وقوله : { فرحين } إشارة إلى الفرح الحاصل بسبب ذلك التعظيم ، وأما الحكماء فإنهم قالوا : إذا أشرقت جواهر الأرواح القدسية بالأنوار الإلهية كانت مبتهجة من وجهين : أحدهما : أن تكون ذواتها منيرة مشرقة متلألئة بتلك الجلايا القدسية والمعارف الإلهية . والثاني : بكونها ناظرة إلى ينبوع النور ومصدر الرحمة والجلالة ، قالوا : وابتهاجها بهذا القسم الثاني أتم من ابتهاجها بالأول ، فقوله : { يرزقون } إشارة إلى الدرجة الأولى وقوله : { فرحين } إشارة إلى الدرجة الثانية ، ولهذا قال : { فرحين بما آتاهم الله من فضله } يعني أن فرحهم ليس بالرزق ، بل بإيتاء الرزق لأن المشغول بالرزق مشغول بنفسه ، والناظر إلى إيتاء الرزق مشغول بالرازق ، ومن طلب الحق لغيره فهو محجوب .
ثم قال تعالى : { ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون } .
واعلم أن قوله : { ألا خوف } في محل الخفض بدل من { الذين } والتقدير : ويستبشرون بأن لا خوف ولا حزن بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ، وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : الاستبشار السرور الحاصل بالبشارة ، وأصل الاستفعال طلب الفعل ، فالمستبشر بمنزلة من طلب السرور فوجده بالبشارة .
المسألة الثانية : اعلم أن الذين سلموا كون الشهداء أحياء قبل قيام القيامة ذكروا لهذه الآية تأويلات أخر .
أما الأول : فهو أن يقال : إن الشهداء يقول بعضهم لبعض : تركنا إخواننا فلانا وفلانا في صف المقاتلة مع الكفار فيقتلون إن شاء الله فيصيبون من الرزق والكرامة ما أصبنا ، فهو قوله : { ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم } .
وأما الثاني : فهو أن يقال : إن الشهداء إذا دخلوا الجنة بعد قيام القيامة يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله ، والمراد بقوله : { لم يلحقوا بهم من خلفهم } هم إخوانهم من المؤمنين الذين ليس لهم مثل درجة الشهداء ، يدخلون الجنة قبلهم ، دليله قوله تعالى : { وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما درجات منه ومغفرة ورحمة } فيفرحون بما يرون من مأوى المؤمنين والنعيم المعد لهم ، وبما يرجونه من الاجتماع بهم وتقر بذلك أعينهم ، هذا اختيار أبي مسلم الأصفهاني والزجاج .
واعلم أن التأويل الأول أقوى من الثاني ، وذلك لأن حاصل الثاني يرجع إلى استبشار بعض المؤمنين ببعض بسبب اجتماعهم في الجنة ، وهذا أمر عام في حق كل المؤمنين ، فلا معنى لتخصيص الشهداء بذلك ، وأيضا : فهم كما يستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ، فكذلك يستبشرون بمن تقدمهم في الدخول ، لأن منازل الأنبياء والصديقين فوق منازل الشهداء ، قال تعالى : { فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين } وعلى هذا التقدير لا يبقى فائدة في التخصيص . أما إذا فسرنا الآية بالوجه الأول ففي تخصيص المجاهدين بهذه الخاصية أعظم الفوائد فكان ذلك أولى والله أعلم .
المسألة الثالثة : الخوف يكون بسبب توقع المكروه النازل في المستقبل ، والحزن يكون بسبب فوات المنافع التي كانت موجودة في الماضي ، فبين سبحانه أنه لا خوف عليهم فيما سيأتيهم من أحوال القيامة ، ولا حزن لهم فيما فاتهم من نعيم الدنيا .
