مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَٱلَّذِيٓ أَطۡمَعُ أَن يَغۡفِرَ لِي خَطِيٓـَٔتِي يَوۡمَ ٱلدِّينِ} (82)

وخامسها : قوله : { والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين } فهو إشارة إلى ما هو مطلوب كل عاقل من الخلاص عن العذاب والفوز بالثواب .

واعلم أن إبراهيم عليه السلام جمع في هذه الألفاظ جميع نعم الله تعالى من أول الخلق إلى آخر الأبد في الدار الآخرة ، ثم ههنا أسئلة :

السؤال الأول : لم قال : { والذي أطمع } والطمع عبارة عن الظن والرجاء ، وإنه عليه السلام كان قاطعا بذلك ؟ جوابه : أن هذا الكلام لا يستقيم إلا على مذهبنا ، حيث قلنا إنه لا يجب على الله لأحد شيء ، وأنه يحسن منه كل شيء ولا اعتراض لأحد عليه في فعله ، وأجاب الجبائي عنه من وجهين : الأول : أن قوله : { والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي } أراد به سائر المؤمنين لأنهم الذين يطمعون ولا يقطعون به . الثاني : المراد من الطمع اليقين ، وهو مروي عن الحسن وأجاب صاحب الكشاف : بأنه إنما ذكره على هذا الوجه تعليما منه لأمته كيفية الدعاء .

واعلم أن هذه الوجوه ضعيفة ، أما الأول : فلأن الله تعالى حكى عنه الثناء أولا والدعاء ثانيا ومن أول المدح إلى آخر الدعاء كلام إبراهيم عليه السلام فجعل الشيء الواحد وهو قوله : { والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين } كلام غيره مما يبطل نظم الكلام ويفسده ، وأما الثاني : وهو أن الطمع هو اليقين فهذا على خلاف اللغة ، وأما الثالث : وهو أن الغرض منه تعليم الأمة فباطل أيضا لأن حاصله يرجع إلى أنه كذب على نفسه لغرض تعليم الأمة ، وهو باطل قطعا .

السؤال الثاني : لم أسند إلى نفسه الخطيئة مع أن الأنبياء منزهون عن الخطايا قطعا ؟ ، وفي جوابه ثلاثة وجوه . أحدها : أنه محمول على كذب إبراهيم عليه السلام في قوله : { فعله كبيرهم } وقوله : { إني سقيم } وقوله لسارة : ( إنها أختي ) وهو ضعيف لأن نسبة الكذب إليه غير جائزة وثانيها : أنه ذكره على سبيل التواضع وهضم النفس وهذا ضعيف لأنه إن كان صادقا في هذا التواضع فقد لزم الإشكال ، وإن كان كاذبا فحينئذ يرجع حاصل الجواب إلى إلحاق المعصية به لأجل تنزيهه عن المعصية . وثالثها : وهو الجواب الصحيح أن يحمل ذلك على ترك الأولى ، وقد يسمى ذلك خطأ فإن من ملك جوهرة وأمكنه أن يبيعها بألف ألف دينار فإن باعها بدينار ، قيل إنه أخطأ ، وترك الأولى على الأنبياء جائز .

السؤال الثالث : لم علق مغفرة الخطيئة بيوم الدين ، وإنما تغفر في الدنيا ؟ جوابه : لأن أثرها يظهر يوم الدين وهو الآن خفي لا يعلم .

