ثم إنه قوى نفسه ونفس أصحابه بأن وصف قوم موسى بوصفين من أوصاف الذم ، ووصف قوم نفسه بصفة المدح ، أما وصف قوم موسى عليه السلام بالذم .
فالصفة الأولى : قوله : { إن هؤلاء لشرذمة قليلون } والشرذمة الطائفة القليلة ، ومنه قولهم ثوب شراذم الذي بلى ، وتقطع قطعا ذكرهم بالاسم الدال على القلة ، ثم جعلهم قليلا بالوصف ؛ ثم جمع القليل فجعل كل حزب منهم قليلا واختار جمع السلامة الذي هو للقلة ، ويجوز أن يريد بالقلة الذلة لا قلة العدد ، والمعنى أنهم لقلتهم لا يبالي بهم ولا يتوقع غلبتهم وعلوهم ، ثم اختلف المفسرون في عدد تلك الشرذمة ، فقال ابن عباس رضي الله عنهما : كانوا ستمائة ألف مقاتل لا شاب فيهم دون عشرين سنة ، ولا شيخ يوفي على الستين سوى الحشم ، وفرعون يقللهم لكثرة من معه ، وهذا الوصف قد يستعمل في الكثير عند الإضافة إلى ما هو أكثر منه ، فروي أن فرعون خرج على فرس أدهم حصان وفي عسكره على لون فرسه ثلثمائة ألف .
{ إِنَّ هَؤُلآء } يريد بني إسرائيل والكلام على إدارة القول ، والظاهر أنه حال أي قائلاً إن هؤلاء { لَشِرْذِمَةٌ } أي طائفة من الناس ، وقيل : هي السفلة منهم ، وقيل : بقية كل شيء خسيس ، ومنه ثوب شرذام وشرذامة أي خلق مقطع ، قال الراجز :
جاء الشتاء وقميصي أخلاق *** شراذم يضحك منه التواق
وقرئ { لَشِرْذِمَةٌ } بإضافة شر مقابل خير إلى ذمة ، قال أبو حاتم : وهي قراءة من لا يئخذ منه ولم يروها أحد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم { قَلِيلُونَ } صفة شرذمة ، وكان الظاهر قليلة إلا أنه جمع باعتبار أن الشرذمة مشتملة على اسباط كل سبط منهم قليل ، وقد بالغ اللعين في قلتهم حيث ذكرهم أولاً باسم دال على القلة وهو شرذمة ثم وصفهم بالقلة ثم جمع القليل للإشارة إلى قلة كل حزب منهم وأتى بجمع السلامة وقد ذكر أنه دال على القلة ، واستقلهم بالنسبة إلى جنوده .
فقد أخرج ابن أبي حاتم عن السدي أن موسى عليه السلام خرج في ستمائة ألف وعشرين ألفاً لا يعد فيهم ابن عشرين لصغره ولا ابن ستين لكبره وتبعهم فرعون على مقدمته هامان في ألف ألف وسبعمائة ألف حصان ، وقيل : أرسل فرعون في أثرهم ألف ألف وخمسمائة ألف ملك مسور مع كل ملك ألف وخرج هو في جمع عظيم وكانت مقدمته سبعمائة ألف رجل كل رجل على حصان وعلى رأسه بيضة ، وهم كانوا على ما روى عن ابن عباس ستمائة ألف وسبعين ألفاً ، وأنا أقول : إنهم كانوا أقل من عساكر فرعون ولا أجزم بعدد في كلا الجمعين ، والأخبار في ذلك لا تكاد تصح وفيها مبالغات خارجة عن العادة . والمشهور عند اليهود أن بني إسرائيل كانوا حين خرجوا من مصر ستمائة ألف رجل خلا الأطفال وهو صريح ما في التوراة التي بأيديهم .
وجوز أن يراد بالقلة الذلة لا قلة العدد بل هي مستفادة من شرذمة يعني أنهم لقلتهم أذلاء لا يبالي بهم ولا يتوقع غلبتهم ، وقيل : الذلة مفهومة من شرذمة بناء على أن المراد منها بقية كل شيء خسيس أو السفلة من الناس ، و { قَلِيلُونَ } إما صفة لها أو خبر بعد خبر لأن ، والظاهر ما تقدم .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.