مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَٱجۡعَل لِّي لِسَانَ صِدۡقٖ فِي ٱلۡأٓخِرِينَ} (84)

المطلوب الثاني : قوله : { واجعل لي لسان صدق في الأخرين } وفيه ثلاث تأويلات :

التأويل الأول : أنه عليه السلام ابتدأ بطلب ما هو الكمال الذاتي للإنسان في الدنيا والآخرة وهو طلب الحكم الذي هو العلم ، ثم طلب بعده كمالات الدنيا وبعد ذلك طلب كمالات الآخرة ، فأما كمالات الدنيا فبعضها داخلية وبعضها خارجية ، أما الداخلية فهي الخلق الظاهر والخلق الباطن والخلق الظاهر أشد جسمانية والخلق الباطن أشد روحانية ، فترك إبراهيم عليه السلام الأمر الجسماني وهو الخلق الظاهر وطلب الأمر الروحاني وهو الخلق الباطن ، وهو المراد بقوله : { وألحقني بالصالحين } وأما الخارجية فهي المال والجاه ، والمال أشد جسمانية والجاه أشد روحانية فترك إبراهيم عليه السلام الأمر الجسماني وهو المال وطلب الأمر الروحاني وهو الجاه والذكر الجميل الباقي على وجه الدهر ، وهو المراد بقوله : { واجعل لي لسان صدق في الأخرين } قال ابن عباس رضي الله عنهما وقد أعطاه ذلك بقوله : { وتركنا عليه في الأخرين } فإن قيل وأي غرض له في أن يثني عليه ويمدح ؟ جوابه من وجهين : الأول : وهو على لسان الحكمة أن الأرواح البشرية قد بينا أنها مؤثرة في الجملة إلا أن بعضها قد يكون ضعيفا فيعجز عن التأثير فإذا اجتمعت طائفة منها فربما قوي مجموعها على ما عجزت الآحاد عنه ، وهذا المعنى مشاهد في المؤثرات الجسمانية ، إذا ثبت هذا فالإنسان الواحد إذا كان بحيث يثني عليه الجمع العظيم ويمدحونه ويعظمونه ، فربما صار انصراف هممهم عند الاجتماع إليه سببا لحصول زيادة كمال له . الثاني : وهو على لسان الكمال أن من صار ممدوحا فيما بين الناس بسبب ما عنده من الفضائل ، فإنه يصير ذلك المدح وتلك الشهرة داعيا لغيره إلى اكتساب مثل تلك الفضائل .

التأويل الثاني : أنه سأل ربه أن يجعل من ذريته في آخر الزمان من يكون داعيا إلى الله تعالى ، وذلك هو محمد صلى الله عليه وسلم فالمراد من قوله : { واجعل لي لسان صدق في الأخرين } بعثة محمد صلى الله عليه وسلم .

التأويل الثالث : قال بعضهم المراد اتفاق أهل الأديان على حبه ، ثم إن الله تعالى أعطاه ذلك لأنك لا ترى أهل دين إلا ويتوالون إبراهيم عليه السلام ، وقدح بعضهم فيه بأنه لا تقوى الرغبة في مدح الكافر وجوابه : أنه ليس المقصود مدح الكافر من حيث هو كافر ، بل المقصود أن يكون ممدوح كل إنسان ومحبوب كل قلب .

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{وَٱجۡعَل لِّي لِسَانَ صِدۡقٖ فِي ٱلۡأٓخِرِينَ} (84)

لسانَ صدق : ذكراً جميلا بين الناس .

واجعل لي ثناءً حينا ، وذِكراً جميلاً يبقى أثره بين الناس إلى يوم القيامة .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَٱجۡعَل لِّي لِسَانَ صِدۡقٖ فِي ٱلۡأٓخِرِينَ} (84)

{ واجعل لّى لِسَانَ صِدْقٍ فِى الاخرين } أي اجعل لنفعي ذكراً صادقاً في جميع الأمم إلى يوم القيامة . وحاصله خلد صيتي وذكري الجميل في الدنيا وذلك بتوفيقه للآثار الحسنة والسنن المرضية لديه تعالى المستحسنة التي يقتدي بها الآخرون ويذكرونه بسببها بالخير وهم صادقون . فاللسان مجاز عن الذكر بعلاقة السببية واللام للنفع ومنه يستفاد الوصف بالجميل ، وتعريف { الاخرين } للاستغراق والكلام مستلزم لطلب التوفيق للآثار الحسنة التي أشرنا إليها وكأنه المقصود بالطلب على أبلغ وجه ولا بأس بأن يريد تخليد ذكره بالجميل ومدحه بما كان عليه عليه السلام في زمانه ولكون الثناء الحسن مما يدل على محبة الله تعالى ورضائه كما ورد في الحديث يحسن طلبه من الأكابر من هذه الجهة والقصد كل القصد هو الرضا .

ويحتمل أن يراد بالآخرين آخر أمة يبعث فيها نبي وأنه عليه السلام طلب الصيت الحسن والذكر الجميل فيهم ببعثة نبي فيهم يجدد أصل دينه ويدعو الناس إلى ما كان يدعوهم إليه من التوحيد معلماً لهم أن ذلك ملة إبراهيم عليه السلام فكأنه طلب بعثة نبي كذلك في آخر الزمان لا تنسخ شريعته إلى يوم القيامة وليس ذلك إلا نبياً محمد صلى الله عليه وسلم وقد طلب بعثته عليهما الصلاة والسلام بما هو أصرح مما ذكر أعني قوله : { وابعث فِيهِمْ رَسُولاً مّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آياتك } [ البقرة : 129 ] الخ ، ولذا قال صلى الله عليه وسلم : " أنا دعوة إبراهيم عليه السلام "

وقيل إذا أريد ذلك فلا بد من تقدير مضاف في كلامه عليه السلام أي اجعل لي صاحب لسان صدق في الآخرين أو جعل اللسان مجازاً عن الداعي بإطلاق الجزء على الكل لأن الدعوة باللسان فكأنه قال : اجعل لي داعياً إلى الحق صادقاً في الآخرين ، ولا يخفى أن فيما ذكرناه غني عن ذلك كله . وفي تعليقات شيخ مشايخنا العلامة صبغة الله الحيدري طاب ثراه على تفسير البيضاوي في هذه الآية كلام ناشئ من قلة إمعان النظر فلا تغتر به .

واستدل الإمام مالك بهذه الآية على أنه لا بأس أن يحب الرجل أن يثنى عليه صالحاً ، وفائدة ذلك بعد الموت على ما قال بعض الأجلة انصراف الهمم إلى ما به يحصل له عند الله تعالى زلفى وأنه قد يصير سبباً لاكتساب المثنى أو غير نحو ما أثنى به فيثاب فيشاركه فيه المثنى عليه كما هو مقتضى «من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة » ولا يخفى عليك أن الأمور بمقاصدها .