وأما حال الكفار فقال : { والذين سعوا في آياتنا معاجزين } والمراد اجتهدوا في ردها والتكذيب بها حيث سموها سحرا وشعرا وأساطير الأولين ، ويقال لمن بذل جهده في أمر : إنه سعى فيه توسعا من حيث بلغ في بذل الجهد النهاية ، كما إذا بلغ الماشي نهاية طاقته فيقال له سعى ، وذكر الآيات وأراد التكذيب بها مجازا . قال صاحب الكشاف : يقال سعى في أمر فلان إذا أصلحه أو أفسده بسعيه ، أما المعاجز فيقال عاجزته ، أي طمعت في إعجازه ، واختلفوا في المراد ، هل معاجزين لله أو للرسول وللمؤمنين ، والأقرب هو الثاني لأنهم إن أنكروا الله استحال منهم أن يطمعوا في إعجازه وإن أثبتوه فيبعد أن يعتقدوا أنهم يعجزونه ويغلبونه ، ويصح منهم أن يظنوا ذلك في الرسول بالحيل والمكايد . أما الذين قالوا المراد معاجزين لله ، فقد ذكروا وجوها . أحدها : المراد بمعاجزين مغالبين مفوتين لربهم من عذابهم وحسابهم حيث جحدوا البعث . وثانيها : أنهم يثبطون غيرهم عن التصديق بالله ويثبطونهم بسبب الترغيب والترهيب . وثالثها : يعجزون الله بإدخال الشبه في قلوب الناس والجواب عن الأول أن من جحد أصل الشيء لا يوصف بأنه مغالب لمن يفعل ذلك الشيء ، ومن تأول الآية على ذلك فيجب أن يكون مراده أنهم ظنوا مغالبة الرسول صلى الله عليه وسلم فيما كان يقوله من أمر الحشر والنشر والجواب : عن الثاني والثالث أن المغالبة في الحقيقة ترجع إلى الرسول والأمة ، لا إلى الله تعالى .
أما قوله تعالى : { أولئك أصحاب الجحيم } فالمراد أنهم يدومون فيها وشبههم من حيث الدوام بالصاحب ، فإن قيل إنه عليه السلام في هذه الآية بشر المؤمنين أولا وأنذر الكافرين ثانيا ، فكان القياس أن يقال : قل يا أيها الناس إنما أنا لكم بشير ونذير ، قلنا الكلام مسوق إلى المشركين ، ويا أيها الناس نداء لهم ، وهم الذين قيل فيهم { أفلم يسيروا في الأرض } ووصفوا بالاستعجال وإنما ألقى ذكر المؤمنين وثوابهم في البين زيادة لغيظهم وإيذائهم .
{ والذين سَعَوْاْ فِي ءاياتنا } أي بذلوا الجهد في إبطالها فسموها تارة سحراً وتارة شعراً وتارة أساطير الأولين .
وأصل السعي الإسراع في المشي ويطلق على الاصلاح والإفساد يقال : سعى في أمر فلان إذا أصلحه أو أفسده بسعيه فيه { معاجزين } أي مسابقين للمؤمنين ؛ والمراد بمسابقتهم مشاقتهم لهم ومعارضتهم فكلما طلبوا إظهار الحق طلب هؤلاء إبطاله ، وأصله من عاجزه فاعجزه وعجزه إذا سابقه فسبقه فإن كلا من المتسابقين يريد إعجاز الآخر عن اللحاق .
وقرأ ابن كثير . وأبو عمرو . والجحدري . وأبو السالم . والزعفراني { معجزين } بالتشديد أي مثبطين الناس عن الإيمان . وقال أبو علي الفارسي : ناسبين المسلمين إلى العجز كما تقول : فسقت فلاناً إذا نسبته إلى الفسق وهو المناسب لقوله تعالى : { يَسْتَعْجِلُونَكَ بالعذاب } [ الحج : 47 ] وقرأ ابن الزبير { معاجزين } بسكون العين وتخفيف الزاي من أعجزك إذا سبقك ففاتك ، قال صاحب اللوامح : والمراد هنا ظانين أنهم يعجزوننا وذلك لظنهم أنهم لا يبعثون ، وفسر { معاجزين } في قراءة الجمهور بمثل ذلك ، والوصف على جميع القراءات حال من ضمير { سَعَوْاْ } وليست مقدرة على شيء منها كما يظهر للمتأمل { أولئك } الموصوفون بما ذكر { أصحاب الجحيم } أي ملازمو النار الشديدة التأجج ، وقيل هو اسم دركة من دركات النار .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.