مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَإِنۡ عَزَمُواْ ٱلطَّلَٰقَ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ} (227)

أما قوله تعالى : { وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم } فاعلم أن العزم عقد القلب على الشيء يقال عزم على الشيء يعزم عزما وعزيمة ، وعزمت عليك لتفعلن ، أي أقسمت ، والطلاق مصدر طلقت المرأة أطلق طلاقا ، وقال الليث : طلقت بضم اللام ، وقال ابن الأعرابي : طلقت بضم اللام من الطلاق أجود ، ومعنى الطلاق هو حل عقد النكاح بما يكون حلالا في الشرع ، وأصله من الإنطلاق ، وهو الذهاب ، فالطلاق عبارة عن انطلاق المرأة ، فهذا ما يتعلق بتفسير لفظ الآية .

أما الأحكام فكثيرة ونذكر هاهنا بعض ما دلت الآية عليه في مسائل :

المسألة الأولى : كل زوج يتصور منه الوقاع ، وكان تصرفه معتبرا في الشرع ، فإنه يصح منه الإيلاء ، وهذا القيد معتبر طردا وعكسا . أما الطرد فهو أن كل من كان كذلك صح إيلاؤه ، ويتفرع عليه أحكام الأول : يصح إيلاء الذمي ، وهو قول أبي حنيفة رضي الله عنه ، وقال أبو يوسف ومحمد : لا يصح إيلاؤه بالله تعالى ويصح بالطلاق والعتاق لنا قوله تعالى : { للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر } وهذا العموم يتناول الكافر والمسلم .

الحكم الثاني : قال الشافعي رضي الله عنه : مدة الإيلاء لا تختلف بالرق والحرية فهي أربعة أشهر سواء كان الزوجان حرين أو رقيقين ، أو أحدهما كان حرا والآخر رقيقا ، وعند أبي حنيفة ومالك رضي الله عنهما تتنصف بالرق ، إلا أن عند أبي حنيفة تتصف برق المرأة ، وعند مالك برق الرجل ، كما قالا في الطلاق لنا إن ظاهر قوله تعالى : { للذين يؤلون من نسائهم } يتناول الكل ، والتخصيص خلاف الظاهر ، لأن تقدير هذه المدة إنما كان لأجل معنى يرجع إلى الجبلة والطبع ، وهو قلة الصبر على مفارقة الزوج ، فيستوي فيه الحر والرقيق ، كالحيض ، ومدة الرضاع ومدة العنة .

الحكم الثالث : يصح الإيلاء في حال الرضا والغضب ، وقال مالك : لا يصح إلا في حال الغضب لنا ظاهر هذه الآية .

الحكم الرابع : يصح الإيلاء من المرأة سواء كانت في صلب النكاح ، أو كانت مطلقة طلقة رجعية ، بدليل أن الرجعية يصدق عليها أنها من نسائه ، بدليل أنه لو قال : نسائي طوالق ، وقع الطلاق عليها ، وإذا ثبت أنها من نسائه دخلت تحت الآية لظاهر قوله : { للذين يؤلون من نسائهم } .

أما عكس هذه القضية . وهو أن من لا يتصور منه الوقاع لا يصح إيلاؤه ، ففيه حكمان :

الحكم الأول : إيلاء الخصي صحيح ، لأنه يجامع كما يجامع الفحل ، إنما المفقود في حقه إلا يزال وذلك لا أثر له : ولأنه داخل تحت عموم الآية .

الحكم الثاني : المجبوب إن بقي منه ما يمكنه أن يجامع به صح إيلاؤه وإن لم يبق ففيه قولان أحدهما : أنه لا يصح إيلاؤه وهو قول أبي حنيفة رضي الله عنه والثاني : أنه يصح لعموم هذه الآية ، لأن قصد المضارة باليمين قد حصل منه .

