النوع الثالث : من أعمال الأبرار قوله تعالى : { ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا ، إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا ، إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا } .
اعلم أن مجامع الطاعات محصورة في أمرين التعظيم لأمر الله تعالى ، وإليه الإشارة بقول : { يوفون بالنذر } والشفقة على خلق الله ، وإليه الإشارة بقوله : { ويطعمون الطعام } وهاهنا مسائل .
المسألة الأولى : لم يذكر أحد من أكابر المعتزلة ، كأبي بكر الأصم وأبي علي الجبائي وأبي القاسم الكعبي ، وأبي مسلم الأصفهاني ، والقاضي عبد الجبار بن أحمد في تفسيرهم أن هذه الآيات نزلت في حق علي بن أبي طالب عليه السلام ، والواحدي من أصحابنا ذكر في كتاب «البسيط » أنها نزلت في حق علي عليه السلام ، وصاحب «الكشاف » من المعتزلة ذكر هذه القصة ، فروى عن ابن عباس رضي الله عنهما : «أن الحسن والحسين عليهما السلام مرضا فعادهما رسول الله صلى الله عليه وسلم في أناس معه ، فقالوا : يا أبا الحسن لو نذرت على ولدك ، فنذر علي وفاطمة وفضة جارية لهما ، إن شفاهما الله تعالى أن يصوموا ثلاثة أيام فشفيا وما معهم شيء فاستقرض علي من شمعون الخيبري اليهودي ثلاثة أصوع من شعير فطحنت فاطمة صاعا واختبزت خمسة أقراص على عددهم ووضعوها بين أيديهم ليفطروا ، فوقف عليهم سائل فقال : السلام عليكم أهل بيت محمد ، مسكين من مساكين المسلمين أطعموني أطعمكم الله من موائد الجنة فآثروه وباتوا ولم يذوقوا إلا الماء وأصبحوا صائمين ، فلما أمسوا ووضعوا الطعام بين أيديهم وقف عليهم يتيم فآثروه وجاءهم أسير في الثالثة ، ففعلوا مثل ذلك فلما أصبحوا أخذ علي عليه السلام بيد الحسن والحسين ودخلوا على الرسول عليه الصلاة والسلام ، فلما أبصرهم وهم يرتعشون كالفراخ من شدة الجوع قال : " ما أشد ما يسوءني ما أرى بكم " وقام فانطلق معهم فرأى فاطمة في محرابها قد التصق بطنها بظهرها وغارت عيناها فساءه ذلك ، فنزل جبريل عليه السلام وقال : خذها يا محمد هناك الله في أهل بيتك فأقرأها السورة » والأولون يقولون : إنه تعالى ذكر في أول السورة أنه إنما خلق الخلق للابتلاء والامتحان ، ثم بين أنه هدى الكل وأزاح عللهم ثم بين أنهم انقسموا إلى شاكر وإلى كافر ثم ذكر وعيد الكافر ثم أتبعه بذكر وعد الشاكر فقال : { إن الأبرار يشربون } وهذه صيغة جمع فتتناول جميع الشاكرين والأبرار ، ومثل هذا لا يمكن تخصيصه بالشخص الواحد ، لأن نظم السورة من أولها إلى هذا الموضع يقتضي أن يكون هذا بيانا لحال كل من كان من الأبرار والمطيعين ، فلو جعلناه مختصا بشخص واحد لفسد نظم السورة ( والثاني ) : أن الموصوفين بهذه الصفات مذكورون بصيغة الجمع كقوله : { إن الأبرار يشربون ، يوفون بالنذر ، ويخافون من ويطعمون } وهكذا إلى آخر الآيات فتخصيصه بجمع معنيين خلاف الظاهر ، ولا ينكر دخول علي بن أبي طالب عليه السلام فيه ، ولكنه أيضا داخل في جميع الآيات الدالة على شرح أحوال المطيعين ، فكما أنه داخل فيها فكذا غيره من أتقياء الصحابة والتابعين داخل فيها ، فحينئذ لا يبقى للتخصيص معنى البتة ، اللهم إلا أن يقال : السورة نزلت عند صدور طاعة مخصوصة عنه ، ولكنه قد ثبت في أصول الفقه أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب .
