مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوۡلَآ أُنزِلَ عَلَيۡهِ ءَايَةٞ مِّن رَّبِّهِۦۚ قُلۡ إِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهۡدِيٓ إِلَيۡهِ مَنۡ أَنَابَ} (27)

{ ويقول الذين كفروا لولآ أنزل عليه آية من ربه قل إن الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب }

اعلم أن الكفار قالوا : يا محمد إن كنت رسولا فأتنا بآية ومعجزة قاهرة ظاهرة مثل معجزات موسى وعيسى عليهما السلام .

فأجاب عن هذا السؤال بقوله : { قل إن الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب } وبيان كيفية هذا الجواب من وجوه : أحدها : كأنه تعالى يقول : إن الله أنزل عليه آيات ظاهرة ومعجزات قاهرة ، ولكن الإضلال والهداية من الله ، فأضلكم عن تلك الآيات القاهرة الباهرة ، وهدى أقواما آخرين إليها ، حتى عرفوا بها صدق محمد صلى الله عليه وسلم في دعوى النبوة ، وإذا كان كذلك فلا فائدة في تكثير الآيات والمعجزات ، وثانيها : أنه كلام يجري مجرى التعجب من قولهم وذلك لأن الآيات الباهرة المتكاثرة التي ظهرت على رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت أكثر من أن تصير مشتبهة على العاقل ، فلما طلبوا بعدها آيات أخرى كان موضعا للتعجب والاستنكار ، فكأنه قيل لهم : ما أعظم عنادكم { إن الله يضل من يشاء } من كان على صفتكم من التصميم وشدة الشكيمة على الكفر فلا سبيل إلى اهتدائكم وإن أنزلت كل آية { ويهدي } من كان على خلاف صفتكم . وثالثها : أنهم لما طلبوا سائر الآيات والمعجزات فكأنه قيل لهم لا فائدة في ظهور الآيات والمعجزات ، فإن الإضلال والهداية من الله فلو حصلت الآيات الكثيرة ولم تحصل الهداية فإنه لم يحصل الانتفاع بها ولو حصلت آية واحدة فقط وحصلت الهداية من الله فإنه يحصل الانتفاع بها فلا تشتغلوا بطلب الآيات ولكن تضرعوا إلى الله في طلب الهدايات . ورابعها : قال أبو علي الجبائي : المعنى إن الله يضل من يشاء عن رحمته وثوابه عقوبة له على كفره فلستم ممن يجيبه الله تعالى إلى ما يسأل لاستحقاقكم العذاب والإضلال عن الثواب : { ويهدي إليه من أناب } أي يهدي إلى جنته من تاب وآمن ، قال وهذا يبين أن الهدى هو الثواب من حيث أنه عقبه بقوله : { من أناب } أي تاب والهدى الذي يفعله بالمؤمن هو الثواب ، لأنه يستحقه على إيمانه ، وذلك يدل على أنه تعالى إنما يضل عن الثواب بالعقاب ، لا عن الدين بالكفر على ما ذهب إليه من خالفنا . هذا تمام كلام أبي علي وقوله : ( أناب ) أي أقبل إلى الحق وحقيقته دخل في نوبة الخير .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوۡلَآ أُنزِلَ عَلَيۡهِ ءَايَةٞ مِّن رَّبِّهِۦۚ قُلۡ إِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهۡدِيٓ إِلَيۡهِ مَنۡ أَنَابَ} (27)

19

ولقد سبقت الإشارة إلى الفارق الضخم بين من يعلم أن ما أنزل إلى الرسول من ربه هو الحق ، ومن هو أعمى . فالآن يحكي السياق شيئا عن العمي الذين لا يرون آيات الله في الكون ، والذين لا يكفيهم هذا القرآن ، فإذا هم يطلبون آية . وقد حكى السياق شيئا كهذا في شطر السورة الأول ، وعقب عليه بأن الرسول ليس إلا منذرا والآيات عند الله . وهو الآن يحكيه ويعقب عليه ببيان أسباب الهدى وأسباب الضلال . ويضع إلى جواره صورة القلوب المطمئنة بذكر الله ، لا تقلق ولا تطلب خوارق لتؤمن وهذا القرآن بين أيديها . هذا القرآن العميق التأثير ، حتى لتكاد تسير به الجبال وتقطع به الأرض ، ويكلم به الموتى لما فيه من سلطان وقوة ودفعة وحيوية . وينهي الحديث عن هؤلاء الذين يتطلبون القوارع والخوارق بتيئيس المؤمنين منهم ، وبتوجيههم إلى المثلات من قبلهم ، وإلى ما يحل بالمكذبين من حولهم بين الحين والحين :

