غرائب القرآن ورغائب الفرقان للحسن بن محمد النيسابوري - النيسابوري- الحسن بن محمد  
{وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ يَغۡفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ} (129)

121

ثم أكد ما ذكر من قوله : { ليس لك من الأمر شيء } بقوله : { ولله ما في السماوات وما في الأرض } أي هما والحقائق والماهيات التي فيهما لله ، فليس الحكم فيهما إلا له . ثم ذكر لازم الملك والحكم فقال : { يغفر لمن يشاء } بعميم فضله وإن كان من الأبالسة والفراعنة { ويعذب من يشاء } بحكم الإلهية والقدرة وإن كان من الملائكة المقربين والصديقين . وكل ذلك يحسن منه شرعاً وعقلاً وإلا لم يحصل لكمال الملك والحكم إلا أن جانب الرحمة والمغفرة غالب ، ولهذا ختم الكلام بقوله : { والله غفور رحيم } هذا قول الأشاعرة ويؤكده ما يروى عن ابن عباس في تفسير الآية : يهب الذنب الكبير لمن يشاء ، ويعذب من يشاء على الذنب الصغير ، وأيدوا هذا النقل بدليل عقلي يشبه ما مر آنفاً ، وهو أن الإرادات كلها تستند إلى الله تعالى دفعاً للتسلسل . فإذا خلق الله إرادة الطاعة أطاع ، وإذا خلق إرادة المعصية عصى . فطاعة العبد أو معصيته تنتهي إلى الله ، وفعل الله لا يوجب على الله شيئاً . أما المعتزلة فناقشوا في ذلك ورووا عن الحسن : يغفر لمن يشاء بالتوبة ولا يشاء أن يغفر إلا للتائبين ، ويعذب من يشاء ولا يشاء أن يعذب إلا المستوجبين للعذاب . والحق أن العذاب لازم ملكة العصيان ، وكذا القرب منه تعالى لازم ملكة الطاعة . فإن أريد بالوجوب هذا فلا نزاع ، وإن أريد غير ذلك فممنوع والله أعلم .

/خ129