مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{يُولِجُ ٱلَّيۡلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلَّيۡلِ وَسَخَّرَ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَۖ كُلّٞ يَجۡرِي لِأَجَلٖ مُّسَمّٗىۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمۡ لَهُ ٱلۡمُلۡكُۚ وَٱلَّذِينَ تَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ مَا يَمۡلِكُونَ مِن قِطۡمِيرٍ} (13)

قوله تعالى : { يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ذلكم الله ربكم له الملك والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير }

استدلال آخر باختلاف الأزمنة وقد ذكرناه مرارا ، وذكرنا أن قوله تعالى بعده : { وسخر الشمس والقمر } جواب لسؤال يذكره المشركون وهو أنهم قالوا اختلاف الليل والنهار بسبب اختلاف القسي الواقعة فوق الأرض وتحتها ، فإن في الصيف تمر الشمس على سمت الرؤوس في بعض البلاد الماثلة في الآفاق ، وحركة الشمس هناك حمائلية فتقع تحت الأرض أقل من نصف دائرة زمان مكثها تحت الأرض فيقصر الليل وفي الشتاء بالضد فيقصر النهار فقال الله تعالى : { وسخر الشمس والقمر } يعني سبب الاختلاف وإن كان ما ذكرتم ، لكن سير الشمس والقمر بإرادة الله وقدرته فهو الذي فعل ذلك .

ثم قال تعالى : { ذلكم الله ربكم له الملك والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير } .

أي ذلك الذي فعل هذه الأشياء من فطر السموات والأرض وإرسال الأرواح وإرسال الرياح وخلق الإنسان من تراب وغير ذلك له الملك كله فلا معبود إلا هو لذاته الكامل ولكونه ملكا والملك مخدوم بقدر ملكه ، فإذا كان له الملك كله فله العبادة كلها ، ثم بين ما ينافي صفة الإلهية ، وهو قوله : { والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير } ، وههنا لطيفة : وهي أن الله تعالى ذكر لنفسه نوعين من الأوصاف أحدهما : أن الخلق بالقدرة الإرادة والثاني : الملك واستدل بهما على أنه إله معبود كما قال تعالى : { قل أعوذ برب الناس * ملك الناس * إله الناس } [ الناس : 1-3 ] ذكر الرب والملك ورتب عليهما كونه إلها أي معبودا ، وذكر فيمن أشركوا به سلب صفة واحدة وهو عدم الملك بقوله : { والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير } ولم يذكر سلب الوصف الآخر لوجهين أحدهما : أن كلهم كانوا معترفين بأن لا خالق لهم إلا الله وإنما كانوا يقولون بأن الله تعالى فوض أمر الأرض والأرضيات إلى الكواكب التي الأصنام على صورتها وطوالعها فقال : لا ملك لهم ولا ملكهم الله شيئا ولا ملكوا شيئا وثانيهما : أنه يلزم من عدم الملك عدم الخلق لأنه لو خلق شيئا لملكه فإذا لم يملك قطميرا ما خلق قليلا ولا كثيرا .

 
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{يُولِجُ ٱلَّيۡلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلَّيۡلِ وَسَخَّرَ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَۖ كُلّٞ يَجۡرِي لِأَجَلٖ مُّسَمّٗىۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمۡ لَهُ ٱلۡمُلۡكُۚ وَٱلَّذِينَ تَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ مَا يَمۡلِكُونَ مِن قِطۡمِيرٍ} (13)

شرح الكلمات :

{ يولج الليل في النهار } : أي يدخل الليل في النهار فيزيد .

{ ويولج النهار في الليل } : أي يدخل النهار في الليل فيزيد .

{ وسخر الشمس والقمر } : أي ذللهما .

{ كل يجري لأجل مسمى } : أي في فلكه إلى يوم القيامة .

{ والذين تدعون } : أي تعبدون بالدعاء وغيره من العبادات وهم الأصنام .

{ ما يملكون من قطمير } : أي من لفافة النواة التي تكون عليه وهي بيضاء رقيقة .

المعنى :

{ يولج الليل في النهار } أي يدخل جزءاً من الليل في النهار فيطول ، ويقصر الليل { ويولج النهار في الليل } أي يدخل جزءاً منه في الليل فيطول كما أنه يدخل النهار في الليل ، والليل في النهار بالكلية فإنه إذا جاء أحدهما ذهب الآخر ويشهد له قوله تعالى { وآية لهم الليل نسلخ منه النهار } ولازمه نسلخ منه الليل ، فإذا الليل ليل والنهار نهار .

وقوله { سخر الشمس والقمر } أي ذللهما فما يسيران الدهر كله بلا كلل ولا ملل لصالح العباد إذ بهما كان الليل والنهار ، وبهما تعرف السنون والحساب وقوله { كل يجرى } أي كل منهما يجرى { إلى أجل مسمى } أي إلى وقت محدد وهو يوم القيامة .

ولما عرف تعالى نفسه بمظاهر القدرة قدرته وعلمه وحكمته ولطفه ورحمته قال للناس { ذلكم الله ربكم له الملك } أي بعد أن أقام الحجة وأظهر الدليل لم يبق إلا الإِعلان عن الحقيقة التي يتنكر لها الكافرون فأعلنها بقوله { ذلكم } ذو الصفات العظام والجلالب والإِكرام هو الله ربكم الذي لا رب لكم سواه له الملك ، وليس لغيره فلا يصح طلب شيء من غيره ، إذ الملك كله لله وحده ، وأما الذين تدعون من دونه أي تعبدونهم من دونه وهي الأصنام والأوثان وغيرها من الملائكة والأنبياء والأولياء فإنهم لا يملكون من قطمير فضلا عن غيره تمرة فما فوقها لأن الذي لا يملك قطميراً - وهو القشرة الرقيقة على النواة -لا يملك بعيراً .

/ذ14