مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيۡحَةٗ وَٰحِدَةٗ تَأۡخُذُهُمۡ وَهُمۡ يَخِصِّمُونَ} (49)

ثم قال تعالى : { ما ينظرون إلا صيحة واحدة } أي لا ينتظرون إلا الصيحة المعلومة والتنكير للتكثير ، فإن قيل هم ما كانوا ينتظرون بل كانوا يجزمون بعدمها ، فنقول الانتظار فعلي لأنهم كانوا يفعلون ما يستحق به فاعله البوار وتعجيل العذاب وتقريب الساعة لولا حكم الله وقدرته وعلمه فإنهم لا يقولون أو نقول لما لم يكن قوله متى استفهاما حقيقيا قال ينتظرون انتظارا غير حقيقي ، لأن القائل متى يفهم منه الانتظار نظرا إلى قوله . وقد ذكروا ههنا في الصيحة أمورا تدل على هولها وعظمها أحدها : التنكير يقال لفلان مال أي كثير وله قلب أي جريء وثانيها : واحدة أي لا يحتاج معها إلى ثانية وثالثها : تأخذهم أي تعمهم بالأخذ وتصل إلى من في مشارق الأرض ومغاربها ، ولا شك أن مثلها لا يكون إلا عظيما .

وقوله : { تأخذهم وهم يخصمون * فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون } ، مما يعظم به الأمر لأن الصيحة المعتادة إذا وردت على غافل يرجف فإن المقبل على مهم إذا صاح به صائح يرجف فؤاده بخلاف المنتظر للصيحة ، فإذا كان حال الصيحة ما ذكرناه من الشدة والقوة وترد على الغافل الذي هو مع خصمه مشغول يكون الارتجاف أتم والإيخاف أعظم ، ويحتمل أن يقال : { يخصمون } في البعث ويقولون لا يكون ذلك أصلا فيكونون غافلين عنه بخلاف من يعتقد أنه يكون فيتهيأ له وينتظر وقوعه فإنه لا يرتجف وهذا هو المراد بقوله تعالى : { فصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء } ممن اعتقد وقوعها فاستعد لها ، وقد مثلنا ذلك فيمن شام برقا وعلم أن سيكون رعد ومن لم يشمه ولم يعلم ثم رعد الرعد ترى الشائم العالم ثابتا والغافل الذاهل مغشيا عليه ،

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيۡحَةٗ وَٰحِدَةٗ تَأۡخُذُهُمۡ وَهُمۡ يَخِصِّمُونَ} (49)

48

المفردات :

صيحة واحدة : نفخة واحدة هي نفخة إسرافيل في الصور ، حيث يموت جميع الناس .

تأخذهم : تقهرهم وتستولي عليهم فيهلكون .

يخصمون : يختصمون ويتنازعون في أمورهم غافلين عنها .

التفسير :

49 { مَا يَنْظُرُونَ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ } .

ما ينتظرون إلا صيحة واحدة ، لا ثانية لها ، حيث يموت الناس .

النفخ في الصور

الصور هو القرن أو النفير ، ونجد شيئا قريبا من ذك في الجيش حيث نجد بروجي ( عسكري ) ينفخ في مكبّر للصوت ، نوبة صحيان ، فيستيقظ جميع المعسكر ، وهكذا نوبة غذاء ، ونوبة عشاء .

وقد أفاد القرآن والسنّة وتفسير ابن كثير وغيره ، أن هناك ثلاث نفخات في الصور :

النفخة الأولى : نفخة الفَزَع ، حيث تفْزَع جميع الخلائق .

النفخة الثانية : نفخة الموت ، حيث يموت جميع الخلائق ، ولا يبقى حيا سوى الرحمان جل جلاله .

النفخة الثالثة : نفخة البعث ، حيث يقوم الناس لرب العالمين .

ومن العلماء من أدمج النفخة الأولى في الثانية ، حيث أفاد أن هناك نفختين :

الأولى : يصعق الناس جميعا ويموتون أربعين عاما .

الثانية : يبعثون للحساب .

قال تعالى : { وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ * وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ * وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ } [ الزمر : 68 70 ] .

وقد أفادت السنة الصحيحة أن هذه النفخة الأولى ، تأخذ الناس وتفاجئهم بالموت والحتف ونهاية حياتهم ، فلا يستطيع إنسان أن يتم أكل اللقمة التي في فمه ، أو يشرب من الحوض الذي بناه بالجصّ والطين ، ولا يتم أي موضوع بدأ فيه .

أخرج الشيخان وغيرهما ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لتقومنّ الساعة وقد نشر الرجلان ثوْبَهُما بينهما فلا يتبايعانه ولا يطويانه ، ولتقومن الساعة والرجل يليط حوضه أي يسده بالطين والجصّ فلا يُسقى منه ، ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن نعجته فلا يطَعمُه ، ولتقومنّ الساعة وقد رفع أكلته19 إلى فمه فلا يطعمها " 20 .