غرائب القرآن ورغائب الفرقان للحسن بن محمد النيسابوري - النيسابوري- الحسن بن محمد  
{وَإِنۡ عَزَمُواْ ٱلطَّلَٰقَ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ} (227)

222

الحكم العاشر : { للذين يُؤلون من نسائهم } يقال في اللغة : آلى يؤلي إيلاء وأئتلى ائتلاء وتألى تألياً . والإلية والقسم واليمين والحلف كلها واحد . وفي الحديث القدسي " آليت أن أفعل " خلاف المقدرين والإيلاء في الشرع هو الحلف على الامتناع من وطء لزوجة مطلقاً أو مدة تزيد على أربعة أشهر . وكان الإيلاء طلاقاً في الجاهلية فغيّر الشرع حكمه . قال سعيد بن المسيب . كان الرجل لا يريد المرأة ولا يحب أن يتزوجها غيره ، فيحلف أن لا يقربها وكان يتركها بذلك لا أيماً ولا ذات بعل ، والغرض منه مضارة المرأة . ثم إن أهل الإسلام كانوا يفعلون ذلك أيضاً فأزال الله تعالى ذلك وأمهل الزوج مدة حتى يتروى ويتأمل . فإن رأى المصلحة في ترك هذه المضارة فعلها ، وإن رأى المصلحة في المفارقة عن المرأة فارقها . ثم المتعارف أن يقال : آليت على كذا وإنما عدي ههنا بمن لأنه أريد لهم من نسائهم تربص أربعة أشهر كما يقال : " لي منك كذا " أو ضمن في هذا القسم المصوص معنى البعد فكأنه قيل : يبعدون من نسائهم أو يعتزلون مولين أو مقسمين . والتربص التلبث والانتظار وإضافته إلى أربعة أشهر إضافة المصدر إلى الظرف كقوله " بينهما يوم " أي مسيرة في يوم { فإن فاءوا } فإن رجعوا عما حلفوا عليه من ترك جماعها { فإن الله غفور رحيم } يغفر للمولين ما عسى يقدمون عليه من طلب الضرار بالإيلاء وهو الغالب ، وإن كان من الجائز كونه على رضا منهن إشفاقاً منهن على الولد من القتل أو لغير ذلك من الأسباب .

{ وإن عزموا الطلاق } بان عقدوا القلب على حل رابطة النكاح { فإن الله سميع عليم } وعيد على إصرارهم وتركهم الفيئة التي هي مثل التوبة . واعلم أن الإيلاء له أركان أربعة . الحالف والمحلوف به والمحلوف عليه ومدة هي ظرف المحلوف عليه .

الركن الأول : الحالف وهو كل زوج يتصور منه الوقاع وكان تصرفه معتبراً في الشرع ، فيصح إيلاء الذمي لعموم قوله { للذين يؤلون } وبه قال أبو حنيفة . وقال أبو يوسف ومحمد : لا يصح إيلاؤه بالله تعالى ويصح بالطلاق والعتاق ، وأيضاً لا فرق عندنا بين الحر والرقيق في الحد . وعند أبي حنيفة يتنصف برق المرأة ، وعند مالك برق الرجل كما قالا في الطلاق لنا أن التخصيص خلاف الظاهر ، ولأن تقدير هذه المدة إن كان لأجل معنى يرجع إلى الجبلة والطبع وهو قلة الصبر على مفارقة الزوج فيستوي فيه الحر والرقيق كالحيض ومدة الرضاع ومدة العنة . ويصح الإيلاء في حالتي الرضا و الغضب بعموم الآية . وقال مالك : لا يصح إلا في حال الغضب . وأيضاً يصح الإيلاء من المرأة سواء كانت في صلب النكاح أو كانت مطلقة طلقة رجعية ، لأن الرجعية يصدق عليه أنها من نسائه بدليل أنه لو قال : نسائي طوالق . وقع الطلاق عليها فتدخل تحت ظاهر قوله { يؤلون من نسائهم } ولهذا لو قال لأجنبية : والله لا أجامعك لم يكن مولياً . وإيلاء الخصي صحيح لأنه يجامع كما يجامع الفحل غير أنه لا ينزل . ومن جُبّ جميع ذكره لم يصح إيلاؤه على الأظهر لأنه لا يتحقق منه قصد الإيلاء لامتناع الأمر في نفسه . وكذا الأشل ومن بقي من ذكره بعد الجب ما دون قدر الحشفة . فإن آلى ثم جب فالأصح ثبوت الخيار لها فإن لم تفسخ بقي الإيلاء على الأظهر لأن العجز عارض وقد قصد الإضرار في الابتداء وإذا كانت المرأة رتقاء أو قرناء فالحكم كما في الجب ولا يصح إيلاء الصبي والمجنون بحال .

