مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغۡفِرُ أَن يُشۡرَكَ بِهِۦ وَيَغۡفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُۚ وَمَن يُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَقَدۡ ضَلَّ ضَلَٰلَۢا بَعِيدًا} (116)

قوله تعالى { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا }

اعلم أن هذه الآية مكررة في هذه السورة ، وفي تكرارها فائدتان : الأولى : أن عمومات الوعيد وعمومات الوعد متعارضة في القرآن ، وأنه تعالى ما أعاد آية من آيات الوعيد بلفظ واحد مرتين ، وقد أعاد هذه الآية دالة على العفو والمغفرة بلفظ واحد في سورة واحدة ، وقد اتفقوا على أنه لا فائدة في التكرير إلا التأكيد ، فهذا يدل على أنه تعالى خص جانب الوعد والرحمة بمزيد التأكيد ، وذلك يقتضي ترجيح الوعد على الوعيد .

والفائدة الثانية : أن الآيات المتقدمة إنما نزلت في سارق الدرع ، وقوله { ومن يشاقق الرسول } إلى آخر الآيات إنما نزلت في ارتداده ، فهذه الآية إنما يحسن اتصالها بما قبلها لو كان المراد أن ذلك السارق لو لم يرتد لم يصر محروما عن رحمتي ، ولكنه لما ارتد وأشرك بالله صار محروما قطع عن رحمة الله ، ثم إنه أكد ذلك بأن شرح أن أمر الشرك عظيم عند الله فقال { ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا } يعني ومن لم يشرك بالله لم يكن ضلاله بعيدا ، فلا جرم لا يصير محروما عن رحمتي ، وهذه المناسبات دالة قطعا على دلالة هذه الآية على أن ما سوى الشرك مغفور قطعا سواء حصلت التوبة أو لم تحصل ، ثم إنه تعالى بين كون الشرك ضلالا بعيدا فقال { إن يدعون من دونه إلا إناثا وإن يدعون إلا شيطانا مريدا لعنه الله } { إن } هاهنا معناه النفي ونظيره قوله تعالى : { وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته } و{ يدعون } بمعنى يعبدون لأن من عبد شيئا فإنه يدعوه عند احتياجه إليه ، وقوله { إلا إناثا } فيه أقوال : الأول : أن المراد هو الأوثان وكانوا يسمونها باسم الإناث كقولهم : اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ، واللات تأنيث الله ، والعزى تأنيث العزيز . قال الحسن : لم يكن حي من أحياء العرب إلا ولهم صنم يعبدونه ويسمونه أنثى بني فلان ، ويدل على صحة هذا التأويل قراءة عائشة رضي الله عنها : إلا أوثانا ، وقراءة ابن عباس : إلا أثنا ، جمع وثن مثل أسد وأسد ، ثم أبدلت من الواو المضمومة همزة نحو قوله { وإذا الرسل أقتت } قال الزجاج : وجائز أن يكون أثن أصلها أثن ، فأتبعت الضمة الضمة .

القول الثاني : قوله { إلا إناثا } أي إلا أمواتا ، وفي تسمية الأموات إناثا وجهان : الأول : أن الأخبار عن الموات يكون على صيغة الأخبار عن الأنثى ، تقول : هذه الأحجار تعجبني : كما تقول : هذه المرأة تعجبني . الثاني : أن الأنثى أخس من الذكر ، والميت أخس من الحي ، فلهذه المناسبة أطلقوا اسم الأنثى على الجمادات الموات .

القول الثالث : أن بعضهم كان يعبد الملائكة ، وكانوا يقولون : الملائكة بنات الله قال تعالى : { إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون الملائكة تسمية الأنثى } والمقصود من الآية هل إنسان أجهل ممن أشرك خالق السماوات والأرض وما بينهما جمادا يسميه بالأنثى .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغۡفِرُ أَن يُشۡرَكَ بِهِۦ وَيَغۡفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُۚ وَمَن يُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَقَدۡ ضَلَّ ضَلَٰلَۢا بَعِيدًا} (116)

المفردات :

ما دون ذلك : ما سوى الشرك من المعاصي .

ضلالا بعيدا : أي : بعدا عن الحق عظيما .

التفسير :

116- إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء . . . الآية

سبب النزول :

في سبب نزول هذه الآية قولان :

أحدهما : أنه نزلت في حق طمعة بن أبيرق لما هرب من مكة ومات على الشرك وهذا قول الجمهور .

والثاني : أن شيخا من الأعراب جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إني منهمك في الذنوب ، إلا أني لم أشرك بالله منذ عرفته ، وإني لنادم مستغفر فما حالى فنزلت هذه الآية . . .

رو ى هذا القول عن ابن عباس {[97]} .

تمهيد : الشرك بالله كبيرة وإثم وخروج عن مألوف الفطرة فقد خلق الله الإنسان بيده ، ونفخ فيه من روحه ، وفضله على كثير من خلقه ، ووضع له الدلائل والأمارات على ألوهيته ، ونادى الإنسان بقوله :

يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ . ( البقرة : 21 ) .

وفي الحديث الصحيح : " ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ؟ قلنا : بلى يا رسول الله . قال : الشرك بالله ، وعقوق الوالد ين ، وقول الزور وشهادة الزور'' {[98]} .

المعنى :

إن الله لا يغفر لطعمة بن أبيرق إذا أشرك ومات على شركه بالله ، ولا لغيره من خلقه بشركهم وكفرهم {[99]} .

وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء . ويغفر ما دون الشرك بالله من الذنوب ؛ إذا ندم المذنب وتاب إلى الله . وهذه الآية من أرجى آيات المغفرة في القرآن الكريم ، والمقصود من الشرك بالله : الكفر به مطلقا ، فيشمل نسبة الولد أو الصاحبة إليه وإنكار وجوده- سبحانه وتعالى- وإنما ذكر الشرك في الآية ؛ لأنه كان الاعتقاد السائد في الجزيرة العربية التي نشأت فيها الدعوة الإسلامية .

وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيدًا . ومن يجعل لله في عبادته شريكا ، أو يكفر به بأي وجه فقد ذهب عن طريق الحق و زال عن قصد السبيل ذهابا بعيدا ، وزوالا شديدا ، وذلك أنه بإشراكه بالله في عبادته قد أطاع الشيطان وسلك طريقه وترك طاعة الله ومنهاج دينه فذلك هو الضلال البعيد والخسران المبين {[100]} .

وجاء في تفسير ابن كثير : روى الترمذي عن علي رضي الله عنه قال : ما في القرآن آية أحب إلي من هذه الآية إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء . . . الآية {[101]} .


[97]:ابن الجوزى: زاد المسير في علم التفسير 2/203.
[98]:ألا أنبأكم بأكبر الكبائر: تقدم ص 13.
[99]:تفسير الطبري 9/206 تحقيق محمود شاكر.
[100]:تفسير الطبري بتصرف.
[101]:تفسير ابن كثير 1/555 وقد علق الترمذي عليه بقوله: هذا حسن غريب.