مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{ٱلَّذِينَ إِن مَّكَّنَّـٰهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَمَرُواْ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَنَهَوۡاْ عَنِ ٱلۡمُنكَرِۗ وَلِلَّهِ عَٰقِبَةُ ٱلۡأُمُورِ} (41)

ثم إنه سبحانه وتعالى وصف الذين أذن لهم في القتال في الآية الأولى فقال : { الذين إن مكناهم في الأرض } والمراد من هذا التمكن السلطنة ونفاذ القول على الخلق لأن المتبادر إلى الفهم من قوله : { مكناهم في الأرض } ليس إلا هذا ، ولأنا لو حملناه على أصل القدرة لكان كل العباد كذلك وحينئذ يبطل ترتب الأمور الأربعة المذكورة عليه في معرض الجزاء ، لأنه ليس كل من كان قادرا على الفعل أتى بهذه الأشياء . إذا ثبت هذا فنقول : المراد بذلك هم المهاجرون لأن قوله : { الذين إن مكناهم } صفة لمن تقدم وهو قوله : { الذين أخرجوا من ديارهم } والأنصار ما أخرجوا من ديارهم فيصير معنى الآية أن الله تعالى وصف المهاجرين بأنه إن مكنهم من الأرض وأعطاهم السلطنة ، فإنهم أتوا بالأمور الأربعة ، وهي إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، لكن قد ثبت أن الله تعالى مكن الأئمة الأربعة من الأرض وأعطاهم السلطنة عليها فوجب كونهم آتين بهذه الأمور الأربعة . وإذا كانوا آمرين بكل معروف وناهين عن كل منكر وجب أن يكونوا على الحق ، فمن هذا الوجه دلت هذه الآية على إمامة الأربعة . ولا يجوز حمل الآية على علي عليه السلام وحده لأن الآية دالة على الجمع ، وفي قوله : { ولله عاقبة الأمور } دلالة على أن الذي تقدم ذكره من سلطنتهم وملكهم كائن لا محالة . ثم إن الأمور ترجع إلى الله تعالى بالعاقبة فإنه سبحانه هو الذي لا يزول ملكه أبدا وهو أيضا يؤكد ما قلناه .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{ٱلَّذِينَ إِن مَّكَّنَّـٰهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَمَرُواْ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَنَهَوۡاْ عَنِ ٱلۡمُنكَرِۗ وَلِلَّهِ عَٰقِبَةُ ٱلۡأُمُورِ} (41)

38

41 - الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ .

ولله عاقبة الأمور : أي : له تعالى مرجعها تدبيرا وحكما .

تفيد الآيات 38 – 41 مشروعية الجهاد ، والإذن به من الله تعالى للدفاع عن الحرمات ، وإزالة طواغيت الكفر ، والحفاظ على الإيمان وأهله ، فإن من سنن الله أن يدفع ظلم الظالمين ، بجهاد المؤمنين ، ولولا ذلك لاشتد طغيان الكافرين وهدموا دور العبادة ومعابدها ، وقد تكفل الله بنصر المؤمنين ، وإكرام المجاهدين .

ثم تعدد الآية 41 من سورة الحج صفات هؤلاء المؤمنين الذين يستحقون نصر الله تعالى ، وهي :

1 – إقام الصلاة والمحافظة عليها بخشوعها وأركانها في أوقاتها .

2 – إيتاء الزكاة ، ومساعدة المحتاجين وتحقيق التكافل والتراحم .

3 – الأمر بالمعروف ، والحث على الخير والصلاح وطاعة الله تعالى .

4 – النهي عن المنكر ، والتحذير من الشر والفساد والمنكرات ومعصية الله .

وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ .

أي : له سبحانه ما تئول إليه أمور الناس من عز وذل ، وفقر وغنى ، وعلو وانحطاط ، قال تعالى : قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء وتذل مت تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير . ( آل عمران : 26 ) .

من تفسير مقاتل بن سليمان :

ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض .

يقول : لولا أن يدفع الله المشركين بالمسلمين لغلب المشركون فقتلوا المسلمين .

لهدمت . يقول : لخربت صوامع . الرهبان ، وبيع . النصارى ، وصلوات . اليهود ، ومساجد . المسلمين .

يذكر فيها اسم الله كثيرا : كل هؤلاء الملل يذكرون الله كثيرا في مساجدهم ، فدفع الله عز وجل بالمسلمين عن هذه الملل ، ولينصرن الله على عدوه من ينصره . من يوحده ، إن الله لقوي في نصر أوليائه عزيز . يعني : منيع في ملكه وسلطانه ، نظيرها في الحديد : وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره . . . ( الحديد : 25 ) . يعني من يوحده . ونظيرها في الأحزابxxx ، وهودxxxi .

الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ .

يعني : أرض المدينة ، وهم المؤمنون بعد القهر بمكة ، ثم أخبر عنهم فقال تعالى :

أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ .

يعني : التوحيد الذي يعرف ، ونهوا عن المنكر . الذي لا يعرف وهو الشرك .

وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ .

يعني : عاقبة أمر العباد إليه في الآخرةxxxii .

من تفسير القرطبي :

ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض .

أي : لولا ما شرعه الله تعالى ، للأنبياء والمؤمنين من قتال الأعداء ، لاستولى أهل الشرك ، وعطلوا ما بناه أهل الديانات ، من مواضع العبادات ، ولكنه دفع بأن أوجب الجهاد ، ليفرغ أهل الدين للعبادة ، فالجهاد أمر متقدم في الأمم ، وبه صلحت الشرائع ، واجتمعت المتعبدات ، فكأنه قال : أذن في القتال ، فليقاتل المؤمنون ، ثم قوى هذا الأمر في القتال بقوله :

ولولا دفع الله الناس . . .

أي : لولا الجهاد والقتال ، لتغلب أهل الباطل على أهل الحق في كل أمة .

خلاصة المعنى :

في ختام الآيات نرى أن الجهاد في الإسلام شرع للدفاع عن النفس ، وتمكين أصحاب الديانات جميعها من عبادة الله ، وتكليف المؤمنين بجهاد الكافرين ، لإحقاق الحق وإزهاق الباطل ، وتمكين الله للمؤمنين في الأرض ، حتى يقيموا الصلاة ، ويؤتوا الزكاة ، ثم هم ينصرون المعروف ، وينهون عن المنكر ، ويحقون الحق ويبطلون الباطل .