المسألة الثانية : الذين يقولون : هذه الآية مختصة بعلي بن أبي طالب عليه السلام ، قالوا : المراد من قوله : { ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا } هو ما رويناه أنه عليه السلام أطعم المسكين واليتيم والأسير ، وأما الذين يقولون الآية عامة في حق جميع الأبرار [ فإنهم ] قالوا : إطعام الطعام كناية عن الإحسان إلى المحتاجين والمواساة معهم بأي وجه كان ، وإن لم يكن ذلك بالطعام بعينه ، ووجه ذلك أن أشرف أنواع الإحسان هو الإحسان بالطعام وذلك لأن قوام الأبدان بالطعام ولا حياة إلا به ، وقد يتوهم إمكان الحياة مع فقد ما سواه ، فلما كان الإحسان لا جرم عبر به عن جميع وجوه المنافع والذي يقوي ذلك أنه يعبر بالأكل عن جميع وجوه المنافع ، فيقال : أكل فلان ماله إذا أتلفه في سائر وجوه الإتلاف ، وقال تعالى : { إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا } وقال : { ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل } إذا ثبت هذا فنقول : إن الله تعالى وصف هؤلاء الأبرار بأنهم يواسون بأموالهم أهل الضعف والحاجة ، وأما قوله تعالى : { على حبه } ففيه وجهان ( أحدهما ) : أن يكون الضمير للطعام أي مع اشتهائه والحاجة إليه ونظيره { وآتى المال على حبه ، لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون } فقد وصفهم الله تعالى بأنهم يؤثرون غيرهم على أنفسهم على ما قال : { ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة } ( والثاني ) : قال الفضيل بن عياض على حب الله أي لحبهم لله : واللام قد تقام مقام على ، وكذلك تقام على مقام اللام ، ثم إنه تعالى ذكر أصناف من تجب مواساتهم ، وهم ثلاثة أحدهم : المسكين وهو العاجز عن الاكتساب بنفسه ( والثاني ) : اليتيم وهو الذي مات كاسبه فيبقى عاجزا عن الكسب لصغره مع أنه مات كسبه ( والثالث ) : الأسير وهو المأخوذ من قومه المملوك [ ه ] رقبته الذي لا يملك لنفسه نصرا ولا حيلة ، وهؤلاء الذين ذكرهم الله تعالى هاهنا هم الذين ذكرهم في قوله : { فلا اقتحم العقبة ، وما أدراك ما العقبة ، فك رقبة ، أو إطعام في يوم ذي مسغبة ، يتيما ذا مقربة ، أو مسكينا ذا متربة } وقد ذكرنا اختلاف الناس في المسكين قبل هذا ، أما الأسير فقد اختلفوا فيه على أقوال : ( أحدها ) : قال ابن عباس والحسن وقتادة : إنه الأسير من المشركين ، روى أنه عليه الصلاة والسلام كان يبعث الأسارى من المشركين ليحفظوا وليقام بحقهم ، وذلك لأنه يجب إطعامهم إلى أن يرى الإمام رأيه فيهم من قتل أو فداء أو استرقاق ، ولا يمتنع أيضا أن يكون المراد هو الأسير كافرا كان أو مسلما ، لأنه إذا كان مع الكفر يجب إطعامه فمع الإسلام أولى ، فإن قيل : لما وجب قتله فكيف يجب إطعامه ؟ قلنا : القتل في حال لا يمنع من الإطعام في حال أخرى ، ولا يجب إذا عوقب بوجه أن يعاقب بوجه آخر ، ولذلك لا يحسن فيمن يلزمه القصاص أن يفعل به ما هو دون القتل ثم هذا الإطعام على من يجب ؟ فنقول : الإمام يطعمه فإن لم يفعله الإمام وجب على المسلمين ( وثانيها ) : قال السدي : الأسير هو المملوك ( وثالثها ) : الأسير هو الغريم قال عليه السلام : « غريمك أسيرك فأحسن إلى أسيرك » ( ورابعها ) : الأسير هو المسجون من أهل القبلة وهو قول مجاهد وعطاء وسعيد بن جبير ، وروى ذلك مرفوعا من طريق الخدري أنه عليه السلام قال : { مسكينا } فقيرا { ويتيما } لا أب له { وأسيرا } قال المملوك : المسجون ( وخامسها ) : الأسير هو الزوجة لأنهن أسراء عند الأزواج ، قال عليه الصلاة والسلام : « اتقوا الله في النساء فإنهن عندكم أعوان » قال القفال : واللفظ يحتمل كل ذلك لأن الأصل الأسر هو الشد بالقد ، وكان الأسير يفعل به ذلك حبسا له ، ثم سمي بالأسير من شد ومن لم يشد فعاد المعنى إلى الحبس .
