكم لا تدرون أصادفتم حكم الله تعالى فيهم أم لا ، وإن طلبوا ذمة الله تعالى فأنزلوهم على ذمتكم فلأن تخفر ذمتكم خير من أن تخفر ذمة الله تعالى » فانظر إلى أمره صلى الله عليه وسلم بتوقير ذمة الله تعالى مخافة أن تخفر وإن كان لم يحصل بعد ذلك الأمر المتوقع ، فتوقير عهد الله تعالى وقد تحقق من المشركين النكث وقد تبرأ منه تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام بأن لا ينسب العهد المنبوذ إليه سبحانه أحرى وأجدر فلذلك نسب العهد للمسلمين دون البراءة منه ولا يخلو عن حسن إلا أنه غير واف وفاء ما قد سبق ، وقيل : إن ذكر الله تعالى للتمهيد كقوله سبحانه : { لاَ تُقَدّمُواْ بَيْنَ يَدَىِ الله وَرَسُولِهِ } [ الحجرات : 1 ] تعظيماً لشأنه صلى الله عليه وسلم ولولا قصد التمهيد لأعيدت { مِنْ } كما في قوله عز وجل : { كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ الله وَعِندَ رَسُولِهِ } [ التوبة : 7 ] وإنما نسبت البراءة إلى الرسول عليه الصلاة والسلام والمعاهدة إليهم لشركتهم في الثانية دون الأولى . وتعقب بأنه لا يخفى ما فيه فإن من برأ الرسول عليه الصلاة والسلام منه تبرأ منه المؤمنون ، وما ذكر من إعادة الجار ليس بلازم ، وما ذكره من التمهيد لا يناسب المقام لضعف التهويل حينئذ ، وقيل : ولك أن تقول : إنه إنما أضاف العهد إلى المسلمين لأن الله تعالى علم أن لا عهد لهم وأعلم به رسوله عليه الصلاة والسلام فلذا لم يضف العهد إليه لبراءته منهم ومن عهدهم في الأزل ، وهذه نكتة الاتيان بالجملة اسمية خبرية وإن قيل : إنها إنشائية للبراءة منهم ولذا دلت على التجدد .
وفيه أن حديث الأزل لا يتأتى في حق الرسول عليه الصلاة والسلام ظاهراً وبالتأويل لا يبعد اعتبار المسلمين أيضاً ، ونكتة الاتيان بالجملة الاسمية وهي الدلالة على الدوام والاستمرار لا تتوقف على ذلك الحديث فقد ذكرها مع ضم نكتة التوسل إلى التهويل بالتنكير التفخيمي من لم يذكره .
( ومن باب الإشارة ) : أنه سبحانه أشار إلى تمكن رسوله عليه الصلاة والسلام ووصول أصحابه رضي الله تعالى عنهم إلى مقام الوحدة الذاتية بعد أن كانوا محتجبين بالأفعال تارة وبالصفات أخرى وبذلك تحققت الضدية على أكمل وجه بينهم وبين المشركين فنزلت البراءة وأمروا بنبذ العهد ليقع التوافق بين الباطن والظاهر وأمر المشركون بالسياحة في الآرض أربعة أشهر على عدد مواقفهم في الدنيا والآخرة تنبيهاً لهم فإنهم لما وقفوا في الدنيا مع الغير بالشرك حجبوا عن الدين والأفعال والصفات والذات في برزخ الناسوت فلزمهم أن يوقفوا في الآخرة على الله عز وجل ثم على الجبروت ثم على الملكوت ثم على النار في جحيم الآثار فيعذبوا بأنواع العذاب . ومن طبق الآيات على ما في الأنفس ذكر أن هذه المدة هي مدة كمال الأوصاف الأربعة النباتية والحيوانية والشيطانية والإنسانية ثم قال سبحانه لهم : { واعلموا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي الله } إذ لا بد من حبسكم في تلك المواقف بسبب وقوفكم مع الغير بالشرك { وَأَنَّ الله مُخْزِى الكافرين } [ التوبة : 2 ] المحجوبين عن الحق بافتضاحهم عند ظهور رتبة ما عبدوه من دونه ووقوفهم معه على النار