مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{۞إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ عَلَى ٱلَّذِينَ يَسۡتَـٔۡذِنُونَكَ وَهُمۡ أَغۡنِيَآءُۚ رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ ٱلۡخَوَالِفِ وَطَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ فَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ} (93)

قوله تعالى : { إنما السبيل على الذين يستأذنوك وهم أغنياء رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون }

وفي الآية مسائل :

المسألة الأولى : أنه تعالى لما قال في الآية الأولى : { ما على المحسنين من سبيل } قال في هذه الآية إنما السبيل على من كان كذا وكذا ، ثم الذين قالوا في الآية الأولى المراد { ما على المحسنين من سبيل } في أمر الغزو والجهاد ، وأن نفي السبيل في تلك الآية مخصوص بهذا الحكم . قالوا : السبيل الذي نفاه عن المحسنين ، هو الذي أثبته في هؤلاء المنافقين ، وهو الذي يختص بالجهاد ، والمعنى : أن هؤلاء الأغنياء الذين يستأذنوك في التخلف سبيل الله عليهم لازم ، وتكليفه عليهم بالذهاب إلى الغزو متوجه ، ولا عذر لهم البتة في التخلف .

فإن قيل : قوله : { رضوا } ما موقعه ؟

قلنا : كأنه استئناف ، كأنه قيل : ما بالهم استأذنوا وهم أغنياء . فقيل : رضوا بالدناءة والضعة والانتظام في جملة الخوالف { وطبع الله على قلوبهم } يعني أن السبب في نفرتهم عن الجهاد ، هو أن الله طبع على قلوبهم ، فلأجل ذلك الطبع لا يعلمون ما في الجهاد من منافع الدين والدنيا .

 
لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{۞إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ عَلَى ٱلَّذِينَ يَسۡتَـٔۡذِنُونَكَ وَهُمۡ أَغۡنِيَآءُۚ رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ ٱلۡخَوَالِفِ وَطَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ فَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ} (93)

يريد السبيل بالعقوبة والملامة على الذين يتأخرون عنك في الخروج إلى الجهادِ ولهم الأُهبة والمُكْنَة ، وتساعدهم على الخروج الاستطاعةُ والقدرةُ ؛ فإِذا استأذنوك للخروج وأظهروا لم يَصْدقُوا ، فهم مُسْتَوجِبُونَ للنكير عليهم ، لأنَّ مَنْ صَدَقَ في الولاء لا يحتشم من مقاساةِ العناء ، والذي هو في الولاءِ مما ذِقٌ وللصِّدقِ مفَارِقٌ يتعلَّلُ بما لا أصل له ، لأنه حُرِمَ الخلوصَ فيما هو أَهْلٌ له ، وكذا قيل :

إنَّ الملولَ إذا أراد قطيعةً *** مَلَّ الوصَالَ وقال كان وكانا

قوله جلّ ذكره : { رَضُوا بِأَن يَكُونُوا مَعَ الخَوَالِفِ } .

قيل في التفسير : مع النساء في البيوت .

والإسلام يثني على الشجاعة ، وفي الخبر : " إنْ الله تعالى يحب الشجاعة ، و لو على قتل حية " ، وفي معناه أنشدوا :

كُتِبَ القتلُ والقتالُ علينا *** وعلى المُحْصَنَاتِ جرُّ الذّيُولِ

ومَنْ استوطن مركبَ الكسلِ ، واكتسى لِبَاسَ الفَشَلِ ، ورَكَنَ إلى مخاريق الحِيَل - حُرِمَ استحقاقَ القُربة . ومَنْ أراد اللهُ - تعالى - هَوَانَه ، وأذاقه خِذْلانَه ، فليس له عن حكم الله مناصٌ .