القيد الثاني : أن يكون زوجا ، فلو قال لأجنبية : والله لا أجامعك ثم نكحها لم يكن مؤليا لأن قوله تعالى : { للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر } يفيد أن هذا الحكم لهم لا لغيرهم ، كقوله : { لكم دينكم ولى دين } أي لكم لا لغيركم .

المسألة الثانية : المحلوف به والحلف إما أن يكون بالله أو بغيره ، فإن كان بالله كان موليا ، ثم إن جامعها في مدة الإيلاء خرج عن الإيلاء ، وهل تجب كفارة اليمين فيه قولان : الجديد وهو الأصح ، وقول أبي حنيفة رضي الله عنه أنه تجب كفارة اليمين ، والقديم أنه إذا فاء بعد مضي المدة أو في خلال المدة فلا كفارة عليه ، حجة القول : والله لا أقربك ثم يقربها ، وبين أن يقول : والله لا أكلمك ثم يكلمها وحجة القول القديم قوله تعالى : { فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم } والاستدلال به من وجهين أحدهما : أن الكفارة لو كانت واجبة لذكرها الله ههنا ، لأن الحاجة ههنا داعية إلى معرفتها ، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز والثاني : أنه تعالى كما لم يذكر وجوب الكفارة نبه على سقوطها بقوله : { فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم } والغفران يوجب ترك المؤاخذة وللأولين أن يجيبوا فيقولوا : إنما ترك الكفارة ههنا لأنه تعالى بينها في القرآن وعلى لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم في سائر المواضع .

أما قوله : { غفور رحيم } فهو يدل على عدم العقاب ، لكن عدم العقاب لا ينافي وجوب الفعل ، كما أن التائب عن الزنا والقتل لا عقاب عليه ، ومع ذلك يجب عليه الحد والقصاص ، وأما إن كان الحلف في الإيلاء بغير الله كما إذا قال : إن وطئتك فعبدي حر ، أو أنت طالق ، أو ضرتك طالق ، أو ألزم أمرا في الذمة ، فقال : إن وطئتك فلله علي عتق رقبة ، أو صدقة ، أو صوم ، أو حج ، أو صلاة ، فهل يكون موليا للشافعي رضي الله عنه فيه قولان : قال في القديم : لا يكون موليا ، وبه قال أحمد في ظاهر الرواية دليله أن الإيلاء معهود في الجاهلية ، ثم قد ثبت أن معهود الجاهلية في هذا الباب هو الحلف بالله ، وأيضا روي أنه صلى الله عليه وسلم قال : من حلف فليحلف بالله ، فمطلق الحلف يفهم منه الحلف بالله ، وقال في الجديد ، وهو قول أبي حنيفة ومالك وجماعة العلماء رحمهم الله أنه يكون موليا لأن لفظ الإيلاء يتناول الكل ، وعلق القولين فيمينه منعقدة فإن كان قد علق به عتقا أو طلاقا ، فإذا وطئها يقع ذلك المتعلق ، وإن كان المعلق به التزام قربة في الذمة فعليه ما في نذر اللجاج ، وفيه أقوال أحثها : أن عليه كفارة اليمين والثاني : عليه الوفاء بما سمى ، والثالث : أنه يتخير بين كفارة اليمين وبين الوفاء بما سمى ، وفائدة هذين القولين أنا إن قلنا إنه يكون موليا فبعد مضي أربعة أشهر يضيق الأمر عليه حتى يفيء أو يطلق وإن قلنا : لا يكون موليا لا يضيق عليه الأمر .

