قوله تعالى { وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملا ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت ليقولن الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين }
واعلم أنه تعالى لما أثبت بالدليل المتقدم كونه عالما بالمعلومات ، أثبت بهذا الدليل كونه تعالى قادرا على كل المقدورات وفي الحقيقة فكل واحد من هذين الدليلين يدل على كمال علم الله وعلى كمال قدرته .
واعلم أن قوله تعالى : { وهو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام } قد مضى تفسيره في سورة يونس على سبيل الاستقصاء . بقي ههنا أن نذكر { وكان عرشه على الماء } قال كعب خلق الله تعالى ياقوتة خضراء ، ثم نظر إليها بالهيبة فصارت ماء يرتعد ، ثم خلق الريح فجعل الماء على متنها ثم وضع العرش على الماء ، قال أبو بكر الأصم : معنى قوله : { وكان عرشه على الماء } كقولهم : السماء على الأرض . وليس ذلك على سبيل كون أحدهما ملتصقا بالآخر وكيف كانت الواقعة فذلك يدل على أن العرش والماء كانا قبل السموات والأرض ، وقالت المعتزلة : في الآية دلالة على وجود الملائكة قبل خلقهما ، لأنه لا يجوز أن يخلق ذلك ولا أحد ينتفع بالعرش والماء ، لأنه تعالى لما خلقهما فإما أن يكون قد خلقهما لمنفعة أو لا لمنفعة والثاني عبث ، فبقي الأول وهو أنه خلقهما لمنفعة ، وتلك المنفعة إما أن تكون عائدة إلى الله وهو محال ، لكونه متعاليا عن النفع والضرر أو إلى الغير فوجب أن يكون ذلك الغير حيا ، لأن غير الحي لا ينفع . وكل من قال بذلك قال ذلك الحي كان من جنس الملائكة ، وأما أبو مسلم الأصفهاني فقال معنى قوله : { وكان عرشه على الماء } أي بناؤه السموات كان على الماء ، وقد مضى تفسير ذلك في سورة يونس ، وبين أنه تعالى إذا بنى السموات على الماء كانت أبدع وأعجب ، فإن البناء الضعيف إذا لم يؤسس على أرض صلبة لم يثبت ، فكيف بهذا الأمر العظيم إذا بسط على الماء ؟ وههنا سؤالات :
السؤال الأول : ما الفائدة في ذكر أن عرشه كان على الماء قبل خلق السموات والأرض ؟
والجواب : فيه دلالة على كمال القدرة من وجوه : الأول : أن العرش كونه مع أعظم من السموات والأرض كان على الماء فلولا أنه تعالى قادر على إمساك الثقيل بغير عمد لما صح ذلك ، والثاني : أنه تعالى أمسك الماء لا على قرار وإلا لزم أن يكون أقسام العالم غير متناهية ، وذلك يدل على ما ذكرناه . والثالث : أن العرش الذي هو أعظم المخلوقات قد أمسكه الله تعالى فوق سبع سموات من غير دعامة تحته ولا علاقة فوقه ، وذلك يدل أيضا على ما ذكرنا .
السؤال الثاني : هل يصح ما يروى أنه قيل يا رسول الله ، أين كان ربنا قبل خلق السموات والأرض ؟ فقال كان في عماء فوقه هواء وتحته هواء .
والجواب : أن هذه الرواية ضعيفة ، والأولى أن يكون الخبر المشهور أولى بالقبول وهو قوله صلى الله عليه وسلم " كان الله وما كان معه شيء ، ثم كان عرشه على الماء " .
