مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{لَّعَنَهُ ٱللَّهُۘ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنۡ عِبَادِكَ نَصِيبٗا مَّفۡرُوضٗا} (118)

ثم قال تعالى { لعنه الله وقال لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا } وفيه مسألتان .

المسألة الأولى : قال صاحب الكشاف : قوله { لعنه الله وقال لأتخذن } صفتان بمعنى شيطانا مريدا جامعا بين لعنة الله وهذا القول الشنيع . واعلم أن الشيطان هاهنا قد ادعى أشياء : أولها : قوله { لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا } الفرض في اللغة القطع ، والفرضة الثلمة التي تكون في طرف النهر ، والفرض الحز الذي في الوتر ، والفرض في القوس الحز الذي يشد فيه الوتر ، والفريضة ما فرض الله على عباده وجعله حتما عليهم قطعا لعذرهم ، وكذا قوله { وقد فرضتم لهن فريضة } أي جعلتم لهن قطعة من المال .

إذا عرفت هذا فنقول : معنى الآية أن الشيطان لعنه الله قال عند ذلك : لأتخذن من عبادك حظا مقدرا معينا ، وهم الذين يتبعون خطواته ويقبلون وساوسه ، وفي التفسير عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال : «من كل ألف واحد لله وسائره للناس ولإبليس » .

فإن قيل : النقل والعقل يدلان على أن حزب الشيطان أكثر عددا من حزب الله .

أما النقل : فقوله تعالى في صفة البشر { فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين } وقال حاكيا عن الشيطان { لأحتنكن ذريته إلا قليلا } . وحكى عنه أيضا أنه قال { لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين } ولاشك أن المخلصين قليلون .

وأما العقل : فهو أن الفساق والكفار أكثر عددا من المؤمنين المخلصين ، ولاشك أن الفساق والكفار كلهم حزب إبليس .

إذا ثبت هذا فنقول : لم قال { لأتخذن من عبادك نصيبا } مع أن لفظ النصيب لا يتناول القسم الأكثر ، وإنما يتناول الأقل ؟

والجواب : أن هذا التفاوت إنما يحصل في نوع البشر ، أما إذا ضممت زمرة الملائكة مع غاية كثرتهم إلى المؤمنين كانت الغلبة للمؤمنين المخلصين ، وأيضا فالمؤمنون وإن كانوا قليلين في العدد إلا أن منصبهم عظيم عند الله ، والكفار والفساق وإن كانوا كثيرين في العدد فهم كالعدم ، فلهذا السبب وقع اسم النصيب على قوم إبليس .

وثانيها : { ولأضلنهم } يعني عن الحق ، قالت المعتزلة : هذه الآية دالة على أصلين عظيمين من أصولنا .

فالأصل الأول : المضل هو الشيطان ، وليس المضل هو الله تعالى قالوا : وإنما قلنا : أن الآية تدل على أن المضل هو الشيطان لأن الشيطان ادعى ذلك والله تعالى ما كذبه فيه ، ونظيره قوله { لأغوينهم أجمعين } وقوله { لأحتنكن ذريته إلا قليلا } وقوله { لأقعدن لهم صراطك المستقيم } وأيضا إنه تعالى ذكر وصفه بكونه مضلا للناس في معرض الذم له ، وذلك يمنع من كون الإله موصوفا بذلك .

والأصل الثاني : وهو أن أهل السنة يقولون : الإضلال عبارة عن خلق الكفر والضلال وقلنا : ليس الإضلال عبارة عن خلق الكفر والضلال بدليل أن إبليس وصف نفسه بأنه مضل مع أنه بالإجماع لا يقدر على خلق الضلال .

