مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَا فِي كُلِّ قَرۡيَةٍ أَكَٰبِرَ مُجۡرِمِيهَا لِيَمۡكُرُواْ فِيهَاۖ وَمَا يَمۡكُرُونَ إِلَّا بِأَنفُسِهِمۡ وَمَا يَشۡعُرُونَ} (123)

قوله تعالى : { وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون }

فيه مسائل :

المسألة الأولى : «الكاف » في قوله : { وكذلك } يوجب التشبيه ، وفيه قولان : الأول : وكما جعلنا في مكة صناديدها ليمكروا فيها ، كذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها . الثاني : أنه معطوف على ما قبله ، أي كما زينا للكافرين أعمالهم ، كذلك جعلنا .

المسألة الثانية : الأكابر جمع الأكبر الذي هو اسم ، والآية على التقديم والتأخير تقديره : جعلنا مجرميها أكابر ، ولا يجوز أن يكون الأكابر مضافة ، فإنه لا يتم المعنى ، ويحتاج إلى إضمار المفعول الثاني للجعل ، لأنك إذا قلت : جعلت زيدا ، وسكت ، لم يفد الكلام حتى تقول رئيسا أو ذليلا أو ما أشبه ذلك ، لاقتضاء الجعل مفعولين ، ولأنك إذا أضفت الأكابر ، فقد أضفت الصفة إلى الموصوف ، وذلك لا يجوز عند البصريين .

المسألة الثالثة : صار تقدير الآية : جعلنا في كل قرية مجرميها أكابر ليمكروا فيها ، وذلك يقتضي أنه تعالى إنما جعلهم بهذه الصفة ، لأنه أراد منهم أن يمكروا بالناس ، فهذا أيضا يدل على أن الخير والشر بإرادة الله تعالى .

أجاب الجبائي عنه : بأن حمل هذه اللام على لام العاقبة . وذكر غيره أنه تعالى لما لم يمنعهم عن المكر صار شبيها بما إذا أراد ذلك ، فجاء الكلام على سبيل التشبيه ، وهذا السؤال مع جوابه قد تكرر مرارا خارجة عن الحد والحصر .

المسألة الرابعة : قال الزجاج : إنما جعل المجرمين أكابر ، لأنهم لأجل رياستهم أقدر على الغدر والمكر وترويج الأباطيل على الناس من غيرهم ، ولأن كثرة المال وقوة الجاه تحمل إنسان على المبالغة في حفظهما ، وذلك الحفظ لا يتم إلا بجميع الأخلاق الذميمة من الغدر والمكر ، والكذب ، والغيبة ، والنميمة ، والأيمان الكاذبة ، ولو لم يكن للمال والجاه عيب سوى أن الله تعالى حكم بأنه إنما وصف بهذه الصفات الذميمة من كان له مال وجاه ، لكفى ذلك دليلا على خساسة المال والجاه .

ثم قال تعالى : { وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون } والمراد منه ما ذكره الله تعالى في آية أخرى ، وهي قوله : { ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله } وقد ذكرنا حقيقة ذلك في أول سورة البقرة في تفسير قوله تعالى : { الله يستهزئ بهم } قالت المعتزلة : لا شك أن قوله : { وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون } مذكور في معرض التهديد والزجر ، فلو كان ما قبل هذه الآية يدل على أنه تعالى أراد منهم أن يمكروا بالناس ، فكيف يليق بالرحيم الكريم الحكيم الحليم أن يريد منهم المكر ، ويخلق فيهم المكر ، ثم يهددهم عليه ويعاقبهم أشد العقاب عليه ؟ واعلم أن معارضة هذا الكلام بالوجوه المشهورة قد ذكرناها مرارا .

 
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَا فِي كُلِّ قَرۡيَةٍ أَكَٰبِرَ مُجۡرِمِيهَا لِيَمۡكُرُواْ فِيهَاۖ وَمَا يَمۡكُرُونَ إِلَّا بِأَنفُسِهِمۡ وَمَا يَشۡعُرُونَ} (123)

شرح الكلمات :

{ قرية } : مدينة كبيرة .

{ ليمكروا فيها } : يفعل المنكرات والدعوة إلى ارتكابها بأسلوب الخديعة والاحتيال .

{ وما يمكرون إلا بأنفسهم } : لأن عاقبة المكر تعود على الماكز نفسه لآية { ولا يحيق المكر السيىء إلا بأهله } .

المعنى :

فلذا قال تعالى : { وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها } فيهلكوا أيضا . قوله : { وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون } هو كما قال : قوله الحق وله الملك ، فالماكر من أكابر المجرمين حيث أفسدوا عقائد الناس وأخلاقهم وصرفهم عن الهدى بزخرف القول والاحتيال والخداع ، هم في الواقع يمكرون بأنفسهم إذ سوف تحل بهم العقوبة في الدنيا وفي الآخرة ، إذ لا يحيق المكر السيئ إلا بأهله ولكنهم لا يشعرون أي لا يدرون ولا يعلمون أنهم يمكرون بأنفسهمالهداية

من الهداية :

- بيان سنة الله تعالى في تزيين الأعمال القبيحة .