السؤال الثالث : اللام في قوله : { ليبلوكم أيكم أحسن عملا } يقتضي أنه تعالى خلق السموات والأرض لابتلاء المكلف فكيف الحال فيه ؟ والجواب ظاهر هذا الكلام يقتضي أن الله تعالى خلق هذا العالم الكثير لمصلحة المكلفين ، وقد قال بهذا القول طوائف من العقلاء ، ولكل طائفة فيه وجه آخر سوى الوجه الذي قال به الآخرون ، وشرح تلك المقالات لا يليق بهذا الكتاب . والذين قالوا إن أفعاله وأحكامه غير معللة بالمصالح قالوا : لام التعليل وردت على ظاهر الأمر ، ومعناه أنه تعالى فعل فعلا لو كان يفعله من تجوز عليه رعاية المصالح لما فعله إلا لهذا الغرض .
السؤال الرابع : الابتلاء إنما يصح على الجاهل بعواقب الأمور وذلك عليه تعالى محال ، فكيف يعقل حصول معنى الابتلاء في حقه ؟
والجواب : أن هذا الكلام على سبيل الاستقصاء ذكرناه في تفسير قوله تعالى في أول سورة البقرة : { لعلكم تتقون } .
واعلم أنه تعالى لما بين أنه خلق هذا العالم لأجل ابتلاء المكلفين وامتحانهم فهذا يوجب القطع بحصول الحشر والنشر ، لأن الابتلاء والامتحان يوجب تخصيص المحسن بالرحمة والثواب وتخصيص المسيء بالعقاب ، وذلك لا يتم إلا مع الاعتراف بالمعاد والقيامة ، فعند هذا خاطب محمدا عليه الصلاة والسلام وقال : { ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت ليقولن الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين } ومعناه أنهم ينكرون هذا الكلام ويحكمون بفساد القول بالبعث .
فإن قيل : الذي يمكن وصفه بأنه سحر ما يكون فعلا مخصوصا ، وكيف يمكن وصف هذا القول بأنه سحر ؟
قلنا : الجواب عنه من وجوه : الأول : قال القفال : معناه أن هذا القول خديعة منكم وضعتموها لمنع الناس عن لذات الدنيا وإحرازا لهم إلى الانقياد لكم والدخول تحت طاعتكم . الثاني : أن معنى قوله : { إن هذا إلا سحر مبين } هو أن السحر أمر باطل ، قال تعالى حاكيا عن موسى عليه السلام { ما جئتم به السحر إن الله سيبطله } فقوله : { إن هذا إلا سحر مبين } أي باطل مبين . الثالث : أن القرآن هو الحاكم بحصول البعث وطعنوا في القرآن بكونه سحرا لأن الطعن في الأصل يفيد الطعن في الفرع . الرابع : قرأ حمزة والكسائي { إن هذا إلا ساحر } يريدون النبي صلى الله عليه وسلم والساحر كاذب .
ثم يمضي السياق في تعريف البشر بربهم ، وإطلاعهم على آثار قدرته وحكمته . في خلق السماوات والأرض بنظام خاص في أطوار أو آماد محكمة ؛ لحكمة كذلك خاصة . يبرز منها السياق هنا ما يناسب البعث والحساب والعمل والجزاء :
( وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ، وكان عرشه على الماء ، ليبلوكم أيكم أحسن عملا . ولئن قلت : إنكم مبعوثون من بعد الموت ليقولن الذين كفروا : إن هذا إلا سحر مبين ) . .
وخلق السماوات والأرض في ستة أيام تحدثنا عنه في سورة يونس . . وهو يساق هنا للربط بين النظام الذي يقوم عليه الكون والنظام الذي تقوم عليه حياة الناس .
والجديد هنا في خلق السماوات والأرض هو الجملة المعترضة : ( وكان عرشه على الماء )وما تفيده من أنه عند خلق السماوات والأرض أي إبرازهما إلى الوجود في شكلهما الذي انتهيا إليه كان هناك الماء ؛ وكان عرش الله سبحانه على الماء . .
أما كيف كان هذا الماء ، وأين كان ، وفي أية حالة من حالاته كان . وأما كيف كان عرش الله على هذا الماء . . فزيادات لم يتعرض لها النص ، وليس لمفسر يدرك حدوده أن يزيد شيئا على مدلول النص ، في هذا الغيب الذي ليس لنا من مصدر لعلمه إلا هذا النص وفي حدوده .