السؤال الرابع : ما فائدة ( لي ) في قوله : { يغفر لي خطيئتي } ؟ وجوابه من وجوه . أحدها : أن الأب إذا عفا عن ولده والسيد عن عبده والزوج عن زوجته فذلك في أكثر الأمر إنما يكون طلبا للثواب وهربا عن العقاب أو طلبا لحسن الثناء والمحمدة أو دفعا للألم الحاصل من الرقة الجنسية وإذا كان كذلك لم يكن المقصود من ذلك العفو رعاية جانب المعفو عنه بل رعاية جانب نفسه ، إما لتحصيل ما ينبغي أو لدفع ما لا ينبغي ، أما الإله سبحانه فإنه كامل لذاته فيستحيل أن تحدث له صفات كمال لم تكن أو يزول عنه نقصان كان ، وإذا كان كذلك لم يكن عفوه إلا رعاية لجانب المعفو عنه فقوله : { والذي أطمع أن يغفر لي } يعني هو الذي إذا غفر كان غفرانه لي ولأجلي لا لأجل أمر عائد إليه البتة . وثانيها : كأنه قال خلقتني لا لي فإنك حين خلقتني ما كنت موجودا وإذا لم أكن موجودا استحال تحصيل شيء لأجلي ثم مع هذا فأنت خلقتني ، أما لو عفوت كان ذلك العفو لأجلي ، فلما خلقتني أولا مع أني كنت محتاجا إلى ذلك الخلق فلأن تغفر لي وتعفو عني حال ما أكون في أشد الحاجة إلى العفو والمغفرة كان أولى . وثالثها : أن إبراهيم عليه السلام كان لشدة استغراقه في بحر المعرفة شديد الفرار عن الالتفات إلى الوسائط ، ولذلك لما قال له جبريل عليه السلام : «ألك حاجة ؟ قال أما إليك فلا » فههنا قال : { أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين } أي لمجرد عبوديتي لك واحتياجي إليك تغفر لي خطيئتي لا أن تغفرها لي بواسطة شفاعة شافع .

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{وَٱلَّذِيٓ أَطۡمَعُ أَن يَغۡفِرَ لِي خَطِيٓـَٔتِي يَوۡمَ ٱلدِّينِ} (82)

يوم الدين : يوم القيامة .

والذي أطمع أن يغفر لي ذنوبي يوم القيامة .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَٱلَّذِيٓ أَطۡمَعُ أَن يَغۡفِرَ لِي خَطِيٓـَٔتِي يَوۡمَ ٱلدِّينِ} (82)

{ والذي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِى خَطِيئَتِى يَوْمَ الدين } استعظم عليه السلام ما عسى يندر منه من فعل خلاف الأولى حتى سماه خطيئة . وقيل : أراد بها قوله : { إِنّى سَقِيمٌ } [ الصافات : 89 ] وقوله : { بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا } [ الأنبياء : 63 ] ، وقوله لسارة هي أختي ، ويدل على أنه عليه السلام عدها من الخطايا ما ورد في حديث الشفاعة من امتناعه عليه السلام من أن يشفع حياء من الله عز وجل لصدور ذلك عنه . وفيه أنه وإن صح عدها من الخطايا بالنظر إليه عليه السلام لما قالوا : إن حسنات الأبرار سيئات المقربين إلا أنه لا يصح إرادتها هنا لما أنها إنما صدرت عنه عليه السلام بعد هذه المقاولة الجارية بينه وبين قومه . أما الثالثة فظاهرة لوقوعها بعد مهاجرته عليه السلام إلى الشام ؛ وأما الأوليان فلأنهما وقعتا مكتنفتين بكسر الأصنام ، ومن البين أن جريان هذه المقالات فيما بينهم كان في مبادي الأمر ، وهذا أولى مما قيل : إنها من المعاريض وهي لكونها في صورة الكذب يمتنع لها من تصدر عنه من الشفاعة ولكونها ليست كذباً حقيقة لا تفتقر إلى الاستغفار ، وقيل : أراد بها ما صدر عنه عند رؤية الكوكب والقمر والشمس من قوله : { هذا رَبّى } [ الأنعام : 77 ] وكان ذلك قبل هذه المقاولة كما لا يخفي ، وقد تقدم أن ذلك ليس من الخطيئة في شيء ، وقيل : أراد بها ما عسى يندر منه من الصغائر وهو قريب مما تقدم ، وقيل : أراد بها خطيئة من يؤمن به عليه السلام كما قيل نحوه في قوله تعالى : { لّيَغْفِرَ لَكَ الله مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ } [ الفتح : 2 ] ، وهو كما ترى والطمع على ظاهره ولم يجزم عليه السلام لعلمه أن لا وجوب على الله عز وجل . وعن الحسن أن المراد به اليقين وليس بذاك . والظرفان متعلقان بيغفر .

والإتيان بالأول للإشارة إلى أن نفع مغفرته تعالى إنما يعود إليه عليه السلام . وتعليق المغفرة بيوم الدين مع أن الخطيئة إنما تغفر في الدنيا لأن أثرها يتبين يومئذ ولأن في ذلك تهويلاً لذلك اليوم . وإشارة إلى وقوع الجزاء فيه إن لم تغفر . وفي هذه الجملة من التلطف بأبيه وقومه في الدعوة إلى الإيمان ما فيها وقرأ الحسن { خطاياي } على الجمع .