{ ألم غلبت الروم في أذى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين }
وجه تعلق أول هذه السورة بما قبلها يتبين منه سبب النزول ، فنقول لما قال الله تعالى في السورة المتقدمة { ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن } وكان يجادل المشركين بنسبتهم إلى عدم العقل كما في قوله : { صم بكم عمى فهم لا يعقلون } وكان أهل الكتاب يوافقون النبي في الإله كما قال : { وإلهنا وإلهكم واحد } وكانوا يؤمنون بكثير مما يقوله بل كثير منهم كانوا مؤمنين به كما قال : { والذين آتيناهم الكتاب يؤمنون به } أي أبغض المشركون أهل الكتاب وتركوا مراجعتهم وكانوا من قبل يراجعونهم في الأمور ، فلما وقعت الكرة عليهم حين قاتلهم الفرس المجوس فرح المشركون بذلك ، فأنزل الله تعالى هذه الآيات لبيان أن الغلبة لا تدل على الحق ، بل الله تعالى قد يريد مزيد ثواب في المحب فيبتليه ويسلط عليه الأعادي ، وقد يختار تعجيل العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر قبل يوم الميعاد للمعادي ، وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : ما الحكمة في افتتاح هذه السورة بحروف التهجي ؟ فنقول قد سبق منا أن كل سورة افتتحت بحروف التهجي فإن في أوائلها ذكر الكتاب أو التنزيل أو القرآن كما في قوله تعالى : { الم ذلك الكتاب } ، { المص * كتاب } { طه * ما أنزلنا عليك القرآن } ، { الم * تنزيل الكتاب } { حم * تنزيل من الرحمن الرحيم } ، { يس * والقرآن } ، { ص * والقرآن } إلا هذه السورة وسورتين أخريين ذكرناهما في العنكبوت وقد ذكرنا ما الحكمة فيهما في موضعهما فنقول ما يتعلق بهذه السور وهو أن السورة التي في أوائلها التنزيل والكتاب والقرآن في أوائلها ذكر ما هو معجزة فقدمت عليها الحروف على ما تقدم بيانه في العنكبوت .
وهذه ذكر في أولها ما هو معجزة وهو الإخبار عن الغيب ، فقدمت الحروف التي لا يعلم معناها ليتنبه السامع فيقبل بقلبه على الاستماع ، ثم ترد عليه المعجزة وتقرع الأسماع .
بدأت السورة بذكر هزيمة الروم ، ووعد الله المؤمنين أن ينصرهم على الفرس ، ودعت إلى التفكير في خلق الله ، والسير في الأرض ، ليعرفوا عاقبة الكافرين الذين عمروا الأرض أكثر مما عمرها قريش ، وعرضت لحال الناس يوم القيامة ، ونوهت بتسبيح المؤمنين لله وعبادتهم إياه في الغداة والعشي والظهيرة والأصيل . ونبهت إلى دلائل وحدانية الله بتعاقب الليل والنهار واختلاف الألسنة ومظاهر الكون في السماوات والأرض ، وضربت الأمثال التي تدل على بطلان الشرك ، وذكرت الناس بخلق الله لهم ونعمه عليهم ، وقوت دعائم الأسرة وأواصر المجتمع ، وعنيت بالتشريع فحرمت الربا ، وشرعت الزكاة وحثت على البر بالأقربين .
ثم امتن الله سبحانه على عباده ودعاهم إلى التدين والطاعة ، ووجه أنظارهم إلى ما في الكون من عجائب تدل على مبلغ القوة والقدرة ، وبين أطوار الإنسان إلى أن يبلغ أرذل العمر .
وأشارت الآيات الأخيرة إلى يوم القيامة وكفر المشركين به ، وختمت السورة بالنصح للرسول صلى الله عليه وسلم يثبت في الحق ، ويصبر على ما يلقى ، فإن وعد الله آت لا محالة .
1- بدأت السورة بهذه الآية لبيان أن القرآن مؤلف من هذه الحروف التي ينطق بها العرب في سهولة ووضوح ، ولكن المنكرين له عجزوا عن الإتيان بمثله . وهي - كذلك - تُنَبِّه الناس إلى الاستماع والإنصات . وتحملهم على التصديق برسالة محمد صلى الله عليه وسلم{[172]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.