مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيۡهِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمٗا} (158)

ثم قال تعالى : { وما قتلوه بل رفعه الله إليه } .

واعلم أن هذا اللفظ يحتمل وجهين : أحدهما : يقين عدم القتل ، والآخر يقين عدم الفعل ، فعلى التقدير الأول يكون المعنى : أنه تعالى أخبر أنهم شاكون في أنه هل قتلوه أم لا ، ثم أخبر محمدا بأن اليقين حاصل بأنهم ما قتلوه ، وعلى التقدير الثاني يكون المعنى أنهم شاكون في أنه هل قتلوه أم لا ، ثم أخبر محمدا بأن اليقين حاصل بأنهم ما قتلوه ، وعلى التقدير الثاني يكون المعنى أنهم شاكون في أنه هل قتلوه ؟ ثم أكد ذلك بأنهم قتلوا ذلك الشخص الذي قتلوه لا على يقين أنه عيسى عليه السلام ، بل حين ما قتلوه كانوا شاكين في أنه هل هو عيسى أم لا ، والاحتمال الأول أولى لأنه تعالى قال بعده { بل رفعه الله إليه } وهذا الكلام إنما يصح إذا تقدم القطع واليقين بعدم القتل .

أما قوله : { بل رفعه الله إليه } ففيه مسائل :

المسألة الأولى : قرأ أبو عمرو والكسائي { بل رفعه الله إليه } بإدغام اللام في الراء والباقون بترك الإدغام ، حجتهما قرب مخرج اللام من الراء والراء أقوى من اللام بحصول التكرير فيها ، ولهذا لم يجز إدغام الراء في اللام لأن الأنقص يدغم في الأفضل ، وحجة الباقين أن الراء واللام حرفان من كلمتين فالأولى ترك الإدغام .

المسألة الثانية : المشبهة احتجوا بقوله تعالى : { بل رفعه الله إليه } في إثبات الجهة .

والجواب : المراد الرفع إلى موضع لا يجرى فيه حكم غير الله تعالى كقوله { وإلى الله ترجع الأمور } وقال تعالى : { ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله } وكانت الهجرة في ذلك الوقت إلى المدينة ، وقال إبراهيم { إني ذاهب إلى ربى } .

المسألة الثالثة : رفع عيسى عليه السلام إلى السماء ثابت بهذه الآية ، ونظير هذه الآية قوله في آل عمران { إني متوفيك ورافعك إلى ومطهرك من الذين كفروا } واعلم أنه تعالى لما ذكر عقيب ما شرح أنه وصل إلى عيسى أنواع كثيرة من البلاء والمحنة أنه رفعه إليه دل ذلك على أن رفعه إليه أعظم في باب الثواب من الجنة ومن كل ما فيها من اللذات الجسمانية ، وهذه الآية تفتح عليك باب معرفة السعادات الروحانية .

ثم قال تعالى : { وكان الله عزيزا حكيما } .

والمراد من العزة كمال القدرة ، ومن الحكمة كمال العلم ، فنبه بهذا على أن رفع عيسى من الدنيا إلى السماوات وإن كان كالمتعذر على البشر لكنه لا تعذر فيه بالنسبة إلى قدرتي وإلى حكمتي ، وهو نظير قوله تعالى : { سبحان الذي أسرى بعبده ليلا } فإن الإسراء وإن كان متعذرا بالنسبة إلى قدرة محمد إلا أنه سهل بالنسبة إلى قدرة الحق سبحانه .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيۡهِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمٗا} (158)

158- بَل رَّفَعَهُ اللّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا . أي : بل رفعه الله إلى موضع ، تولي الله فيه حفظه وحمايته ، حتى لا يجرى فيه حكم أعدائه .

وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا . أي : وكان الله ولم يزل عزيزا . اي : منيع الجناب ، لا يلجأ إليه أحد غلا اعزه وحماه ، حكيما . في جميع ما يقدره ويقضيه من الأمور .

وجمهور العلماء على أن الله تعالى رفع عيسى إليه بجسده وروحه لا بروحه فقط .

قال الشيخ حسنين مخلوف في تفسير ( صفوة البيان ) :

والجمهور على أن عيسى رفع حيا من غير موت ولا غفوة ، بجسده وروحه إلى السماء ، والخصوصية له- عليه السلام- هي في رفعه وبقائه فيها إلى الأمر المقدر له .

وفسر بعضهم الرفع في قوله تعالى : بَل رَّفَعَهُ اللّهُ إِلَيْهِ . بأنه رفع بالروح فقط .

وقد دلت الأحاديث الصحيحة على أن عيسى رفع بجسده وروحه . ومنها ما رواه الشيخان ( والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلا ، فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ) الحديث ، وانظر كتاب التصريح بما تواتر في نزول المسيح للكشميري تحقيق الأستاذ عبد الفتاح أبو غدة {[153]}


[153]:صفوة التفاسير للأستاذ محمد على الصابوني 1/317.