ورابعها : قوله : { وهدوا إلى الطيب من القول } وفيه وجوه . أحدها : أن شهادة لا إله إلا الله هو الطيب من القول لقوله : { مثلا كلمة طيبة } وقوله : { إليه يصعد الكلم الطيب } وهو صراط الحميد لقوله : { وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم } ، وثانيها : قال السدي ( وهدوا إلى الطيب من القول ) هو القرآن . وثالثها : قال ابن عباس رضي الله عنهما في رواية عطاء هو قولهم الحمد لله الذي صدقنا وعده . ورابعها : أنهم إذا ساروا إلى الدار الآخرة هدوا إلى البشارات التي تأتيهم من قبل الله تعالى بدوام النعيم والسرور والسلام ، وهو معنى قوله : { والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار } وعندي فيه وجه خامس : وهو أن العلاقة البدنية جارية مجرى الحجاب للأرواح البشرية في الاتصال بعالم القدس فإذا فارقت أبدانها انكشف الغطاء ولاحت الأنوار الإلهية . وظهور تلك الأنوار هو المراد من قوله : { وهدوا إلى الطيب من القول وهدوا إلى صراط الحميد } والتعبير عنها هو المراد من قوله : { وهدوا إلى الطيب من القول } .
24 - وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ .
الطيب من القول : ما يقع في محاورة أهل الجنة بعضهم بعضا .
صراط الحميد : الصراط المحمود في آداب المعاشرة والاجتماع .
لقد وفق الله أهل الجنة إلى الكلام الحسن ، والرد الجميل ، وذكر الله وشكره ، وحمد آلائه ، كما هداهم إلى الصراط المستقيم الذي يوصلهم إلى الجنة .
وهناك رأيان في تفسير هذه الآية :
الأول : أن ذلك في الدنيا ؛ أي : هداهم الله إلى كلمة التوحيد في الدنيا ؛ وهي شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، وذكر الله وطاعته ، والكلام اللين الحسن ؛ كما هداهم إلى الإسلام والإيمان والطريق المحمود .
الثاني : أن ذلك في الآخرة ؛ وهذا هو الرأي الأرجح ، لأن السياق في الحديث عن أهل الجنة ، فهم يشكرون الله على ذهاب الحزن عنهم ، وعلى دخولهم الجنة ، وهم يذكرون الله حيث يلهمهم الله ذكره كما يلهمهم التنفس ، قال تعالى : وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ * الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ . ( فاطر : 34 ، 35 ) .
قال الشوكاني في تفسير فتح القدير :
أي : أرشدوا إليه ، قيل : هو لا إله إلا الله ، وقيل : القرآن ، وقيل : هو ما يأتيهم من الله من بشارات ، وقد ورد في القرآن ما يدل على هذا القول المجمل هنا ، وهو قوله سبحانه : وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ * وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاء فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ . ( الزمر : 73 ، 74 ) .
وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ لَقَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُواْ أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُواْ نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ . ( الأعراف : 42 – 44 ) .
وهذه الآيات تؤيد رأي من يرى أن أهل الجنة لهم عمل هو : الذكر ، والحمد لله ، والشكر لله ، ومناقشة أصحاب النار ، وهي أعمال كلها تناسب نعيم الجنة ، في استمرار الترقي والعبادة والشكر والذكر ؛ وهذه العبادة تصدر منهم كما يصدر التنفس أي : بدون تكلف أو إجهاد .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.