قوله تعالى : { إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا وكذلك نجزي المفترين }
اعلم أن المقصود من هذه الآية شرح حال من عبد العجل .
واعلم أن المفعول الثاني من مفعولي –الاتخاذ- محذوف ، والتقدير : اتخذوا العجل إلها ومعبودا ويدل على هذا المحذوف قوله تعالى : { فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار فقالوا هذا إلهكم وإله موسى } وللمفسرين في هذه الآية طريقان : الأول : أن المراد بالذين اتخذوا العجل هم الذين باشروا عبادة العجل ، وهم الذين قال فيهم : { سينالهم غضب من ربهم } وعلى هذا التقدير ففيه سؤال ، وهو أن أولئك الأقوام تاب الله عليهم بسبب أنهم قتلوا أنفسهم في معرض التوبة عن ذلك الذنب ، وإذا تاب الله عليهم فكيف يمكن أن يقال في حقهم أنه { سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا } .
والجواب عنه : أن ذلك الغضب إنما حصل في الدنيا لا في الآخرة ، وتفسير ذلك الغضب هو أن الله تعالى أمرهم بقتل أنفسهم ، والمراد بقوله : { وذلة في الحياة الدنيا } هو أنهم قد ضلوا فذلوا .
فإن قالوا : السين في قوله : { سينالهم } للاستقبال ، فكيف يحمل هذا على حكم الدنيا ؟
قلنا : هذا الكلام حكاية عما أخبر الله تعالى به موسى عليه السلام حين أخبره بافتتان قومه واتخاذهم العجل ، فأخبره في ذلك الوقت أنه سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا ، فكان هذا الكلام سابقا على وقوعهم في القتل وفي الذلة ، فصح هذا التأويل من هذا الاعتبار .
والطريق الثاني : أن المراد بالذين اتخذوا العجل أبناؤهم الذين كانوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ، وعلى هذا التقدير : ففي الآية وجهان :
الوجه الأول : أن العرب تعير الأبناء بقبائح أفعال الآباء كما تفعل ذلك في المناقب يقولون للأبناء : فعلتم كذا وكذا ، وإنما فعل ذلك من مضى من آبائهم ، فكذا ههنا وصف اليهود الذين كانوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم باتخاذ العجل ، وإن كان آباؤهم فعلوا ذلك ، ثم حكم عليهم بأنه { سينالهم غضب من ربهم } في الآخرة { وذلة في الحياة الدنيا } كما قال تعالى في صفتهم : { ضربت عليهم الذلة والمسكنة } .
والوجه الثاني : أن يكون التقدير { إن الذين اتخذوا العجل } أي الذين باشروا ذلك { سينالهم غضب } أي سينال أولادهم ، ثم حذف المضاف بدلالة الكلام عليه .
أما قوله تعالى : { وكذلك نجزي المفترين } فالمعنى أن كل مفتر في دين الله فجزاؤه غضب الله والذلة في الدنيا ، قال مالك بن أنس : ما من مبتدع إلا ويجد فوق رأسه ذلة ، ثم قرأ هذه الآية ، وذلك لأن المبتدع مفتر في دين الله .
{ إن الَّذِينَ اتَّخَذُواْ الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ ( 152 ) وَالَّذِينَ عَمِلُواْ السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِهَا وَآمَنُواْ إن رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ( 153 ) وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ ( 154 ) }
غضب من ربهم : المراد بغضب ربهم : عذاب الآخرة .
وذلة في الحياة الدنيا : أي : وتشريد في الأرض وإخراج من الديار ، بحيث لا تكون لهم عزة كعزة أصحاب الوطن .
المفترين : أي : المختلفين أشنع الكذب على الله تعالى .
{ 152 - إن الَّذِينَ اتَّخَذُواْ الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا . . . } الآية .
تأتي هذه الآية ، والآية التالية ، بمثابة الجملة المعترضة ؛ لتبين عقوبة المفترين ، وجزاء توبة التائبين .