والجواب : أن هذا كلام إبليس فلا يكون حجة ، وأيضا أن كلام إبليس في هذه المسألة مضطرب جدا ، فتارة يميل إلى القدر المحض ، وهو قوله { لأغوينهم أجمعين } وأخرى إلى الجبر المحض وهو قوله { رب بمآ أغويتني } وتارة يظهر التردد فيه حيث قال : { ربنا هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم كما غوينا } يعني أن قول هؤلاء الكفار : نحن أغوينا فمن الذي أغوانا عن الدين ؟ ولابد من انتهاء الكل بالآخرة إلى الله . وثالثها : قوله { ولأمنينهم } واعلم أنه لما ادعى أنه يضل الخلق قال { ولأمنينهم } وهذا يشعر بأنه لا حيلة له في الاضلال أقوى من إلقاء الأماني في قلوب الخلق ، وطلب الأماني يورث شيئين : الحرص والأمل ، والحرص والأمل يستلزمان أكثر الأخلاق الذميمة ، وهما كالأمرين اللازمين لجوهر الإنسان قال صلى الله عليه وسلم : «يهرم ابن آدم ويشب معه إثنان الحرص والأمل » والحرص يستلزم ركوب أهوال الدنيا وأهوال الدين فإنه إذا اشتد حرصه على الشيء فقد لا يقدر على تحصيله إلا بمعصية الله وإيذاء الخلق ، وإذا طال أمله نسي الآخرة وصار غريقا في الدنيا فلا يكاد يقدم على التوبة ، ولا يكاد يؤثر فيه الوعظ فيصير قلبه كالحجارة أو أشد قسوة . ورابعها : قوله { ولآمرنهم فليبتكن ءاذان الانعام } البتك القطع ، وسيف باتك أي قاطع ، والتبتيك التقطيع . قال الواحدي رحمه الله : التبتيك هاهنا هو قطع آذان البحيرة بإجماع المفسرين ، وذلك أنهم كانوا يشقون آذان الناقة إذا ولدت خمسة أبطن وجاء الخامس ذكرا ، وحرموا على أنفسهم الانتفاع بها . وقال آخرون : المراد أنهم يقطعون آذان الأنعام نسكا في عبادة الأوثان فهم يظنون أن ذلك عبادة مع أنه في نفسه كفر وفسق . وخامسها : قوله { ولآمرنهم فليغيرن خلق الله } وللمفسرين هاهنا : قولان : الأول : أن المراد من تغيير خلق الله تغيير دين الله ، وهو قول سعيد بن جبير وسعيد بن المسيب والحسن والضحاك ومجاهد والسدي والنخعي وقتادة ، وفي تقرير هذا القول وجهان : الأول : أن الله تعالى فطر الخلق على الإسلام يوم أخرجهم من ظهر آدم كالذر وأشهدهم على أنفسهم أنه ربهم وآمنوا به ، فمن كفر فقد غير فطرة الله التي فطر الناس عليها ، وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم : «كل مولود يولد على الفطرة » ولكن أبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه .

والوجه الثاني : في تقرير هذا القول : أن المراد من تغيير دين الله هو تبديل الحلال حراما أو الحرام .

