مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ٱرۡتَابُوٓاْ أَمۡ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمۡ وَرَسُولُهُۥۚ بَلۡ أُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ} (50)

أما قوله تعالى : { أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله } ففيه سؤالات :

السؤال الأول : كلمة ( أم ) للاستفهام وهو غير جائز على الله تعالى والجواب : اللفظ استفهام ومعناه الخبر كما قال جرير :

ألستم خير من ركب المطايا *** [ وأندى العالمين بطون راح ]

السؤال الثاني : أنهم لو خافوا أن يحيف الله عليهم فقد ارتابوا في الدين وإذ ارتابوا ففي قلوبهم مرض ، فالكل واحد ، فأي فائدة في التعديد ؟ الجواب : قوله : { أفي قلوبهم مرض } إشارة إلى النفاق وقوله : { أم ارتابوا } إشارة إلى أنه حدث هذا الشك والريب بعد تقرير الإسلام في القلب ، وقوله : { أم يخافون أن يحيف الله عليهم } إشارة إلى أنهم بلغوا في حب الدنيا إلى حيث يتركون الدين بسببه .

السؤال الثالث : هب أن هذه الثلاثة متغايرة ولكنها متلازمة فكيف أدخل عليها كلمة ( أم ) ؟ الجواب : الأقرب أنه تعالى ذمهم على كل واحد من هذه الأوصاف فكان في قلوبهم مرض وهو النفاق ، وكان فيها شك وارتياب ، وكانوا يخافون الحيف من الرسول عليه الصلاة والسلام وكل واحد من ذلك كفر ونفاق ، ثم بين تعالى بقوله : { بل أولئك هم الظالمون } بطلان ما هم عليه لأن الظلم يتناول كل معصية كما قال تعالى : { إن الشرك لظلم عظيم } إذ المرء لا يخلو من أن يكون ظالما لنفسه أو ظالما لغيره ، ويمكن أن يقال أيضا لما ذكر تعالى في الأقسام كونهم خائفين من الحيف ، أبطل ذلك بقوله : { بل أولئك هم الظالمون } أي لا يخافون أن يحيف الرسول عليه الصلاة والسلام عليهم لمعرفتهم بأمانته وصيانته وإنما هم ظالمون يريدون أن يظلموا من له الحق عليهم وهم له جحود ، وذلك شيء لا يستطيعونه في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يأبون المحاكمة إليه .

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ٱرۡتَابُوٓاْ أَمۡ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمۡ وَرَسُولُهُۥۚ بَلۡ أُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ} (50)

أفي قلوبهم مرض : فسادٌ وبغض يحملهم على الضلال .

ارتابوا : شكوا .

يحيف : يجور .

لماذا يقفون هذا الموقف ، هل هم مرضى القلوب بالكفر والنفاق ؟ أم يشكّون في عدالة الرسول الكريم ؟

أم يخافون أن يجور عليهم الله ورسوله ؟

كل هذا لم يحصل ، بل هم الظالمون لأنفسهم ولغيرهم بسبب كفرهم ونفاقهم وعدولهم عن الحق .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ٱرۡتَابُوٓاْ أَمۡ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمۡ وَرَسُولُهُۥۚ بَلۡ أُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ} (50)

وقوله تعالى : { أَفِى قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ أَمِ ارتابوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ الله عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ } ترديد لسبب الإعراض المذكور فمدار الاستفهام ما يفهم من الكلام كأنه قيل : أسبب أعراضهم عن المحاكمة إليه صلى الله عليه وسلم أنهم مرضى القلوب لكفرهم ونفاقهم أم سببه أنهم ارتابوا وشكوا في أمر نبوته عليه الصلاة والسلام مع ظهور حقيتها أم سببه أنهم يخافون أن يحيف ويجور الله تعالى شأنه عليهم ورسوله صلى الله عليه وسلم .