والمعنى : أن الذين اتخذوا العجل إلها ، وعبدوه من دون الله تعالى ؛ سينالهم غضب من الله عليهم ، وعقوبة في الآخرة وذلة ومسكنة وهوان في الحياة الدنيا ، أو غضب من الله وذلة ومسكنة لهم في الدنيا والآخرة .
وقد ورد هذا المعنى في سورة البقرة وغيرها .
وتفيد آيات القرآن أن الله غضب على اليهود لتحريفهم التوراة ، وإدخالهم فيما ما ليس منها ، وعدوانهم في السبت ، ودعواهم أنهم أبناء الله وأحباؤه وأكلهم الربا بعد أن نهاهم الله عنه ، وأكلهم أموال الناس بالباطل .
كما تفيد آيات القرآن أن الله لعنهم وسلط عليهم من ينتقم منهم ، وسيتكرر ذلك إلى يوم القيامة .
كما تفيد الأحاديث النبوية الصحيحة أن المسلمين سيقاتلون اليهود وينتصرون عليهم قبل قيام الساعة .
ومثل ذلك العذاب الانتقام يصيب كل مفتر وينال كل ظالم ، في كل زمان ومكان .
قال ابن عباس : كذلك أعاقب من اتخذ إلها دوني .
وقال مالك ابن أنس : ما من مبتدع إلا وهو يجد فوق رأسه ذلة وقرأ هذه الآية .
الغضب : هنا ، هو ما أمروا به من قتل أنفسهم .
بعد أن ذكرت الآيات عتاب موسى لأخيه هارون ، ثم استغفاره لنفسه ولأخيه ، استطردتْ تذكر ما استحقه بنو إسرائيل من الجزاء على اتخاذ العجل .
إن الذين اتخذوا العجل إلهاً واستمروا على ذلك ، كالسامريّ وأتباعه ، سيواجهون غضبا عظيما من ربهم في الدنيا ، فلن يقبل الله توبتهم إلا إذا قتلوا أنفسهم ، وستنزل بهم مذلّة ومهانة شديدة .
{ وَكَذَلِكَ نَجْزِي المفترين } .
بمثل هذا الجزاء في الدنيا نجزي كل من اختلق الكذب على الله وعبَدَ غيره .
{ إِنَّ الذين اتخذوا العجل } أي بقوا على اتخاذه واستمروا عليه كالسامري وأشياعه كما يفصح عنه كون الموصول الثاني عبارة عن التائبين فإن ذلك صريح في أن الموصول الأول عبارة عن المصرين { سَيَنَالُهُمْ } أي سيلحقهم ويصيبهم في الآخرة جزاء ذلك { غَضَبَ } عظيم لا يقادر قدره مستتبع لفنون العقوبات لعظم جريمتهم وقبح جريرتهم { مّن رَّبّهِمُ } أي مالكهم ، والجار والمجرور متعلق بينالهم ، أو بمحذوف وقع نعتاً لغضب مؤكداً لما أفاده التنوين من الفخامة الذاتية بالفخامة الإضافية أي كائن من ربهم { وَذِلَّةٌ } عظيمة { وَقَالَ إِنَّمَا اتخذتم } وهي على ما أقول : الذلة التي عرتهم عند تحريق إلههم ونسفه في أليم نسفاً مع عدم القدرة على دفع ذلك عنه ، وقيل : هي ذلة الاغتراب التي تضرب بها الأمثال والمسكنة المنتظمة لهم ولأولادهم جميعاً ، والذلة التي اختص بها السامري من الانفراد عن الناس والابتلاء بلا مساس ، وروي أن بقاياهم اليوم يقولون ذلك وإذا مس أحدهم أحد غيرهم حمجميعاً في الوقت ، ولعل ما ذكرناه أولى والرواية لم نر لها أثراً ، وإيراد ما نالهم بالسين للتغليب ، وقيل : وإليه يشير كلام أبي العالية المراد بهم التائبون ، وبالغضب ما أمروا به من قتل أنفسهم ، وبالذلة إسلامهم أنفسهم لذلك واعترافهم بالضلال ، واعتذر عن السين بأن ذلك حكاية عما أخبر الله تعالى به موسى عليه السلام حين أخبره بافتتان قومه واتخاذهم العجل فإنه قال له : { سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ } الخ فيكون سابقاً على الغضب ، وجعل الكلام جواب سؤال مقدر وذلك أنه تعالى لما بين أن القوم ندموا على عبادتهم العجل بقوله سبحانه : { وَلَمَّا سُقِطَ فَى أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْاْ أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّواْ } [ الأعراف : 149 ] والندم توبة ولذلك عقبوه بقولهم : { لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا } [ الأعراف : 149 ] وذكر عتاب موسى لأخيه عليهما السلام ثم استغفاره اتجه لسائل أن يقول : يا رب إلى ماذا يصير أمر القوم وتوبتهم واستغفار نبي الله تعالى وهل قبل الله تعالى توبتهم ؟ فأجاب { إِنَّ الذين اتخذوا العجل سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ } أي نقم قبل توبة موسى وأخيه وغفر لهما خاصة وكان من تمام توبة القوم أن الله سبحانه أمرهم بقتل أنفسهم فسلموها للقتل ، فوضع الذين اتخذوا العجل موضع القوم إشعاراً بالعلية . وتعقب بأن سياق النظم الكريم وكذا سباقه ناب عن ذلك نبواً ظاهراً كيف لا وقوله تعالى : { وكذلك نَجْزِى المفترين } ينادي على خلافه فإنهم شهداء تائبون فكيف يمكن وصفهم بعد ذلك بالافتراء وأيضاً ليس يجزي الله تعالى كل المفترين بهذا الجزاء الذي ظاهره قهر وباطنه لطف ورحمة إلا أن يقال : يكفي في صحة التشبيه وجود وجه الشبه في الجملة ولا بد من التزام ذلك على الوجه الذي ذكرناه أيضاً ؛ وما ذكر في تحرير السؤال والجواب مما تمجه أسماع ذوي الألباب .
وقال عطية العوفي : المراد سينال أولاد الذين عبدوا العجل وهم الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأريد بالغضب والذلة ما أصاب بني النضير وقريظة من القتل والجلاء ، أو ما أصابهم من ذلك ومن ضرب الجزية عليهم ، وفي الكلام على هذا حذف مضاف وهو الأولاد ، ويحتمل أن لا يكون هناك وهو من تعيير الأبناء بما فعل الآباء ، ومثله في القرآن كثير . وقيل : المراد بالموصول المتخذون حقيقة وبالضمير في ينالهم أخلافهم وبالغضب الغضب الأخروي وبالذلة الجزية التي وضعها الإسلام عليهم أو الأعم منها ليشمل ما ضربه بختنصر عليهم . وتعقب ذلك أيضاً بأنه لا ريب في أن توسيط حال هؤلاء في تضاعيف بيان حال المتخذين من قبيل الفصل بين الشجر ولحائه ، والمراد بالمفترين المفترون على الله تعالى ، وافتراء أولئك عليه سبحانه قول السامري في العجل { هذا إلهكم وإله موسى } [ طه : 88 ] ورضاهم به ولا أعظم من هذه الفرية ولعله لم يفتر مثلها أحد قبلهم ولا بعدهم . وعن سفيان بن عيينة أنه قال : كل صاحب بدعة ذليل وتلا هذه الآية .
( هذا ومن باب الإشارة ) :{ إِنَّ الذين اتخذوا العجل } أي عجل الدنيا إلهاً { سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مّن رَّبّهِمْ } وهو عذاب الحجاب وذلة في الحياة الدنيا باستعباد هذا الفاني المدني لهم { وكذلك نَجْزِى المفترين } [ الأعراف : 152 ] الذين يفترون على الله تعالى فيثبتون وجوداً لما سواه .