وليس لنا أن نتلمس للنصوص القرآنية مصداقا من النظريات التي تسمى " العلمية " - حتى ولو كان ظاهر النص يتفق مع النظرية وينطبق - فالنظريات " العلمية " قابلة دائما للانقلاب رأسا على عقب ، كلما اهتدى العلماء إلى فرض جديد ، وامتحنوه فوجدوه أقرب إلى تفسير الظواهر الكونية من الفرض القديم الذي قامت عليه النظرية الأولى . والنص القرآني صادق بذاته ، اهتدى العلم إلى الحقيقة التي يقررها أم لم يهتد . وفرق بين الحقيقة العلمية والنظرية العلمية . فالحقيقة العلمية قابلة للتجربة - وإن كانت دائما احتمالية وليست قطعية - أما النظرية العلمية فهي قائمة على فرض يفسر ظاهرة كونية أو عدة ظواهر ، وهي قابلة للتغيير والتبديل والانقلاب . . ومن ثم لا يحمل القرآن عليها ولا تحمل هي على القرآن ، فلها طريق غير طريق القرآن . ومجال غير مجال القرآن .
وتلمس موافقات من النظريات " العلمية " للنصوص القرآنية هو هزيمة لجدية الإيمان بهذا القرآن واليقين بصحة ما فيه ، وأنه من لدن حكيم خبير . هزيمة ناشئة من الفتنة " بالعلم " وإعطائه أكثر من مجاله الطبيعي الذي لا يصدق ولا يوثق به إلا في دائرته . فلينتبه إلى دبيب الهزيمة في نفسه من يحسب أنه بتطبيق القرآن على " العلم " يخدم القرآن ويخدم العقيدة ، ويثبت الإيمان ! إن الإيمان الذي ينتظر كلمة العلم البشري المتقلبة ليثبت لهو إيمان يحتاج إلى إعادة النظر فيه ! إن القرآن هو الأصل والنظريات العلمية توافقه أو تخالفه سواء . أما الحقائق العلمية التجريبية فمجالها غير مجال القرآن . وقد تركها القرآن للعقل البشري يعمل فيها بكامل حريته ، ويصل إلى النتائج التي يصل إليها بتجاربه ، ووكل نفسه بتربية هذا العقل على الصحة والاستقامة والسلامة ، وتحريره من الوهم والأسطورة والخرافة . كما عمل على إقامة نظام للحياة يكفل لهذا العقل أن يستقيم ، وأن يتحرر ، وأن يعيش في سلام ونشاط . . ثم تركه بعد ذلك يعمل في دائرته الخاصة . ويصل إلى الحقائق الجزئية الواقعية بتجاربه . ولم يتعرض لذكر شيء من الحقائق العلمية إلا نادرا . مثل أن الماء أصل الحياة والعنصر المشترك في جميع الأحياء . ومثل أن جميع الأحياء أزواج حتى النبات الذي يلقح من نفسه فهو يحتوي على خلايا التذكير والتأنيث . . . وأمثال هذه الحقائق . التي صرحت بها النصوص القرآنية .
ونعود من هذا الاستطراد إلى النص القرآني نتملاه في مجاله الأصيل . مجال بناء العقيدة وتصريف الحياة :
( وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام - وكان عرشه على الماء - ليبلوكم أيكم أحسن عملا ) . .
خلق السماوات والأرض في ستة أيام . . وهنا فقرات كثيرة محذوفة يشير إليها ما بعدها فيغني عنها . . خلقها في هذا الأمد ، لتكون صالحة ومجهزة لحياة هذا الجنس البشري ، وخلقكم وسخر لكم الأرض وما يفيدكم من السماوات . . وهو سبحانه مسيطر على الكون كله . . ( ليبلوكم أيكم أحسن عملا ) . . والسياق يظهر كأن خلق السماوات والأرض في ستة أيام - مع سيطرة الله سبحانه على مقاليده - كان من أجل ابتلاء الإنسان . ليعظم هذا الابتلاء ويشعر الناس بأهميتهم وبجدية ابتلائهم .