الركن الثاني : المحلوف به وهو إما الله تعالى وصفاته أو غيره . فإن حلف بالله كان مولياً ، ثم إن جامعها في مدة الإيلاء خرج عن الإيلاء . وهل يجب عليه كفارة اليمين ؟ الجديد وقول أبي حنيفة أنه يجب عليه كفارة اليمين ، لأن الدلائل الدالة على وجوب الكفارة عند الحنث باليمين عامة ، وأي فرق بين أو يقول : " والله لا أقربك " ثم يقربها وبين أن يقول : " والله لا أكلمك " ثم يكلمها . وإنما ترك ذكر الكفارة في الآية لأنها مبينة في سائر المواضع من القرآن وعلى لسان الرسول . وقوله تعالى { فإن الله غفور رحيم } يدل على عدم العقاب وأنه لا ينافي الكفارة كالتائب عن الزنا أو القتال لا عقاب عليه ، ومع ذلك يجب عليه الحد والقصاص . وأما إن كان الحلف في الإيلاء بغير الله كما إذا قال : إن وطئتك فللَّه علي عتق رقبة أو صدقة أو حج أو صوم أو صلاة . فهل يكون مولياً ؟ الجديد وهو قول أبي حنيفة ومالك وجماعة من العلماء أنه يكون مولياً لأن العتق والطلاق المعلقين بالوطء يحصلان لو وطئ فيكون ما يلزمه الوطء مانعاً له من الوطء ، ويكون هو بتعليقه بالوطء مضراً بها فيثبت لها المطالبة كما في اليمين بالله تعالى حتى يضيق الأمر عليه بعد مضي أربعة أشهر ليفيء أو يطلق . ولا يخفى أنه لو كان المعلق به إلزام قربة في الذمة فعليه ما في نذر اللجاج . وفيه أقوال أصحها أن عليه كفارة اليمين ، والثاني عليه الوفاء بما سمى ، والثالث التخيير بين كفارة اليمين وبين الوفاء .

الركن الثالث : المحلوف عليه وهو الجماع وهذا من صرائح ألفاظه ، وكذا النيك والوطء والإصابة ومن كناياتها المباضعة والملامسة والمباشرة فلا تعمل إلا بالنية .

الركن الرابع : المدة . فعن ابن عباس أنه لا يكون مولياً حتى يحلف أن لا يطأها أبداً ، وعن الحسن وإسحاق أنه مول وإن حلف يوماً . وهذان المذهبان في غاية البعد . وعن أبي حنيفة والثوري أنه لا يكون مولياً حتى يحلف على أن لا يطأها أربعة أشهر أو فيما زاد . وعن مالك وأحمد والشافعي أنه لا يكون مولياً حتى تزيد المدة على أربعة أشهر . فعند الشافعي إذا آلى منها أكثر من أربعة أشهر أجل لأربعة أشهر . وهذه المدة تكون حقاً للزوج فإذا مضت طالبت المرأة الزوج بالفيئة أو الطلاق ، فإن امتنع الزوج منهما طلقها الحاكم عليه . وعند أبي حنيفة إذا مضت أربعة أشهر يقع الطلاق بنفسه ، حجة الشافعي أن الفاء في قوله { فإن فاءوا } تقتضي كون ما بعدها من حكمي الفيئة والطلاق مشروعاً متراخياً عن انقضاء الأشهر الأربعة .

وأيضاً قوله { وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم } صريح في أن وقوع الطلاق وإنما يكون بإيقاع الزوج ، وفي أن الزوج لابد أن يصدر عنه شيء يكون مسموعاً وما ذاك إلا إيقاع الطلاق . أجاب أبو حنيفة بأن قوله { فإن فاءوا } تفصيل للحكم المتقدم كما تقول : " أنا نزيلكم هذا الشهر . فإن حمدتكم أقمت عندكم إلى آخره وإلا لم أقم وأتحول " وأيضاً الإيلاء طلاق في نفسه ، فالطلاق إشارة إليه . وأيضاً الغالب أن العازم للطلاق والضرار وترك الفيئة لا يخلو من مقاولة ودمدمة وحديث نفس ، فذلك الذي يسمعه الله كما يسمع وسوسة الشيطان . واستدل على صحة مذهبه في أن الفيئة لابد أن تقع في الأشهر بقراءة عبد الله بن مسعود فإن { فاءوا فيهن } ورد بأنها شاذة فلا معول عليها والرجوع إلى الحق أولى الله حسبي .

/خ227