مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{قُلۡ أَرَءَيۡتَكُمۡ إِنۡ أَتَىٰكُمۡ عَذَابُ ٱللَّهِ أَوۡ أَتَتۡكُمُ ٱلسَّاعَةُ أَغَيۡرَ ٱللَّهِ تَدۡعُونَ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ} (40)

قوله تعالى { قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون إن كنتم صادقين * بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء وتنسون ما تشركون }

اعلم أنه تعالى لما بين غاية جهل أولئك الكفار بين من حالهم أيضا أنهم إذا نزلت بهم بلية أو محنة يفزعون إلى الله تعالى ويلجأون إليه ولا يتمردون عن طاعته ، وفي الآية مسائل :

المسألة الأولى : قال الفراء للعرب في ( أرأيت ) لغتان : إحداهما : رؤية العين ، فإذا قلت للرجل رأيتك كان المراد : أهل رأيت نفسك ؟ ثم يثنى ويجمع . فنقول : أرأيتكما أرأيتكم ، والمعنى الثاني : أن تقول أرأيتك ، وتريد : أخبرني ، وإذا أردت هذا المعنى تركت التاء مفتوحة على كل حال تقول : أرأيتك أرأيتكما أرأيتكم أرأيتكن .

إذا عرفت هذا فنقول : مذهب البصريين : أن الضمير الثاني وهو الكاف في قولك : أرأيتك لا محل له من الإعراب ، والدليل قوله تعالى : { قال أرءيتك هذا الذي كرمت علي } ويقال أيضا : أرأيتك زيدا ما شأنه ، ولو جعلت الكاف محلا لكنت كأنك تقول : أرأيت نفسك زيدا ما شأنه ، وذلك كلام فاسد ، فثبت أن الكاف لا محل له من الإعراب ، بل هو حرف لأجل الخطاب ، وقال الفراء : لو كانت الكاف توكيدا لوقعت التثنية والجمع على التاء ، كما يقعان عليها عند عدم الكاف ، فلما فتحت التاء في خطاب الجمع ، ووقعت علامة الجمع على الكاف ، دل ذلك على أن الكاف غير مذكور للتوكيد . ألا ترى أن الكاف لو سقطت لم يصلح أن يقال لجماعة : أرأيت ، فثبت بهذا انصراف الفعل إلى الكاف ، وأنها واجبة لازمة مفتقر إليها .

أجاب الواحدي عنه : بأن هذه الحجة تبطل بكاف ذلك وأولئك ، فإن علامة الجمع تقع عليها مع أنها حرف للخطاب ، مجرد عن الاسمية ، والله أعلم .

المسألة الثانية : قرأ نافع { أرأيتكم . وأرأيت . وأفرأيت . وأرأيتك . وأفرأيتك } وأشباه ذلك بتخفيف الهمزة في كل القرآن ، والكسائي ترك الهمزة في كل القرآن ، والباقون بالهمزة . أما تخفيف الهمزة ، فالمراد جعلها بين الهمزة والألف على التخفيف القياسي . وأما مذهب الكسائي فحسن ، وبه قرأ عيسى بن عمر وهو كثير في الشعر ، وقد تكلمت العرب في مثله بحذف الهمزة للتخفيف كما قالوا : وسله ، وكما أنشد أحمد بن يحيى :

وإن لم أقاتل فالبسوني برقعا *** . . .

بحذف الهمزة . أراد فألبسوني بإثبات الهمزة . وأما الذين قرأوا بتخفيف الهمزة فالسبب أن الهمزة عين الفعل والله أعلم .

المسألة الثالثة : معنى الآية أن الله تعالى قال لمحمد عليه السلام : قل يا محمد لهؤلاء الكفار إن أتاكم عذاب الله في الدنيا وأتاكم العذاب عند قيام الساعة ، أترجعون إلى غير الله في دفع ذلك البلاء والضر أو ترجعون فيه إلى الله تعالى ؟

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{قُلۡ أَرَءَيۡتَكُمۡ إِنۡ أَتَىٰكُمۡ عَذَابُ ٱللَّهِ أَوۡ أَتَتۡكُمُ ٱلسَّاعَةُ أَغَيۡرَ ٱللَّهِ تَدۡعُونَ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ} (40)

40

( قل : أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة ، أغير الله تدعون - إن كنتم صادقين - بل إياه تدعون ، فيكشف ما تدعون إليه - إن شاء - وتنسون ما تشركون ) . .

هذا طرف من وسائل المنهج الرباني في خطاب الفطرة الإنسانية بهذه العقيدة يضم إلى ذلك الطرف الذي سبق بيانه في الفقرة السابقة وفيما قبلها وما بعدها كذلك في سياق السورة .

لقد خاطبها هناك بما في عوالم الأحياء من آثار التدبير الإلهي والتنظيم ؛ وبما في علم الله من إحاطة وشمول . وهو هنا يخاطبها ببأس الله ؛ وبموقف الفطرة إزاءه حين يواجهها في صورة من صورة الهائلة ، التي تهز القلوب ، فيتساقط عنها ركام الشرك ؛ وتتعرى فطرتها من هذا الركام الذي يحجب عنها ما هو مستقر في أعماقها من معرفتها بربها ، ومن توحيدها له أيضا :

( قل : أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة . . أغير الله تدعون . . إن كنتم صادقين ) . .

إنها مواجهة الفطرة بتصور الهول . . عذاب الله في الدنيا عذاب الهلاك والدمار ؛ أو مجيء الساعة على غير انتظار . . والفطرة حين تلمس هذه اللمسة ؛ وتتصور هذا الهول ؛ تدرك - ويعلم الله سبحانه أنها تدرك - حقيقة هذا التصور ، وتهتز له ؛ لأنه يمثل حقيقة كامنة فيها ، يعلم بارئها سبحانه أنها كامنة فيها ويخاطبها بها على سبيل التصور ؛ فتهتز لها وترتجف وتتعرى !

وهو يسألهم ويطلب إليهم الجواب بالصدق من ألسنتهم ؛ ليكون تعبيرا عن الصدق في فطرتهم :

( أغير الله تدعون . . إن كنتم صادقين ) .