مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{كُلُّ نَفۡسٖ ذَآئِقَةُ ٱلۡمَوۡتِۗ وَنَبۡلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلۡخَيۡرِ فِتۡنَةٗۖ وَإِلَيۡنَا تُرۡجَعُونَ} (35)

أما قوله تعالى : { كل نفس ذائقة الموت } ففيه أبحاث :

البحث الأول : أن هذا العموم مخصوص فإنه تعالى نفس لقوله : { تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك } مع أن الموت لا يجوز عليه وكذا الجمادات لها نفوس وهي لا تموت ، والعام المخصوص حجة فيبقى معمولا به فيما عدا هذه الأشياء ، وذلك يبطل قول الفلاسفة في أن الأرواح البشرية والعقول المفارقة والنفوس الفلكية لا تموت . والثاني : الذوق ههنا لا يمكن إجراؤه على ظاهره لأن الموت ليس من جنس المطعوم حتى يذاق بل الذوق إدراك خاص فيجوز جعله مجازا عن أصل الإدراك ، وأما الموت فالمراد منه ههنا مقدماته من الآلام العظيمة لأن الموت قبل دخوله في الوجود يمتنع إدراكه وحال وجوده يصير الشخص ميتا ولا يدرك شيئا . والثالث : الإضافة في ذائقة الموت في تقدير الانفصال لأنه لما يستقبل كقوله : { غير محلي الصيد } ، و { هديا بالغ الكعبة } .

أما قوله تعالى : { ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون } ففيه مسائل :

المسألة الأولى : الابتلاء لا يتحقق إلا مع التكليف ، فالآية دالة على حصول التكليف وتدل على أنه سبحانه وتعالى لم يقتصر بالمكلف على ما أمر ونهى وإن كان فيه صعوبة بل ابتلاه بأمرين : أحدهما : ما سماه خيرا وهو نعم الدنيا من الصحة واللذة والسرور والتمكين من المرادات . والثاني : ما سماه شرا وهو المضار الدنيوية من الفقر والآلام وسائر الشدائد النازلة بالمكلفين ، فبين تعالى أن العبد مع التكليف يتردد بين هاتين الحالتين ، لكي يشكر على المنح ويصبر في المحن ، فيعظم ثوابه إذا قام بما يلزم .

المسألة الثانية : إنما سمي ذلك ابتلاء وهو عالم بما سيكون من أعمال العالمين قبل وجودهم لأنه في صورة الاختبار .

المسألة الثالثة : قال صاحب «الكشاف » : { فتنة } مصدر مؤكد لنبلوكم من غير لفظه .

المسألة الرابعة : احتجت التناسخية بقوله : { وإلينا ترجعون } فإن الرجوع إلى موضع مسبوق بالكون فيه . والجواب : أنه مذكور مجازا .

المسألة الخامسة : المراد من قوله : { وإلينا ترجعون } أنهم يرجعون إلى حكمه ومحاسبته ومجازاته ، فبين بذلك بطلان قولهم في نفي البعث والمعاد ، واستدلت التناسخية بهذه الآية ، وقالوا : إن الرجوع إلى موضع مسبوق بالكون فيه ، وقد كنا موجودين قبل دخولنا في هذا العالم واستدلت المجسمة بأنا أجسام ، فرجوعنا إلى الله تعالى يقتضي كون الله تعالى جسما . والجواب عنه قد تقدم في مواضع كثيرة .

 
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{كُلُّ نَفۡسٖ ذَآئِقَةُ ٱلۡمَوۡتِۗ وَنَبۡلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلۡخَيۡرِ فِتۡنَةٗۖ وَإِلَيۡنَا تُرۡجَعُونَ} (35)

شرح الكلمات :

{ ذائقة الموت } : أي مرارة مفارقة الجسد .

{ ونبلوكم } : أي نختبركم .

{ بالشر والخير } : فالشر كالفقر والمرض ، والخير كالغنى والصحة .

{ فتنة } : أي لأجل الفتنة لننظر أتصبرون وتشكرون أم تجزعون وتكفرون .

المعنى :

وقوله تعالى : { كل نفس ذائقة الموت } أي كل نفس منفوسة ذائقة مرارة الموت بمفارقة الروح للبدن ، والحكمة في ذلك أن يتلقى العبد بعد الموت جزاء عمله خيراً كان أو شراً ، دل عليه قوله بعد : { ونبلوكم بالشر والخير } من غِنى وفقر ومرض وصحة وشدة ورخاء { فتنة } أي لأجل فتنتكم أي اختباركم ليرى الصابر الشاكر والجزع الكافر . وقوله تعالى : { وإلينا ترجعون } أي بعد الموت للحساب والجزاء على كسبكم خيره وشره .

الهداية

من الهداية :

2- بيان العلة من وجود خير وشر في هذه الدنيا وهي الاختبار .