القول الثاني : حمل هذا التغيير على تغيير أحوال كلها تتعلق بالظاهر ، وذكروا فيه وجوها الأول : قال الحسن : المراد ما روى عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم : «لعن الله الواصلات والواشمات » قال وذلك لأن المرأة تتوصل بهذه الأفعال إلى الزنا . الثاني : روي عن أنس وشهر بن حوشب وعكرمة وأبي صالح أن معنى تغيير خلق الله هاهنا هو الاخصاء وقطع الآذان وفقء العيون ، ولهذا كان أنس يكره إخصاء الغنم ، وكانت العرب إذا بلغت إبل أحدهم ألفا عوروا عين فحلها . الثالث : قال ابن زيد هو التخنث ، وأقول : يجب إدخال السحاقات في هذه الآية على هذا القول ، لأن التخنث عبارة عن ذكر يشبه الأنثى ، والسحق عبارة عن أنثى تشبه الذكر الرابع : حكي الزجاج عن بعضهم أن الله تعالى خلق الأنعام ليركبوها ويأكلوها فحرموها على أنفسهم كالبحائر والسوائب والوصائل ، وخلق الشمس والقمر والنجوم مسخرة للناس ينتفعون بها فعبدها المشركون ، فغيروا خلق الله ، هذا جملة كلام المفسرين في هذا الباب ويخطر ببالي هاهنا وجه آخر في تخريج الآية على سبيل المعنى ، وذلك لأن دخول الضرر والمرض في الشيء يكون على ثلاثة أوجه : التشوش ، والنقصان ، والبطلان . فادعى الشيطان لعنه الله إلقاء أكثر الخلق في مرض الدين ، وضرر الدين هو قوله { ولأمنينهم } ثم إن هذا المرض لابد وأن يكون على أحد الأوجه الثلاثة التي ذكرناها ، وهي التشوش والنقصان والبطلان ، فأما التشوش فالإشارة إليه بقوله { ولأمنينهم } وذلك لأن صاحب الأماني يشغل عقله وفكره في استخراج المعاني الدقيقة والحيل والوسائل اللطيفة في تحصيل المطالب الشهوانية والغضبية ، فهذا مرض روحاني من جنس التشوش ، وأما النقصان فالإشارة إليه بقوله { ولآمرنهم فليبتكن ءاذان الأنعام } وذلك لأن بتك الآذان نوع نقصان ، وهذا لأن الإنسان إذا صار مستغرق العقل في طلب الدنيا صار فاتر الرأي ضعيف الحزم في طلب الآخرة ، وأما البطلان فالإشارة إليه بقوله { ولآمرنهم فليغيرن خلق الله } وذلك لأن التغيير يوجب بطلان الصفة الحاصلة في المدة الأولى . ومن المعلوم أن من بقي مواظبا على طلب اللذات العاجلة معرضا عن السعادات الروحانية فلا يزال يزيد في قلبه الرغبة في الدنيا والنفرة عن الآخرة ، ولا تزال تتزايد هذه الأحوال إلى أن يتغير القلب بالكلية فلا يخطر بباله ذكر الآخرة البتة ، ولا يزول عن خاطره حب الدنيا البتة ، فتكون حركته وسكونه وقوله وفعله لأجل الدنيا ، وذلك يوجب تغيير الخلقة لأن الأرواح البشرية إنما دخلت في هذا العالم الجسماني على سبيل السفر ، وهي متوجهة إلى عالم القيامة ، فإذا نسيت معادها وألفت هذه المحسوسات التي لابد من انقضائها وفنائها كان هذا بالحقيقة تغييرا للخلقة ، وهو كما قال تعالى : { ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم } وقال { فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور } .

واعلم أنه تعالى لما حكى عن الشيطان دعاويه في الأغواء والضلال حذر الناس عن متابعته فقال { ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا } واعلم أن أحدا لا يختار أن يتخذ الشيطان وليا من دون الله ، ولكن المعنى أنه إذا فعل ما أمره الشيطان به وترك ما أمره الرحمن به صار كأنه اتخذ الشيطان وليا لنفسه وترك ولاية الله تعالى ، وإنما قال { خسر خسرانا مبينا } لأن طاعة الله تفيد المنافع العظيمة الدائمة الخالصة عن شوائب الضرر ، وطاعة الشيطان تفيد المنافع الثلاثة المنقطعة المشوبة بالغموم والأحزان والآلام الغالبة ، والجمع بينهما محال عقلا ، فمن رغب في ولايته فقد فاته أشرف المطالب وأجلها بسبب أخس المطالب وأدونها ، ولا شك أن هذا هو الخسار المطلق .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{لَّعَنَهُ ٱللَّهُۘ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنۡ عِبَادِكَ نَصِيبٗا مَّفۡرُوضٗا} (118)

المفردات :

لعنه الله : طرده من رحمته .

لأتخذن : الاتخاذ : أخذ الشيء على وجه الاختصاص .

نصيبا مفروضا : حظا مقسوما . وسيأتي بيانه في الشرح .

التفسير :

118- لَّعَنَهُ اللّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا .

