ولما شرح الله تعالى أحوال حرمانهم عن الربح وبين كيفية خسرانهم ، بين أنهم لم يقتصروا على الحرمان والخسران ، بل ضموا إليه استحقاق العذاب العظيم والعقاب الشديد ، فقال : { لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل } والمراد إحاطة النار بهم من جميع الجوانب ، ونظيره في الأحوال النفسانية إحاطة الجهل والحرمان والحرص وسائر الأخلاق الذميمة بالإنسان ، فإن قيل الظلل ما على الإنسان فكيف سمى ما تحته بالظلل ؟ والجواب من وجوه الأول : أنه من باب إطلاق اسم أحد الضدين على الآخر كقوله : { وجزاء سيئة سيئة مثلها } ، الثاني : أن الذي يكون تحته يكون ظلة لإنسان آخر تحته لأن النار دركات كما أن الجنة درجات والثالث : أن الظلة التحتانية إذا كانت مشابهة للظلة الفوقانية في الحرارة والإحراق والإيذاء ، أطلق اسم أحدهما على الآخر لأجل المماثلة والمشابهة . قال الحسن هم بين طبقتين من النار لا يدرون ما فوقهم أكثر مما تحتهم ، ونظير هذه الآية قوله تعالى : { يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم } وقوله تعالى : { لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش } .
ثم قال تعالى : { ذلك يخوف الله به عباده } أي ذلك الذي تقدم ذكره من وصف العذاب فقوله : { ذلك } مبتدأ وقوله : { يخوف الله به عباده } خبر ، وفي قوله : { يخوف الله به عباده } قولان الأول : التقدير ذلك العذاب المعد للكفار هو الذي يخوف الله به عباده أي المؤمنين ، لأنا بينا أن لفظ العباد في القرآن مختص بأهل الإيمان وإنما كان تخويفا للمؤمنين لأجل أنهم إذا سمعوا أن حال الكفار ما تقدم خافوا فأخلصوا في التوحيد والطاعة الوجه الثاني : أن هذا الكلام في تقدير جواب عن سؤال ، لأنه يقال إنه تعالى غني عن العالمين منزه عن الشهوة والانتقام وداعية الإيذاء ، فكيف يليق به أن يعذب هؤلاء المساكين إلى هذا الحد العظيم ، وأجيب عنه بأن المقصود منه تخويف الكفار والضلال عن الكفر والضلال ، فإذا كان التكليف لا يتم إلا بالتخويف والتخويف لا يكمل الانتفاع به إلا بإدخال ذلك الشيء في الوجود وجب إدخال ذلك النوع من العذاب في الوجود تحصيلا لذلك المطلوب الذي هو التكليف ، والوجه الأول عندي أقرب ، والدليل عليه أنه قال بعده : { يا عباد فاتقون } وقوله : { يا عباد } الأظهر منه أن المراد منه المؤمنون فكأنه قيل المقصود من شرح عذاب الكفار للمؤمنين تخويف المؤمنين في أيها المؤمنون بالغوا في الخوف والحذر والتقوى .
( لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل . ذلك يخوف الله به عباده . يا عباد فاتقون ) . .
وهو مشهد رعيب حقاً . مشهد النار في هيئة ظلل من فوقهم وظلل من تحتهم ، وهم في طيات هذه الظلل المعتمة تلفهم وتحتوي عليهم . وهي من النار !
إنه مشهد رعيب . يعرضه الله لعباده وهم بعد في الأرض يملكون أن ينأوا بأنفسهم عن طريقه . ويخوفهم مغبته لعلهم يجتنبونه :
( ذلك يخوف الله به عباده ) . .
ظلل : طبقات كثيرة من النار فوقهم كهيئة الظلل ، جمع ظلّة ، وأصلها : السحابة تظلّ ما تحتها .
ومن تحتهم ظلل : ومن تحتهم طبقات من النار ، والمراد أن النار محيطة بهم إحاطة تامة من جميع الجوانب .
16- { لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل ذلك يخوف الله به عباده يا عباد فاتقون } .
هؤلاء الخاسرون تمام الخسارة ، يعذّبون بين صفائح جهنم ، فالنار تظللهم من فوقهم ، تهكما بهم ، فالأصل أن الإنسان يتظلل بالمظلة والشجرة ، والسحابة الواقية من الحر وشدّته ، وهؤلاء تظلّهم طبقات جهنم من فوقهم ، وطبقات جهنم من تحتهم ، وسمَّى ما تحتهم ظللا ، مشاكلة من فوقهم ، أو لأن ما تحتهم من طبقات النار ، يظلل فئة أخرى تعذّب تحتهم ، فينظر الإنسان فوقه فلا يجد إلا النار ، وتحته فلا يجد إلا النار ، كما أن النار تحيط به عن يمينه وعن شماله ، وعن سائر الجهات التي حوله .
قال تعالى : { يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم ويقول ذوقوا ما كنتم تعملون } . ( العنكبوت : 55 ) .
وقال تعالى : { لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش وكذلك نجزي الظالمين } . ( الأعراف : 41 )
{ ذلك يخوف الله به عباده يا عباد فاتقون } .
أي : ذلك العذاب الشديد الذي ذكره الله عقوبة للخاسرين الكافرين ، مما يحذّر الله به عباده ، ويخوّفهم من هذه النهاية البائسة ، ويضع أمامهم هذا المنظر الرهيب ، منظر إنسان قد خسر نفسه ، وخسر أهله ، وهو يعذّب بين طبقات النار ، ولا يجد وسيلة للهرب أو الفرار ، يا عباد – أي يا كل عبادي – خافوا عذابي واتقوا غضبي ، وسيروا في طاعتي ، وابتعدوا عن الكفر والشرك ، والمراد بالفقرة الأخيرة : المؤمنون ، لأنهم هم المنتفعون بهذا التوجيه ، وعممه آخرون في المؤمن والكافر ، أي : يا كل من يتأتى منه العبودية لله ، اتقوا غضبي وعذابي ، وقيل : هو خاص بالكفار . ا ه .
والأولى أن يقال : إنه خطاب عام للناس كلِّ الناس ، وللعباد كل العباد بأن يتقوا الله ويراقبوه .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.