واعلم أنه تعالى لما ذكر أن الأبرار يحسنون إلى هؤلاء المحتاجين بين أن لهم فيه غرضين ( أحدهما ) : تحصيل رضا الله . وهو المراد من قوله : { إنما نطعمكم لوجه الله } ( والثاني ) : الاحتراز من خوف يوم القيامة وهو المراد من قوله : { إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا } .
{ إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا } وهاهنا مسائل :
المسألة الأولى : قوله : { إنما نطعمكم لوجه الله } إلى قوله : { قمطريرا } يحتمل ثلاثة أوجه ( أحدها ) : أن يكون هؤلاء الأبرار قد قالوا : هذه الأشياء باللسان ، إما لأجل أن يكون ذلك القول منعا لأولئك المحتاجين عن المجازاة بمثله أو بالشكر ، لأن إحسانهم مفعول لأجل الله تعالى فلا معنى لمكافأة الخلق ، وإما أن يكون لأجل أن يصير ذلك القول تفقيها وتنبيها على ما ينبغي أن يكون عليه من أخلص لله حتى يقتدي غيرهم بهم في تلك الطريقة ( وثانيها ) : أن يكونوا أرادوا أن يكون ذلك ( وثالثها ) : أن يكون ذلك بيانا وكشفا عن اعتقادهم وصحة نيتهم وإن لم يقولوا شيئا . وعن مجاهد أنهم ما تكلموا به ولكن علمه الله تعالى منهم فأثنى عليهم .
المسألة الثانية : اعلم أن الإحسان من الغير تارة يكون لأجل الله تعالى ، وتارة يكون لغير الله تعالى إما طلبا لمكافأة أو طلبا لحمد وثناء وتارة يكون لهما وهذا هو الشرك والأول هو المقبول عند الله تعالى ، وأما القسمان الباقيان فمردودان قال تعالى : { لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس } وقال : { وما أوتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس فلا يربوا عند الله وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون } ولا شك أن التماس الشكر من جنس المن والأذى . إذا عرفت هذا فنقول : القوم لما قالوا : { إنما نطعمكم لوجه الله } بقي فيه احتمال أنه أطعمه لوجه الله ولسائر الأغراض على سبيل التشريك ، فلا جرم نفى هذا الاحتمال بقوله : { لا نريد منكم جزاء ولا شكورا } .
المسألة الثالثة : الشكور والكفور مصدران كالشكر والكفر ، وهو على وزن الدخول والخروج ، هذا قول جماعة أهل اللغة ، وقال الأخفش : إن شئت جعلت الشكور جماعة الشكر وجعلت الكفور جماعة الكفر لقول : { فأبى الظالمون إلا كفورا } مثل برد وبرود وإن شئت مصدرا واحدا في معنى جمع مثل قعد قعودا وخرج خروجا .
