مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ بِٱلۡحَقِّ وَصَوَّرَكُمۡ فَأَحۡسَنَ صُوَرَكُمۡۖ وَإِلَيۡهِ ٱلۡمَصِيرُ} (3)

وقوله تعالى : { خلق السماوات والأرض بالحق } أي بالإرادة القديمة على وفق الحكمة ، ومنهم من قال : بالحق ، أي للحق ، وهو البعث ، وقوله : { وصوركم فأحسن صوركم } يحتمل وجهين ( أحدهما ) أحسن أي أتقن وأحكم على وجه لا يوجد بذلك الوجه في الغير ، وكيف يوجد وقد وجد في أنفسهم من القوى الدالة على وحدانية الله تعالى وربوبيته دلالة مخصوصة لحسن هذه الصورة ( وثانيهما ) أن نصرف الحسن إلى حسن المنظر ، فإن من نظر في قد الإنسان وقامته وبالنسبة بين أعضائه فقد علم أن صورته أحسن صورة وقوله تعالى : { وإليه المصير } أي البعث وإنما أضافه إلى نفسه لأنه هو النهاية في خلقهم والمقصود منه ، ثم قال تعالى : { وصوركم فأحسن صوركم } لأنه لا يلزم من خلق الشيء أن يكون مصورا بالصورة ، ولا يلزم من الصورة أن تكون على أحسن الصور ، ثم قال : { وإليه المصير } أي المرجع ليس إلا له ، وقوله تعالى : { يعلم ما في السماوات والأرض ويعلم ما تسرون وما تعلنون والله عليم بذات الصدور } نبه بعلمه ما في السماوات والأرض ، ثم بعلمه ما يسره العباد وما يعلنونه ، ثم بعلمه ما في الصدور من الكليات والجزئيات على أنه لا يخفى عليه شيء لما أنه تعالى لا يعزب عن علمه مثقال ذرة البتة أزلا وأبدا ، وفي الآية مباحث :

الأول : أنه تعالى حكيم ، وقد سبق في علمه أنه إذا خلقهم لم يفعلوا إلا الكفر ، والإصرار عليه فأي حكمة دعته إلى خلقهم ؟ نقول : إذا علمنا أنه تعالى حكيم ، علمنا أن أفعاله كلها على وفق الحكمة ، وخلق هذه الطائفة فعله ، فيكون على وفق الحكمة ، ولا يلزم من عدم علمنا بذلك أن لا يكون كذلك بل اللازم أن يكون خلقهم على وفق الحكمة .

الثاني : قال : { وصوركم فأحسن صوركم } وقد كان من أفراد هذا النوع من كان مشوه الصورة سمج الخلقة ؟ نقول : لا سماجة ثمة لكن الحسن كغيره من المعاني على طبقات ومراتب فلانحطاط بعض الصور عن مراتب ما فوقها انحطاطا بينا لا يظهر حسنه ، وإلا فهو داخل في حيز الحسن غير خارج عن حده .

الثالث : قوله تعالى : { وإليه المصير } يوهم الانتقال من جانب إلى جانب ، وذلك لا يمكن إلا أن يكون الله في جانب ، فكيف هو ؟ قلت : ذلك الوهم بالنسبة إلينا وإلى زماننا لا بالنسبة إلى ما يكون في نفس الأمر ، فإن نفس الأمر بمعزل عن حقيقة الانتقال من جانب إلى جانب إذا كان المنتقل إليه منزها عن الجانب وعن الجهة .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ بِٱلۡحَقِّ وَصَوَّرَكُمۡ فَأَحۡسَنَ صُوَرَكُمۡۖ وَإِلَيۡهِ ٱلۡمَصِيرُ} (3)

واللمسة الثالثة تشير إلى الحق الأصيل الكامن في طبيعة الوجود ، الذي تقوم به السماوات والأرض ، كما تشير إلى صنعة الله المبدعة في كيان المخلوق الإنساني . وتقرر رجعة الجميع إليه في نهاية المطاف :

( خلق السماوات والأرض بالحق ، وصوركم فأحسن صوركم ، وإليه المصير ) . .

وصدر هذا النص : ( خلق السماوات والأرض بالحق ) . . يقر في شعور المؤمن أن الحق أصيل في كيان هذا الكون ، ليس عارضا وليس نافلة ؛ فبناء الكون قام على هذا الأساس . والذي يقرر هذه الحقيقة هو الله الذي خلق السماوات والأرض ، والذي يعلم على أي أساس قامتا . واستقرار هذه الحقيقة في الحس يمنحه الطمأنينة والثقة في الحق الذي يقوم عليه دينه ، ويقوم عليه الوجود من حوله ؛ فهو لا بد ظاهر ، ولا بد باق ، ولا بد مستقر في النهاية بعد زبد الباطل !

والحقيقة الثانية : ( وصوركم فأحسن صوركم ) . . تشعر الإنسان بكرامته على الله ، وبفضل الله عليه في تحسين صورته : صورته الخلقية وصورته الشعورية . فالإنسان هو أكمل الأحياء في الأرض من ناحية تكوينه الجثماني ؛ كما أنه أرقاها من ناحية تكوينه الشعوري واستعداداته الروحية ذات الأسرار العجيبة . ومن ثم وكلت إليه خلافة الأرض ، وأقيم في هذا الملك العريض بالقياس إليه !

ونظرة فاحصة إلى الهندسة العامة لتركيب الإنسان ، أو إلى أي جهاز من أجهزته ، تثبت تلك الحقيقة وتجسمها : ( وصوركم فأحسن صوركم ) . . وهي هندسة يجتمع فيها الجمال إلى الكمال . ويتفاوت الجمال بين شكل وشكل . ولكن التصميم في ذاته جميل وكامل الصنعة ، وواف بكل الوظائف والخصائص التي يتفوق بها الإنسان في الأرض على سائر الأحياء .

( وإليه المصير ) . . مصير كل شيء وكل أمر وكل خلق . . مصير هذا الكون ومصير هذا الإنسان . فمن إرادته انبثق ، وإليه - سبحانه - يعود . ومنه المنشأ وإليه المصير . وهو الأول والآخر . المحيط بكل شيء من طرفيه : مبدئه ونهايته . وهو - سبحانه - غير محدود !

 
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ بِٱلۡحَقِّ وَصَوَّرَكُمۡ فَأَحۡسَنَ صُوَرَكُمۡۖ وَإِلَيۡهِ ٱلۡمَصِيرُ} (3)

شرح الكلمات :

{ وصوركم فأحسن صوركم } : أي صوركم في الأرحام فأحسن صوركم .

{ وإليه المصير } : أي المرجع يوم القيامة .

المعنى :

/د1