وهذا نظير قولك أفيه مرض أم غاب عن البلد أم يخاف من الواشي بعد قول : هجر الحبيب مثلاً فإن كون المعنى أسبب هجره أن فيه مرضاً أم سببه أنه غاب عن البلد أم سببه أنه يخاف من الواشي ظاهر جداً وهو كثير في المحاورات إلا أن الاستفهام في الآية إنكاري وهو لإنكار السببية ، وقوله تعالى : { بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظالمون } تعيين للسبب بعد إبطال سببية جميع ما تقدم ففيه تأكيد لما يفيده الاستفهام كأنه قيل : ليس شيء ما ذكر سبباً لذلك الإعراض ، أما الأولان فلأنه لو كان شيء منهما سبباً له لأعرضوا عن المحاكمة إليه صلى الله عليه وسلم عند كون الحق لهم ولما أتوا إليه عليه الصلاة والسلام مذعنين لحكمه لتحقق نفاقهم وارتيابهم حينئذ أيضاً ، وأما الثالث فلانتفائه رأساً حيث كانوا لا يخافون الحيف أصلاً لمعرفتهم بتفاصيل أحواله عليه الصلاة والسلام في الأمانة والثبات على الحق بل سبب ذلك أنهم هم الظالمون يريدون أن يظلموا من الحق له عليهم ولا يتأتى مرامهم مع الانقياد إلى المحاكمة إليه عليه الصلاة والسلام فيعرضون عنها لأنه صلى الله عليه وسلم يقضي بالحق عليهم ، فمناط النفي المستفاد من الاستفهام الإنكاري والإضراب الإبطالي في الأولين هو وصف سببيتهما للإعراض فقط مع تحققهما في نفسهما ، وفي الثالث هو الأصل والوصل جميعاً ، وإذا خص الارتياب بما له جهة مصححة لعروضه لهم في الجملة كما فعل البعض حيث جعل المعنى أم ارتابوا بأن رأوا منه صلى الله عليه وسلم تهمة فزالت ثقتهم ويقينهم به عليه الصلاة والسلام كان مناط النفي في الثاني كما في الثالث كذا قرره بعض الأجلة ، و { أَمْ } عليه متصلة وقد ذهب إلى أنها كذلك الزمخشري . والبيضاري حيث جعلا ما تقدم تقسيماً لسبب الإعراض إلا أن الأول جعل الإضراب عن الأخير من الأمور الثلاثة ووجه بأنه أدل على ما كانوا عليه وأدخل في الإنكار من حيث أنه يناقض تسرعهم إليه صلى الله عليه وسلم إذا كان الحق لهم على غير ، والثاني جعله إضراباً عن الأخيرين منها لتحقيق القسم الأول ، وقال : وجه التقسيم أن امتناعهم عن المحاكمة إليه صلى الله عليه وسلم إما أن يكون لخلل فيهم أو في الحاكم ، والثاني إما أن يكون محققاً أو متوقعاً وفسر الارتياب برؤية مثل تهمة تزيل يقينهم ثم قال : وكلاهما باطلان فتعين الأول .

أما الأول فظاهر . وأما الثاني فلأن منصب النبوة وفرط أمانته عليه الصلاة والسلام يمنعه وظلمهم يعم خلل عقيدتهم وميل نفوسهم إلى الحيف .

وقال العلامة الطيبي الحق أن بل إضراب عن نفس التقسيم وهو إضراب انتقالي كأنه قيل : دع التقسيم فإنهم هم الكاملون في الظلم الجامعون لتلك الأوصاف فلذلك صدوا عن حكومتك يدل عليه الإتيان باسم الإشارة والخطاب وتعريف الخبر بلام الجنس وتوسيط ضمير الفصل ، ونقل عن الإمام ما يدل على أن أم منقطعة قال : أثبتهم على كل واحد من هذه الأوصاف فكان في قلوبهم مرض وهو النفاق فكان فيها ارتياب فكانوا يخافون الحيف ، ووجه الإضراب أن كلاً مسبب عن الآخر علم على وجوده وزيادة ، واعترض بأنه لا يجب التسبب إلا أن يدعي في هذه المادة خصوصاً ، وصرح أبو حيان بأنها منقطعة وبأن الاستفهام للتوقيف والتوبيخ ليقروا بأحد هذه الأوجه التي عليها في الإقرار بها عليهم ويستعمل في الذم والمدح كما في قوله

: ألست من القوم الذين تعاهدوا *** على اللؤم والفحشاء في سالف الدهر

وقوله

: ألستم خير من ركب المطايا *** وأندى العالمين بطون راح

ولا يخفى أن الأظهر أنها متصلة والتلازم بين الأمور الثلاثة ممنوع على أنه لا يضر وأن معنى الآية ما ذكرناه أولاً ، وتقديم { عَلَيْهِمْ } على الرسول لتأكيد أن حكمه عليه الصلاة والسلام هو حكم الله تعالى ، ووجه اختلاف أساليب الجمل يظهر بأدنى تأمل .