( ويقول الذين كفروا : لولا أنزل عليه آية من ربه ! قل : إن الله يضل من يشاء ، ويهدي إليه من أناب : الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله . ألا بذكر الله تطمئن القلوب . الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن مآب )

( كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها أمم لتتلو عليهم الذي أوحينا إليك ، وهم يكفرون بالرحمن . قل : هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت ، وإليه متاب )

( ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى . بل لله الأمر جميعا . أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا . ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريبا من دارهم حتى يأتي وعد الله . إن الله لا يخلف الميعاد . ولقد استهزى ء برسل من قبلك ، فأمليت للذين كفروا ثم أخذتهم . فكيف كان عقاب ? . . )

إن الرد على طلبهم آية خارقة ، أن الآيات ليست هي التي تقود الناس إلى الإيمان ، فللإيمان دواعيه الأصيلة في النفوس ، وأسبابه المؤدية إليه من فعل هذه النفوس :

( قل : إن الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب ) . .

فالله يهدي من ينيبون إليه . فالإنابة إلى الله هي التي جعلتهم أهلا لهداه . والمفهوم إذن أن الذين لا ينيبون هم الذين يستأهلون الضلال ، فيضلهم الله . فهو استعداد القلب للهدى وسعيه إليه وطلبه ، أما القلوب التي لا تتحرك إليه فهو عنها بعيد . .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوۡلَآ أُنزِلَ عَلَيۡهِ ءَايَةٞ مِّن رَّبِّهِۦۚ قُلۡ إِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهۡدِيٓ إِلَيۡهِ مَنۡ أَنَابَ} (27)

{ ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه قل إن الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب27 الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب28 الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن مآب29 } .

المفردات :

من أناب : من رجع إلى الحق .

وقال ابن عباس : فرح لهم وقرة عين . وقال قتادة : حسنى لهم ، إلى غير ذلك من المعاني التي ترجع إلى ما ذكره الزجاج ، وقيل : هي : اسم للجنة ، أو لشجرة فيها .

وحسن مآب : وحسن مرجع .

التفسير :

27 { ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه . . . } .

لازال الحديث متصلا في شأن أهل مكة ، والمراد بهم : عبد الله بن أمية وأصحابه ، حين طالبوا النبي صلى الله عليه وسلم بالآيات الكونية ؛ فقد اقترح مشركو مكة على النبي صلى الله عليه وسلم ، أن يأتي بآيات ومعجزات حسية كناقة صالح ، وعصا موسى ونحو ذلك ؛ من الآيات الحسية الملموسة .

قال تعالى : { وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا* أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا* أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله والملائكة قبيلا* أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا* وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا } ( الإسراء : 90 94 ) .

والمعنى : يقول الذين كفروا من أهل مكة : هلا أنزل على محمد معجزة ملموسة ، مثل تحويل الصحراء إلى بساتين كأرض الشام ، أو إحياء جدهم قصىّ ، أو سقوط السماء عليهم كسفا ، أو تحويل الصفا ذهبا ، أو تفجير ينابيع المياه في مكة وما حولها ، أو أن يمتلك محمد بيتا من ذهب ، أو يصعد إلى السماء ويعود ومعه كتاب من الله يفيد : أن محمدا رسول حقا ، أو يأتي بالله والملائكة جميعا أمامهم ؛ ليشاهدوهم ، وغير ذلك من الآيات التي تفيد : تعنت المشركين ؛ لأنهم لم يستخدموا عقولهم ، ولم يفتحوا قلوبهم ؛ ليتدبروا أن هذا الذي أرسل إليهم بشر مثلهم ، يوحى إليه بوحي فمن اهتدى به ؛ آمن ، ومن أعرض عنه ؛ جحد وكفر ، ولن يفيد الكافرون كثرة الآيات ، ولا حجم المعجزات ، مادامت قلوبهم تصر على الجحود والإعراض ، قال تعالى : { وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون }( يونس : 101 ) .

وقال سبحانه : { ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ولكن أكثرهم يجهلون }( الأنعام : 111 ) .

{ قل إن الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب } .

إن هداية السماء تحتاج إلى إقبال وتفتح ، ورغبة في المعرفة والفهم ، وتبصر في حقيقة الإيمان ، فمن أعرض عن الهدى ، واختار الضلال والكفر ؛ سلب الله عنه أسباب الهداية ، وتركه في حيرة وضلال ، ومن اختار أسباب الهداية ؛ يسر الله له الهدى ؛ لأنه رجع عن العناد ، وأناب إلى الله وتبصر في وحيه ودعوته ، أي : قل لهم يا محمد : إن الله يضل الكافرين ؛ لإعراضهم ، ويهدي إلى دينه ، { من أناب } ، أي : رجع إليه وسلك سبيله ،