-لَّعَنَهُ اللّهُ . طرده وأبعده عن رحمته ؛ لتمرده واستكباره عن طاعة ربه ، وعدم سجوده لآدم ، فأخرجه الله من الجنة مذموما مدحورا مطرودا من رحمة الله في عاجله وآجله .

وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا . أي : بعد أن لعنه الله وطرده من جواره ، قال يخاطب الله تعالى : لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا . يريد توكيد استيلائه- بالوسوسة- على إرادة أبناء آدم عدوه ؛ حتى يسخرها في سبيل الغواية والفساد عقيدة وعملا حتى كأنهم نصيب مفروض مقطوع له .

قال الزجاج : الفرض في اللغة : القطع ، والفرض فيما ألزمه الله العباد جعله حتما عليهم قاطعا .

وقال مقاتل : النصيب المفروض : أن من كل ألف إنسان واحد في الجنة وسائرهم في النار ، وفي تفسير القرطبي 5/388 قلت : وهذا صحيح معنى ، يعضده قوله تعالى لآدم يوم القيامة : " ابعث بعث النار ، فيقول : وما بعث النار ؟ فيقول : من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين " {[103]} أخرجه مسلم ، وبعث النار : هو نصيب الشيطان .

وفي تفسير ابن كثير : وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا . أي : معينا مقدرا معلوما . قال : قتادة : ومن كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار وواحد إلى الجنة {[104]} .

وقال ابن قتيبة : أي : حظا أفترضه لنفسي منهم فأضلهم {[105]}


[103]:ابعث بعث النار: رواه البخاري في أحاديث الأنبياء (3348) وفي تفسير القرآن (4741) وفي الرقاق (6530) رواه مسلم في الإيمان (222) (10892) من حديث أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يقول الله تعالى: يا آدم فيقول: لبيك وسعديك والخير في يديك فيقول: أخرج بعث النار قال:وما بعث النار قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين فعنده يشيب الصغير {وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد} قالوا: يا رسول الله وأينا ذلك الواحد قال: أبشروا فإن منكم رجلا ومن يأجوج ومأجوج ألف ثم قال: والذي نفسي بيده إني أرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة فكبرنا فقال: أرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة فكبرنا فقال: أرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة فكبرنا فقال: ما أنتم في الناس إلا كالشعرة السوداء في جلد ثور أبيض أو كشعرة بيضاء في جلد ثور أسود. ورواه مسلم في الفتن (2940) وأحمد في مسنده (6519) من حديث عبد الله بن عمر وجاءه رجل فقال: ما هذا الحديث الذي تحدث به تقول: إن الساعة تقوم إلى كذا وكذا فقال: سبحان الله أو لا إله إلا الله أو كلمة نحوها لقد هممت أن لا أحدث أحدا شيئا إنما قلت: إنكم سترون بعد قليل أمرا عظيما يحرق البيت ويكون ويكون ثم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج الدجال في أمتي فيمكث أربعين ثم ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد لا أصغي ليتا ورفع ليتا قال: وأول من يسمعه رجل يلوط حوض إبله قال: فيصعق و يصعق الناس ثم يرسل الله أو قال: ينزل الله مطرا كأنه الطل أو الظل نعمان الشاك فتنبت منه أجساد الناس ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون ثم يقال: يا أهل الناس هلم إلى ربكم {وقفوهم أنهم مسئولون} قال: ثم يقال: أخرجوا بعث النار فيقال: من كم فيقال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين...الحديث. ورواه الترمذي في تفسير القرآن (3168،3169) (19383،19400) من حديث عمران بن حصين أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزلت {يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم} إلى قوله {ولكن عذاب الله شديد} قال: أنزلت هذه الآية وهو في سفر فقال: أتدرون أي يوم ذلك فقالوا: الله ورسوله أعلم قال: ذلك يوم يقول الله لآدم: أبعث بعث النار فقال:يا رب وما بعث النار؟ قال تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار وواحد إلى الجنة... الحديث.
[104]:تفسير ابن كثير 1/556.
[105]:ابن الجوزي: زاد المسير في علم التفسير 2/204 المكتب الإسلامي.