المسألة الثالثة : اختلفوا في مقدار مدة الإيلاء على أقوال فالأول : قول ابن عباس أنه لا يكون موليا حتى يحلف على أن لا يطأها أبدا والثاني : قول الحسن البصري وإسحق : إن أي مدة حلف عليها كان موليا وإن كانت يوما ، وهذان المذهبان في غاية التباعد والثالث : قول أبي حنيفة والثوري أنه لا يكون موليا حتى يحلف على أنه لا يطأها أربعة أشهر أو فيما زاد والرابع : قول الشافعي وأحمد ومالك رضي الله عنهم : إنه لا يكون مواليا حتى تزيد المدة على أربعة أشهر وفائدة الخلاف بين أبي حنيفة والشافعي رضي الله عنهما أنه إذا آلى منها أكثر من أربعة أشهر أجل أربعة ، وهذه المدة تكون حقا للزوج ، فإذا مضت تطالب المرأة الزوج بالفيئة أو بالطلاق ، فإن امتنع الزوج منهما طلقها الحاكم عليه ، وعن أبي حنيفة : إذا مضت أربعة أشهر يقع الطلاق بنفسه ، حجة الشافعي من وجوه :

الحجة الأولى : أن الفاء في قوله : { فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم ، وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم } تقتضي كون هذين الحكمين مشروعين متراخيا عن انقضاء الأربعة أشهر .

فإن قيل : ما ذكرتموه ممنوع لأن قوله : { فإن فاؤا ، وإن عزموا الطلاق } تفصيل لقوله : { الذين يؤلون من نسائهم } والتفصيل يعقب المفصل ، كما تقول : أنا أنزل عندكم هذا الشهر فإن أكرمتموني بقيت معكم وإلا ترحلت عنكم .

قلنا : هذا ضعيف لأن قوله : { للذين يؤلون من نسائهم تربص } هذه المدة يدل على الأمرين والفاء في قوله : { فان فاءوا } ورد عقيب ذكرهما ، فيكون هذا الحكم مشروعا عقيب الإيلاء ، وعقيب حصول التربص في هذه المدة بخلاف المثال الذي ذكره وهو قوله : أنا أنزل عندكم فإن أكرمتموني بقيت وإلا ترحلت ، لأن هناك الفاء متأخرة عن ذلك النزول ، أما ههنا فالفاء مذكورة عقيب ذكر الإيلاء وذكر التربص ، فلا بد وأن يكون ما دخل الفاء عليه واقعا عقيب هذين الأمرين ، وهذا كلام ظاهر .

الحجة الثانية : للشافعي رضي الله عنه أن قوله : { وإن عزموا الطلاق } صريح في أن وقوع الطلاق إنما يكون بإيقاع الزوج ، وعلى قول أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه يقع الطلاق بمضي المدة لا بإيقاع الزوج .

فإن قيل : الإيلاء الطلاق في نفسه . فالمراد من قوله : { وإن عزموا الطلاق } الإيلاء المتقدم .

قلنا : هذا بعيد لأن قوله : { وإن عزموا الطلاق } لا بد وأن يكون معناه : وإن عزم الذين يؤلون الطلاق ، فجعل المؤلى عازما ، وهذا يقتضي أن يكون الإيلاء والعزم قد اجتمعا ، وأما الطلاق فهو متعلق العزم ، ومتعلق العزم متأخر عن العزم ، فإذا الطلاق متأخر عن العزم لا محالة ، والإيلاء إما أن يكون مقارنا للعزم أو متقدما ، وهذا يفيد القطع بأن الطلاق في هذه الآية مغاير لذلك الإيلاء وهذا كلام ظاهر .

الحجة الثالثة : أن قوله تعالى : { وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم } يقتضي أن يصدر من الزوج شيء يكون مسموعا ، وما ذاك إلا أن نقول تقدير الآية فإن عزموا الطلاق وطلقوا فإن الله سميع لكلامهم ، عليم بما في قلوبهم .

فإن قيل : لم لا يجوز أن يكون المراد إن الله سميع لذلك الإيلاء .

قلنا : هذا يبعد لأن هذا التهديد لم يحصل على نفس الإيلاء ، بل إنما حصل على شيء حصل بعد الإيلاء ، وهو كلام غيره حتى يكون { فإن الله سميع عليم } تهديدا عليه .