170- { فرحين بما آتاهم الله . . . }
يتألق السرور بالبشر من وجوههم بما أعطاهم الله بسبب فضله من المزايا ويفرحون بإخوانهم الذين تركوهم في الدنيا أحياء مقيمين على منهج الإيمان والجهاد وبأنه لا خوف عليهم من مكروه ولا هم يحزنون لفوات محبوب .
ويقول الأستاذ الدكتور محمد سيد طنطاوي :
( أي هؤلاء الشهداء فرحون بما آتاهم من فضله من شرف الشهادة ومن الفوز برضا الله ويسرون بما تبين لهم من حسن مآل إخوانهم الذين تركوهم من خلفهم على قيد الحياة لان الأحياء عندما يموتون شهداء مثلهم سينالون رضا الله وكرامته وسيظفرون بتلك الحياة الأبدية الكريمة كما ظفروا هم بها .
فالمراد بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم : رفقائهم الذين كانوا يجاهدون معهم في الدنيا ولم يظفروا بالشهادة بعد لانهم ما زالوا على قيد الحياة ) 136 .
والآيتان من أورع ما يتلى على الجهاد وبيان فضل الشهادة وبيان منزلة الشهداء وجلال ثوابهم وطيب مقامهم ورفعة منزلتهم وهي منزلة يتمناها المؤمن الصادق حياة الشهيد في جوار ربه يتمنى لان يعود إلى الدنيا ليقتل في سبيل الله مرة ومرة ومرة لما يرى من فضل الشهادة ، إن الشهيد قد قدم روحه وضحى بنفسه فكان له الجزاء الأوفى من جنس عمله وكان له حق على الله ان يحفظه من النار وان يدخله الجنة وان يسكنه في أعلى منازل الجنان .
جاءت ام حارثة على رسول الله صلى الله عليه وسلم تقول : يا ر سول الله إن حارثة قد قتل في الجهاد فأخبرني أهو في الجنة أم في النار ؟ فإن كان في الجنة صبرت وإن كان في النار بكيت فقال صلى الله عليه وسلم : اتق الله يا ام حارثة لأنها جنان وليست جنة وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى منها 137 .
وقد تمثل المؤمنون المعاني الكريمة لهذه الآيات والأحاديث فحملوا راية الجهاد في سبيل الله وكان العباد والزهاد والمنقطعون للعبادة في المساجد يرون ان لهم ثوابا عظيما وكانت هناك مساجلات أدبية بين المتعبدين في المساجد والمجاهدين في ميادين الحرب .
روى الحافظ ابن عساكر عن محمد بن إبراهيم بن أبي سكينة قال : أملي علي عبد الله بن مبارك هذه الأبيات بطرسوس وأرسلها إلى الفضيل بن عياض سنة 170ه .
يا عابد الحرمين لو أبصرتنا *** لعلمت انك في العبادة تلعب
من كان يخضب خده بدموعه *** فنحرونا بدمائنا تتخضب
أو كان يتعب خيله في باطل *** فخيولنا يوم الصبيحة تتعب
ريح العبير لكم ونحن عبيرنا *** وهج السنابك والغبار الاطيب
ولقد أتانا من مقال نبينا *** قول صحيح صادق لا يكذب
لا يستوي غبار خيل الله في *** أنف امرئ ودخان نار تلهب
هكذا كتاب الله ينطق بيننا *** ليس الشهيد بميت لا يكذب
فلما قرأ هذه الأبيات الفضيل بن عياض ذرفت عيناه في المسجد الحرام وقال : صدق أبو عبد الرحمن فقد صح في الحديث عن أبي هريرة ان رجلا قال : يا رسول الله علمني عملا أنال به ثواب المجاهدين في سبيل الله فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم " هل تستطيع ان تصلي فلا تفتر وتصوم فلا تفطر ؟ " فقال يا رسول الله أنا اضعف من ان أستطع ذلك ثم قال صلى الله عليه وسلم : " فوالذي نفسي بيده لو طوقت ذلك ما بلغت المجاهدين في سبيل الله " رواه البخاري 138 .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.