أما قوله : { فإنهم عدو لي إلا رب العالمين } ففيه أسئلة :
السؤال الأول : كيف يكون الصنم عدوا مع أنه جماد ؟ جوابه من وجوه . أحدهما : أنه تعالى قال في سورة مريم في صفة الأوثان { كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا } فقيل في تفسيره إن الله يحيي ما عبدوه من الأصنام حتى يقع منهم التوبيخ لهم والبراءة منهم ، فعلى هذا الوجه أن الأوثان ستصير أعداء لهؤلاء الكفار في الآخرة فأطلق إبراهيم عليه السلام لفظ العداوة عليهم على هذا التأويل . وثانيها : أن الكفار لما عبدوها وعظموها ورجوها في طلب المنافع ودفع المضار نزلت منزلة الأحياء العقلاء في اعتقاد الكفار ، ثم إنها صارت أسبابا لانقطاع الإنسان عن السعادة ووصوله إلى الشقاوة ، فلما نزلت هذه الأصنام منزلة الأحياء وجرت مجرى الدافع للمنفعة والجالب للمضرة لا جرم جرت مجرى الأعداء ، فلا جرم أطلق إبراهيم عليه السلام عليها لفظ العدو . وثالثها : المراد في قوله : { فإنهم عدو لي } عداوة من يعبدها ، فإن قيل فلم لم يقل إن من يعبد الأصنام عدو لي ليكون الكلام حقيقة ؟ جوابه : لأن الذي تقدم ذكره ما عبدوه دون العابدين .
السؤال الثاني : لم قال : { فإنهم عدو لي } ولم يقل فإنها عدو لكم ؟ جوابه : أنه عليه السلام صور المسألة في نفسه على معنى إني فكرت في أمري فرأيت عبادتي لها عبادة للعدو فاجتنبتها ، وأراهم أنها نصيحة نصح بها نفسه ، فإذا تفكروا قالوا ما نصحنا إبراهيم إلا بما نصح به نفسه ، فيكون ذلك أدعى للقبول .
السؤال الثالث : لم لم يقل فإنهم أعدائي ؟ جوابه العدو والصديق يجيئان في معنى الواحد والجماعة ، قال :
وقوم على ذوي مرة *** أراهم عدوا وكانوا صديقا
ومنه قوله تعالى : { وهم لكم عدو } وتحقيق القول فيه ما تقدم في قوله : { إنا رسول رب العالمين } .
السؤال الرابع : ما هذا الاستثناء ؟ جوابه أنه استثناء منقطع كأنه قال لكن رب العالمين .
{ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِى } قيل : تعليل لما يفهم من ذلك من إني لا أعبدهم أو لا تصح عبادتهم ؛ وقيل : خبر ل { ما كنتم } [ الشعراء : 75 ] إذ المعنى أفأخبركم وأعلمكم بمضمون هذا . واختار بعض الأجلة أنه بيان وتفسير لحال ما يعبدونه التي لو أحاطوا بها علماً لما عبدوه أي فاعلموا أنهم أعداء لعابديهم الذين يحبونهم كحب الله تعالى لما أنهم يتضررون من جهتهم تضرر الرجل من جهة عدوه فإطلاق العدو عليهم من باب التشبيه البليغ .
/ وجوز أن يكون من باب المجاز العقلي بإطلاق وصف السبب على المسبب من حيث أن المغري والحامل على عبادتهم هو الشيطان الذي هو عدو مبين للإنسان والأول أظهر . والداعي للتأويل أن الأصنام لكونها جمادات لا تصلح للعداوة . وما قيل : إن الكلام على القلب والأصل فإني عدو لهم ليس بشيء .
وقال النسفي : العدو اسم للمعادي والمعادي جميعاً فلا يحتاج إلى تأويل ويكون كقوله : { وتالله لأكِيدَنَّ أصنامكم } [ الأنبياء : 57 ] وصور الأمر في نفسه تعريضاً لهم كما في قوله تعالى : { لِىَ لاَ أَعْبُدُ الذي فَطَرَني وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } [ يس : 22 ] ليكون أبلغ في النصح وادعى للقبول . ومن هنا استعمل الأكابر التعريض في النصح . ومنه ما يحكي عن الشافعي رضي الله تعالى عنه أن رجلاً واجهه بشيء فقال : لو كنت بحيث أنت لاحتجت إلى أدب . وسمع رجل ناساً يتحدثون في الحجر فقال : ما هو بيتي ولا بيتكم . وضمير { أَنَّهُمْ } عائد على { مَا } [ الشعراء : 75 ] وجمع مراعاة لمعناها . وإفراد العدو مع أنه خبر عن الجمع إما لأنه مصدر في الأصل فيطلق على الواحد المذكر وغيره أو لاتحاد الكل في معنى العداوة أو لأن الكلام بتقدير فإن كلاً منهم أو لأنه بمعنى النسب أي ذو كذا فيستوي فيه الواحد وغيره كما قيل .
وقوله سبحانه : { إِلاَّ رَبَّ العالمين } استثناء منقطع من ضمير { أَنَّهُمْ } عند جماعة منهم الفراء . واختاره الزمخشري أي لكن رب العالمين ليس كذلك فإنه جل وعلا ولي من عبده في الدنيا والآخرة لا يزال يتفضل عليه بالمنافع .
وقال الزجاج : هو استثناء متصل من ذلك الضمير العائد على { مَا [ كنتم ] تَعْبُدُونَ } [ الشعراء : 75 ] ويعتبر شموله لله عز وجل وفي آبائهم الأقدمين من عبد الله جل وعلا من غير شك أو يقال : إن المخاطبين كانوا مشركين وهم يعبدون الله تعالى والأصنام . وتخصيص الأصنام هنا بالذكر للرد لا لأن عبادتهم مقصورة عليها ولو سلم أنه لذلك فهو باعتبار دوام العكوف وذلك لا ينافي عبادتهم إياه عز وجل أحياناً ، وقال الجرجاني : إن الاستثناء من { مَّا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ } و { إِلا } بمعنى دون وسوى وفي الآية تقديم وتأخير والأصل أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون إلا رب العالمين أي دون رب العالمين فإنهم عدو لي ولا يخفى ما فيه .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.