الحجة الرابعة : أن قوله تعالى : { فان فاءوا وإن عزموا } ظاهره التخيير بين الأمرين ، وذلك يقتضي أن يكون وقت ثبوتهما واحدا ، وعلى قول أبي حنيفة ليس الأمر كذلك .

الحجة الخامسة : أن الإيلاء في نفسه ليس بطلاق ، بل هو حلف على الامتناع من الجماع مدة مخصوصة إلا أن الشرع ضرب مقدارا معلوما من الزمان ، وذلك لأن الرجل قد يترك جماع المرأة مدة من الزمان لا بسبب المضارة ، وهذا إنما يكون إذا كان الزمان قصيرا ، فأما ترك الجماع زمانا طويلا فلا يكون إلا عند قصد المضارة ، ولما كان الطول والقصر في هذا الباب أمرا غير مضبوط ، بين تعالى حدا فاصلا بين القصير والطويل ، فعند حصول هذه تبين قصد المضارة ، وذلك لا يوجب ألبتة وقوع الطلاق ، بل اللائق بحكمة الشرع عند ظهور قصد المضارة أنه يؤمر إما بترك المضارة أو بتخليصها من قيد الإيلاء ، وهذا المعنى معتبر في الشرع كما قلنا في ضرب الأجل في مدة العنين وغيره حجة أبي حنيفة رضي الله عنه أن عبد الله بن مسعود قرأ ، فإن فاؤا فيهن .

والجواب الصحيح : أن القراءة الشاذة مردودة لأن كل ما كان قرآنا وجب أن يثبت بالتواتر فحيث لم يثبت بالتواتر قطعنا أنه ليس بقرآن وأولى الناس بهذا أبو حنيفة ، فإنه بهذا الحرف تمسك في أن التسمية ليست من القرآن ، وأيضا فقد بينا أن الآية مشتملة على أمور ثلاثة دلت على أن هذه الفيئة لا تكون في المدة ، فالقراءة الشاذة لما كانت مخالفة لها وجب القطع بفسادها .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَإِنۡ عَزَمُواْ ٱلطَّلَٰقَ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ} (227)

221

{ وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم }

المفردات :

عزموا الطلاق : صمموا عليه ، من العزم وهو عقد القلب على الشيء والتصميم عليه ويقال عزم على الشيء إذا عقد نيته عليه .

226

التفسير :

وإن استمروا على ترك مباشرة نسائهم وأصروا على ذلك بعد انقضائها فإن شرع الله تعالى يحكم بالتفريق بينهما لأن الحياة الزوجية لا تقوم على البغض والكراهية والهجران وإنما تقوم على المحبة والمودة والرحمة .

قال الفخر الرازي : " كان رجل في الجاهلية لا يريد المرأة ولا يحب أ يتزوجها غيره فيحلف ألا يقربها ، فكان يتركها بذلك لا أيما ولا ذات بعل ، والغرض منه مضارة المرأة ، ثم إن أهل الإسلام كانوا يفعلون ذلك أيضا فأنزل الله تعالى ، وأمهل الزوج حتى يتروى ويتأمل ، فإذا رأى المصلحة في ترك هذه المضارة فعلها ، وإن رأى المصلحة في المفارقة عن المرأة فارقها " .

تعقيبات

- الإيلاء شرعا أن يقول الرجل لزوجنه والله لا أقربك أربعة أشهر ، أو أربعة أشهر فصاعدا . أو لا أقربك على الإطلاق .

- جمهور العلماء على أن الطلاق لا يقع بانتهاء هذه المدة وإنما بانتهائها يأمره القاضي بالفيئة ، فإن تقبل أمر القاضي بالرضا أمهله مدة يمكنه الفيئة فيها وإن لم يتقبله بالرضا أمره بالطلاق فإن طلقها فبها وإلا فإن القاضي يطلقها عليه .