{ وَيُطْعِمُونَ الطعام على حُبّهِ } أي كائنين على حب الطعام أي مع اشتهائه والحاجة إليه فهو من باب التتميم ويجاوبه من القرآن قوله تعالى : { لَن تَنَالُواْ البر حتى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ } [ آل عمران : 92 ] وروى عن ابن عباس ومجاهد أو على حب الإطعام بأن يكون ذلك بطيب نفس وعدم تكلف وإليه ذهب الحسن بن الفضل وهو حسن أو كائنين على حب الله تعالى أو إطعاماً كائناً على حبه تعالى ولوجهه سبحانه وابتغاء مرضاته عز وجل وإليه ذهب الفضيل بن عياض وأبو سليمان الداراني فعلى حبه من باب التكميل وزيفه بعضهم وقال الأول هو الوجه ويجاوبه القرآن على أن في قوله تعالى : { لِوَجْهِ الله } [ الإنسان : 9 ] بَعْدَ غنية عن قوله سبحانه : { نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ الله } وفيه نظر بل لعله الأنسب لذاك وذكر الطعام مع أن الإطعام يغني عنه لتعيين مرجع الضمير على الأول ولأن الطعام كالعلم فيما فيه قوام البدن واستقامة البنية وبقاء النفس ففي التصريح به تأكيد لفخامة فعلهم على الأخيرين ويجوز أن يعتبر على الأول أيضاً ثم الظاهر أن المراد بإطعام الطعام حقيقته وقيل هو كناية عن الإحسان إلى المحتاجين والمواساة معهم بأي وجه كان وإن لم يك ذلك بالطعام بعينه فكأنه ينفعون بوجوه المنافع { مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً } قيل أي أسير كان فعن الحسن أنه صلى الله عليه وسلم كان يؤتى بالأسير فيدفعه إلى بعض المسلمين فيقول أحسن إليه فيكون عنده اليومين والثلاثة فيؤثره على نفسه وقال قتادة كان أسيرهم يومئذ المشرك وأخوك المسلم أحق أن تطعمه وأخرج ابن عساكر عن مجاهد أنه قال لما صدر النبي صلى الله عليه وسلم بالأسارى من بدر انفق سبعة من المهاجرين أبو بكر وعمر وعلي والزبير وعبد الرحمن وسعد وأبو عبيدة بن الجراح على أسارى مشركي بدر فقالت الأنصار قتلناهم في الله وفي رسوله صلى الله عليه وسلم وتعينونهم بالنفقة فأنزل الله تعالى فيهم عشرة آية أن الأبرار يشربون إلى قوله تعالى { عيناً فيها تسمى سلسبيلاً } [ الإنسان : 5-18 ] ففيه دليل على أن إطعام الأسارى وإن كانوا من أهل الشرك حسن ويرجى ثوابه والخبر الأول قال ابن حجر لم يذكره من يعتمد عليه من أهل الحديث وقال ابن العراقي لم أقف عليه والخبر الثاني لم أره لفرد غير ابن عساكر ولا وثوق لي بصحته وهو يقتضي مدنية هذه الآيات وقد علمت الخلاف في ذلك نعم عند عامة العلماء يجوز الإحسان إلى الكفار في دار الإسلام ولا تصرف إليهم الواجبات وقال ابن جبير وعطاء هو الأسير من أهل القبلة قال الطيبي هذا إنما يستقيم إذا اتفق الإطعام في دار الحرب من المسلم لأسير في أيديهم وقيل هو الأسير المسلم ترك في بلاد الكفار رهينة وخرج لطلب الفداء وروى محيي السنة عن مجاهد وابن جبير وعطاء أنهم قالوا هو المسجون من أهل القبلة وفيه دليل على أن إطعام أهل الحبوس المسلمين حسن وقد يقال لا يحسن إطعام المحبوس لوفاء دين يقدر على وفائه إنما امتنع عنه تعنتاً ولغرض من الأغراض النفسانية وعن أبي سعيد الخدري هو المملوك والمسجون وتسمية المسجون أسيراً مجاز لمنعه عن الخروج وأما تسمية المملوك فمجاز أيضاً لكن قيل باعتبار ما كان وقيل باعتبار شبهه به في تقييده بأسار الأمر وعدم تمكنه من فعل ما يهوى وعد الغريم أسيراً لقوله صلى الله عليه وسلم «غريمك أسيرك فأحسن إلى أسيرك » وهو على التشبيه البليغ إلا أنه قيل في هذا الخبر ما قيل في الخبر الأول وقال أبو حمزة اليماني هي الزوجة وضعفه ههنا ظاهر .