روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي  
{مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيۡحَةٗ وَٰحِدَةٗ تَأۡخُذُهُمۡ وَهُمۡ يَخِصِّمُونَ} (49)

{ مَا يَنظُرُونَ } جواب من جهته تعالى أي ما ينتظرون { إِلاَّ صَيْحَةً } عظيمة { واحدة } وهي النفخة الأولى في الصور التي يموت بها أهل الأرض . وعبر بالانتظار نظراً إلى ظاهر قولهم { متى هذا الوعد } [ يس : 48 ] أو لأن الصيحة لما كانت لا بد من وقوعها جعلوا كأنهم منتظروها { تَأُخُذُهُمْ } تقهرهم وتستولي عليهم فيهلكون { وَهُمْ يَخِصّمُونَ } أي يتخاصمون ويتنازعون في معاملاتهم ومتاجرهم لا يخطر ببالهم شيء من مخايلها كقوله تعالى : { فأخذناهم بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } [ الأعراف : 95 ] فلا يغتروا بعدم ظهور علائمها حسبما يريدون ولا يزعمون أنها لا تأتي ، وأخرج ابن جرير . وابن أبي حاتم عن ابن عمر قال : «لينفخن في الصور والناس في طرفهم وأسواقهم ومجالسهم حتى أن الثوب ليكون بين الرجلين يتساومان فما يرسله أحدهما من يده حتى ينفح في الصور فيصعق به » وهي التي قال الله تعالى { مَا يَنظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً واحدة } الخ ، وأخرج الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة قال : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما فلا يتبايعانه ولا يطويانه ولتومن الساعة والرجل يليط حوضه فلا يسقي منه ولتقو من الساعة وقد انصرف الرجل بلبن نعجته فلا يطعمه ولتقومن الساعة وقد رفع أكلته إلى فمه فلا يطعمها " وأصل يخصمون يختصمون وبه قرأ أبي فسكنت التاء وأدغمت في الصاد بعد قلبها صادا ثم كسرت الخاء لالتقاء الساكنين ، وجوز أن يكون الكسر لاتباع حركة الصاد الثانية والساكن لا يضر حاجزاً .

وقرأ الحرميان . وأبو عمرو . والأعرج . وشبل . وابن قسطنين بإدغام التاء في الصاد ونقل حركتها وهي الفتحة إلى الخاء ، وأبو عمرو أيضاً . وقالوا بخلف باختلاس حركة الخاء وتشديد الصاد ، وعنهما إسكان الخاء وتخفيف الصاد من خصمه إذا جادله ، والمفعول عليها محذوف أي يخصم بعضهم بعضاً ، وقيل يخصمون مجادلتهم عن أنفسهم ، وبعضهم يكسر ياء المضارعة إتباعاً لكسرة الخاء وشد الصاد ، وكسر ياء المضارعة لغة حكاها سيبويه عن الخليل في مواضع ، وعن نافع أنه قرى بفتح الياء وسكون الخاء وتشديد الصاد المكسورة ، وفيها الجمع بين الساكنين على حده المعروف ، وكأنه يجوز الجمع بينهما إذا كان الثاني مدغماً كان الأول حرف مد أيضاً أم لا ، وهذا ما اخترناه في نقل القراءات تبعاً لبعض الأجلة والرواة في ذلك مختلفون .