وقال الأحناف إن الطلاق يقع بمجرد انتهاء هذه المدة وهي الأربعة الأشهر ، والرجوع إنما يكون خلالها فلا زيادة فوقها ويكفي مراجعته لنفسه في تلم المدة ، وما دام لم يرجع إلى معاشرة امرأته خلالها فقد آثر فراقها ولا يصح أن نعطيه من الوقت بعدها .

- ظاهر أقوال الفقهاء أن الإيلاء فيه من اليمين ، وقالت المالكية إذا امتنع الرجل من الوطء قصد الإضرار من غير عذر ولم يحلف كان حكمه حكم المولى لأن الإيلاء لم يرد لعينه وإنما أريد لمعنى سوء المعاشرة والضرر وهذا حاصل إذا ضارها بدون يمين( 223 ) .

- يرى سيدنا عبد الله بن عباس والحسن البصري رضي الله عنهما أن هذا القانون ينطبق على الانفصال الناجم عن توتر العلاقات دون غيره . ولا ينطبق على الانفصال الذي يتم باتفاق الطرفين ورضاهما من أجل خير مشترك مع الاحتفاظ بعلاقات طيبة فيما بينهما .

وهناك فقهاء آخرون يرون أن قانون الإيلاء ينطبق على أية حالة من حالات الانفصال تتم بناء على حلف أو قسم بغض النظر عما إذا كانت العلاقات بين الزوجين تظل حسنة أم سيئة ، ومن ثم يجب ألا يزيد الانفصال عن الأربعة أشهر المحددة( 224 ) .

- حكمة التوقيت بأربعة أشهر أنها أقصى مدة تستطيع أن تحتملها المرأة .

روى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يطوف ليلة بالمدينة فسمع امرأة تنشد :

تطاول هذا الليل واسود جانبه *** وأرقني لا حبيب ألاعبه

ألاعبه طورا كان جبينه *** به قمر قد بدد الليل جانبه

فوالله لولا الله تخشى عواقبه *** لحرك من هذا السرير جوانبه

ولكنني أخشى رقيبا موكلا *** بأنفاسنا لا ينفع الدهر شاهده

مخافة ربى والحياء يكفني *** وإكرام بعلي أن تنال مراكبه

فلما كان من الغد استدعى عمر تلك المرأة قال لها : أين زوجك ؟ قالت : بعثت به إلى العراق ، فاستدعى عمر نساء فسألهن عن المرأة كم مقدار تصبر عن زوجها ؟ فقلن : شهرين ، ويقل صبرها في ثلاثة أشهر وينفد صبرها في أربعة أشهر ، فجعل عمر مدة غزو الرجل أربعة أشهر فإذا مضت أربعة أشهر استرد الغازين ووجه بقوم آخرين ، وهذا والله أعلم يقوي اختصاص مدة الإيلاء بأربعة أشهر( 225 ) .

قال القرطبي : واختلفوا أن من حلف ألا يطأ امرأته أكثر من أربعة أشهر ولم تطالبه امرأته ولا رفعته إلى السلطان ليوقفه( 226 ) ، لم يلزمه شيء عند مالك وأصحابه و أكثر أهل المدينة ، ومن علمائنا من يقول : يلزمه بانقضاء الأربعة الأشهر طلقة رجعية ، ومنهم ومن غيرهم من يقول : يلزمه طلقة بائنة بانقضاء الأربعة أشهر . والصحيح ما ذهب إليه مالك وأصحابه ، وذلك أن المولى لا يلزمه طلاق حتى يوقفه السلطان بمطالبة زوجته له ليفئ فيراجع امرأته بالوطء ويكفر يمينه أو يطلق ، ولا يتركه حتى يفئ أو يطلق ، والفئ : الجماع فيمن يمكن مجامعتها .

قال سليمان بن يسار : كان تسعة رجال من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يوقفون في الإيلاء ، قال مالك : وذلك الأمر عندنا ، وبه قال الليث والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور ، واختاره ابن المنذر( 227 ) .

* * *