مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلٗا صَٰلِحٗا فَأُوْلَـٰٓئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّـَٔاتِهِمۡ حَسَنَٰتٖۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا} (70)

أما قوله تعالى : { إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما } ففيه مسائل :

المسألة الأولى : دلت الآية على أن التوبة مقبولة ، والاستثناء لا يدل على ذلك لأنه أثبت أنه يضاعف له العذاب ضعفين ، فيكفي لصحة هذا الاستثناء أن لا يضاعف للتائب العذاب ضعفين ، وإنما الدال عليه قوله : { فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات } .

المسألة الثانية : نقل عن ابن عباس أنه قال : توبة القاتل غير مقبولة ، وزعم أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى : { ومن يقتل مؤمنا متعمدا } وقالوا نزلت الغليظة بعد اللينة بمدة يسيرة ، وعن الضحاك ومقاتل بثمان سنين ، وقد تقدم الكلام في ذلك في سورة النساء .

المسألة الثالثة : فإن قيل : العمل الصالح يدخل فيه التوبة والإيمان ، فكان ذكرهما قبل ذكر العمل الصالح حشوا ، قلنا : أفردهما بالذكر لعلو شأنهما ، ولما كان لابد معهما من سائر الأعمال لا جرم ذكر عقيبهما العمل الصالح .

المسألة الرابعة : اختلفوا في المراد بقوله : { فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات } على وجوه . أحدها : قول ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة : إن التبديل إنما يكون في الدنيا ، فيبدل الله تعالى قبائح أعمالهم في الشرك بمحاسن الأعمال في الإسلام فيبدلهم بالشرك إيمانا ، وبقتل المؤمنين قتل المشركين ، وبالزنا عفة وإحصانا ، فكأنه تعالى يبشرهم بأنه يوفقهم لهذه الأعمال الصالحة فيستوجبوا بها الثواب . وثانيها : قال الزجاج : السيئة بعينها لا تصير حسنة ، ولكن التأويل أن السيئة تمحى بالتوبة وتكتب الحسنة مع التوبة والكافر يحبط الله عمله ويثبت عليه السيئات . وثالثها : قال قوم : إن الله تعالى يمحو السيئة عن العبد ويثبت له بدلها الحسنة بحكم هذه الآية ، وهذا قول سعيد بن المسيب ومكحول ، ويحتجون بما روى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : «ليتمنين أقوام أنهم أكثروا من السيئات ، قيل من هم يا رسول الله ؟ قال الذين يبدل الله سيئاتهم حسنات » وعلى هذا التبديل في الآخرة . ورابعها : قال القفال والقاضي : أنه تعالى يبدل العقاب بالثواب فذكرهما وأراد ما يستحق بهما ، وإذا حمل على ذلك كانت الإضافة إلى الله حقيقة لأن الإثابة لا تكون إلا من الله تعالى .

 
لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلٗا صَٰلِحٗا فَأُوْلَـٰٓئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّـَٔاتِهِمۡ حَسَنَٰتٖۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا} (70)

إلا من تاب من الذنب في الحال ؛ وآمن في المآل .

ويقال : { وَءَامَنَ } أن نجاته بفضل الله لا بتوبته ، { وَعَمَلَ صَالِحاً } لا ينقض توبتُهُ .

ويقال إن نقَضَ توبته عَمِلَ صالحاً أي جَدَّدَ توبتَه ؛ { فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيْئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ } ويخلق لهم التوفيق بدلاً من الخذلان .

ويقال يبدل الله سيئاتهم حسنات فيغفر لهم ويثيبهم على توبتهم .

ويقال يمحو ذِلَّة زَلاَّتِهِم ، ويثبت بَدَلَها الخيرات والحسنات ، وفي معناه أنشدوا :

ولما رضوا بالعفو عن ذي زلةٍ *** حتى أنالوا كفَّه وأفادوا