وكما جهز الخالق هذه الأرض وهذه السماوات بما يصلح لحياة هذا الجنس ، جهز هذا الجنس كذلك باستعدادات وطاقات ؛ وبنى فطرته على ذات القانون الذي يحكم الكون ؛ وترك له جانبا اختياريا في حياته ، يملك معه أن يتجه إلى الهدى فيعينه الله عليه ويهديه ، أو أن يتجه إلى الضلال فيمد الله له فيه ، وترك الناس يعملون ، ليبلوهم أيهم أحسن عملا . يبلوهم لا للعلم فهو يعلم . ولكن يبلوهم ليظهر المكنون من أفعالهم ، فيتلقوا جزاءهم عليها كما اقتضت إرادة الله وعدله . ومن ثم يبدو التكذيب بالبعث والحساب والجزاء عجيبا غريبا في هذا الجو . بعدما يذكر أن الابتلاء مرتبط بتكوين السماوات والأرض . أصيل في نظام الكون وسنن الوجود .
ويبدو المكذبون به غير معقولين وغير مدركين للحقائق الكبيرة في تكوين هذا الوجود ، وهم يعجبون لهذه الحقائق وبها يفاجأون :
( ولئن قلت : إنكم مبعوثون من بعد الموت ليقولن الذين كفروا : إن هذا إلا سحر مبين ) . .
فما أعجبها قولة ، وما أغربها ، وما أكذبها في ظل هذا البيان الذي تقدمها !
{ في ستة أيام } : أي الأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس والجمعة .
{ وكان عرشه على الماء } : إذ لم يكن قد خلق شيئاً من المخلوقات سواه ، والماء على الهواء .
{ ليبلوكم } : أي ليختبركم ليرى أيكم أحسن عملاً .
وقوله تعالى في الآية ( 7 ) { وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء } أي أوجد السموات السبع والأرض وما فيها في ظرف ستة أيام وجائز أن تكون كأيام الدنيا ، وجائز أن تكون كالأيام التي عنده وهي ألف سنة لقوله في سورة الحج { وإن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون } وقوله { وكان عرشه على الماء } أي خلق العرش قبل خلق السموات والأرض ، والعرش : سرير المُلك ومنه يتم تدبير كل شيء في هذه الحياة ، وقوله { على الماء } إذ لم يكن أرض ولا سماء فلم يكن إلا الماء كالهواء . وقوله تعالى { ليبلوكم أيكم أحسن عملاً } أي خلقكم وخلق كل شيء لأجلكم ، ليختبركم أيكم أطوع له وأحسن عملا أي بإخلاصه لله تعالى وحده وبفعله على نحو ما شرعه الله وبيّنه رسوله .
هذه مظاهر علمه تعالى وقدرته وبها استوجب العبادة وحده دون سواه وبها عُلم أنه لا يخفى عليه من أمر عباده شيء فكيف يحاول الجهلة إخفاء ما في صدورهم وما تقوم به جوارحهم بثني صدورهم واستغشاء ثيابهم . ألا ساء ما يعملون .
وقوله تعالى { ولئن قُلت } - أي أيها الرسول للمشركين - إنكم مبعوثون من بعد الموت ، أي مخلوقون خلقاً جديداً ومبعوثون من قبوركم لمحاسبتكم ومجازاتكم بحسب أعمالكم في هذه الحياة الدنيا { ليقولن الذين كفروا } أي عند سماع أخبار الحياة الثانية وما فيها من نعيم مقيم ، وعذاب مهين { إن هذا إلا سحر مبين } أي ما يقوله محمد صلى الله عليه وسلم من هذا الكلام ما هو إلا سحر مبين يريد به صرف الناس عن ملذاتهم ، وجمعهم حوله ليترأس عليهم ويخدموه ، وهو كلام باطل وظن كاذب وهذا شأن الكافر .