قوله تعالى { ولله ما في السماوات وما في الأرض يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله غفور رحيم } فيه مسألتان :
المسألة الأولى : إن المقصود من هذا تأكيد ما ذكره أولا من قوله { ليس لك من الأمر شيء } [ آل عمران : 28 ] والمعنى أن الأمر إنما يكون لمن له الملك ، وملك السماوات والأرض وليس إلا لله تعالى فالأمر في السماوات والأرض ليس إلا لله ، وهذا برهان قاطع .
المسألة الثانية : إنما قال : { ما في السماوات وما في الأرض } ولم يقل ( من ) لأن المراد الإشارة إلى الحقائق والماهيات ، فدخل فيه الكل .
أما قوله { يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء } فاعلم أن أصحابنا يحتجون بهذه الآية على أنه سبحانه له أن يدخل الجنة بحكم إلهيته جميع الكفار والمردة ، وله أن يدخل النار بحكم إلهيته جميع المقربين والصديقين وأنه لا اعتراض عليه في فعل هذه الأشياء ودلالة الآية على هذا المعنى ظاهرة والبرهان العقلي يؤكد ذلك أيضا ، وذلك أن فعل العبد يتوقف على الإرادة وتلك الإرادة مخلوقة لله تعالى ، فإذا خلق الله تلك الإرادة أطاع ، وإذا خلق النوع الآخر من الإرادة عصى ، فطاعة العبد من الله ومعصيته أيضا من الله ، وفعل الله لا يوجب على الله شيئا البتة ، فلا الطاعة توجب الثواب ، ولا المعصية توجب العقاب ، بل الكل من الله بحكم إلهيته وقهره وقدرته ، فصح ما ادعيناه أنه لو شاء يعذب جميع المقربين حسن منه ، ولو شاء يرحم جميع الفراعنة حسن منه ذلك ، وهذا البرهان هو الذي دل عليه ظاهر قوله تعالى : { يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء } .
فإن قيل : أليس أنه ثبت أنه لا يغفر للكفار ولا يعذب الملائكة والأنبياء .
قلنا : مدلول الآية أنه لو أراد لفعل ولا اعتراض عليه ، وهذا القدر لا يقتضي أنه يفعل أو لا يفعل ، وهذا الكلام في غاية الظهور .
ثم ختم الكلام بقوله { والله غفور رحيم } والمقصود بيان أنه وإن حسن كل ذلك منه إلا أن جانب الرحمة والمغفرة غالب لا على سبيل الوجوب بل على سبيل الفضل والإحسان .
الإله من له الأمر والنهي ، فلمَّا لم يكن له في الإلهية نظير لم يكن له - ( صلى الله عليه وسلم ) - من الأمر والنهي شيء .
ويقال جرَّده - بما عرَّفه وخاطبه - عن كلِّ غيرٍ ونصيب ودعوى ، حيث أخبر أنه ليس له من الأمر شيء ، فإذا لم يَجُزْ أن يكون لسيِّد الأولين والآخرين شيء من الأمر فَمَنْ نزلت رتبتُه عن منزلته فمتى يكون له شيء من الأمر ؟
ويقال استأثر ( بِسَتْرِ عباده في حكمه ) فقال أنا الذي أتوب على من أشاء من عبادي وأعذِّب من أشاء ، والعواقب عليك مستورة ، وإنك - يا محمد - لا تدري سرى فيهم .
ويقال أقامه في وقتٍ مقاماً فقالت :{ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى }
[ الأنفال : 17 ] رمى بقبضة من التراب فأصاب جميع الوجوه ، وقال له في وقت آخر : { لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيءٌ } ثم زاد في البيان فقال : { وَللهِ مَا فِى السَّمَاواتِ وَمَا فِى الأَرْضِ } . فإذا كان المُلْك ملكه ، والأمر أمره ، والحكم حكمه - فَمَنْ شاء عذَّبه ، ومن شاء قرَّبه ، ومن شاء هداه ، ومن شاء أغواه .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.