قوله تعالى : { قالوا أرجه وأخاه وأرسل في المدائن حاشرين يأتوك بكل ساحر عليم وجاء السحرة فرعون قالوا إن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين قال نعم وإنكم لمن المقربين }
المسألة الأولى : قرأ نافع والكسائي { أرجه } بغير همز وكسر الهاء والإشباع ، وقرأ عاصم وحمزة { أرجه } بغير الهمز وسكون الهاء . وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمر { وأرجئه } بالهمز وضم الهاء ، ثم أن ابن كثير أشبع الهاء على أصله والباقون لا يشبعون . قال الواحدي : رحمه الله { أرجه } مهموز وغير مهموز لغتان يقال أرجأت الأمر وأرجيته إذا أخرته ، ومنه قوله تعالى : { وآخرون مرجون } { ترجي من تشاء } قرئ في الآيتين باللغتين ، وأما قراءة عاصم وحمزة بغير الهمز ، وسكون الهاء فقال الفراء : هي لغة العرب يقفون على الهاء المكني عنها في الوصل إذا تحرك ما قبلها وأنشد .
فيصلح اليوم ويفسده غدا *** . . .
قال وكذلك يفعلون بهاء التأنيث فيقولون : هذه طلحة قد أقبلت ، وأنشد .
لما رأى أن لا دعه ولا شبع *** . . .
ثم قال الواحدي : ولا وجه لهذا عند البصريين في القياس . وقال الزجاج : هذا شعر لا نعرف قائله ، ولو قاله شاعر مذكور لقيل له أخطأت .
المسألة الثانية : في تفسير قوله : { أرجه } قولان : الأول : الإرجاء التأخير فقوله : { أرجه } أي أخره . ومعنى أخره : أي أخر أمره ولا تعجل في أمره بحكم ، فتصير عجلتك حجة عليك ، والمقصود أنهم حاولوا معارضة معجزته بسحرهم ، ليكون ذلك أقوى في إبطال قول موسى عليه السلام .
والقول الثاني : وهو قول الكلبي وقتادة { أرجه } أحبسه . قال المحققون هذا القول ضعيف لوجهين : الأول : أن الإرجاء في اللغة هو التأخير لا الحبس ، والثاني : أن فرعون ما كان قادرا على حبس موسى بعد ما شاهد حال العصا .
أما قوله : { وأرسل في المدائن حاشرين } ففيه مسألتان :
المسألة الأولى : هذه الآية تدل على أن السحرة كانوا كثيرين في ذلك الزمان وإلا لم يصح قوله : { وأرسل في المدائن حاشرين يأتوك بكل ساحر عليم } { ويدل على أن في طباع الخلق معرفة المعارضة ، وإنها إذا أمكنت فلا نبوة } ، وإذا تعذرت فقد صحت النبوة ، وأما بيان أن السحر ما هو وهل له حقيقة أم لا بل هو محض التمويه ، فقد سبق الاستقصاء فيه ، في سورة البقرة .
المسألة الثانية : نقل الواحدي عن أبي القاسم الزجاجي : أنه قال اختلف أصحابنا في المدينة على ثلاثة أقوال :
القول الأول : أنها فعيلة لأنها مأخوذة من قولهم مدن بالمكان يمدن مدونا إذا أقام به ، وهذا القائل يستدل بإطباق القراء على همز المدائن ، وهي فعائل كصحائف وصحيفة وسفائن وسفينة والياء إذا كانت زائدة في الواحد همزت في الجمع كقبائل وقبيلة ، وإذا كانت من نفس الكلمة لم تهمز في الجمع نحو معايش ومعيشة .
والقول الثاني : أنها مفعلة ، وعلى هذا الوجه ، فمعنى المدينة المملوكة من دانه يدينه ، فقولنا مدينة من دان ، مثل معيشة من عاش ، وجمعها مداين على مفاعل . كمعايش ، غير مهموز ، ويكون اسما لمكان والأرض التي دانهم السلطان فيها أي ساسهم وقهرهم .
والقول الثالث : قال المبرد مدينة أصلها مديونة من دانه إذا قهره وساسه ، فاستثقلوا حركة الضمة على الياء فسكنوها ونقلوا حركتها إلى ما قبلها ، واجتمع ساكنان الواو المزيدة التي هي واو المفعول ، والياء التي هي من نفس الكلمة ، فحذفت الواو لأنها زائدة ، وحذف الزائد أولى من حذف الحرف الأصلي ، ثم كسروا الدال لتسلم الياء ، فلا تنقلب واوا لانضمام ما قبلها فيختلط ذوات الواو بذوات الياء ، وهكذا القول في المبيع والمخيط والمكيل ، ثم قال الواحدي : والصحيح أنها فعيلة لاجتماع القراء على همز المدائن .
المسألة الثالثة : { وأرسل في المدائن حاشرين } يريد وأرسل في مدائن صعيد مصر رجالا يحشروا إليك ما فيها من السحرة . قال ابن عباس : وكان رؤساء السحرة بأقصى مدائن الصعيد ، ونقل القاضي عن ابن عباس ، أنهم كانوا سبعين ساحرا سوى رئيسهم ، وكان الذي يعلمهم رجلا مجوسيا من أهل نينوى بلدة يونس عليه السلام ، وهي قرية بالموصل . وأقول هذا النقل مشكل ، لأن المجوس أتباع زرادشت ، وزرادشت إنما جاء بعد مجيء موسى عليه السلام .
أرجه وأخاه : أي : أرجئهما وأخرجهما ؛ لننظر في أمرهما .
المدائن : أي : المدن حيث يوجد السحرة .
حاشرين : أي : المدن حيث يوجد السحرة .
{ 111 – قالوا أرجه وأخاه وأرسل في المدائن حاشرين } .
أي : قال الملأ من قوم فرعون ، أخر الفصل في أمره وأمر أخيه ، وأرسل في مدائن ملكك جماعات من رجال شرطتك وجندك .
حاشرين أي : جامعين لك السحرة منها وسائقيهم إليك .
1- جاء في ظلال القرآن للأستاذ سيد قطب :
وكانت أرض مصر تموج بالكهنة في شتى المعابد ، وكان الكهنة هم الذين يزاولون أعمال السحر ، ففي الوثنيات كلها تقريبا ، يقترن الدين بالسحر ، ويزاول السحر كهنة الديانات وسدنة الآلهة ! وهذه الظاهرة هي التي يلتقطها " علماء الأديان " ، فيتحدث بعضهم عن السحر كمرحلة من مراحل تطور العقيدة !
ويقول الملحدون منهم : إن الدين سيبطل كما بطل السحر ! وأن العلم سينهى عهد الدين كما أنهى عهد السحر ! إلى آخر هذا الخبط الذي يسمونه : " العلم " 8 .
2 – من تفسير المراغي الجزء التاسع ص 26 :
السحر في أعمال غريبة ، وحيل تخفي حقيقتها على جماهير الناس ؛ لجهلهم لأسبابها ، وقد كان فنا من الفنون التي يتعلمها قدماء المصريين في مدارسهم الجامعة مع كثير من العلوم الكونية ، و اقتفى أثرهم في ذلك البابليون و الهنود و غيرهم ، و لا يزال يؤثر عن الوثنيين من الهنود أعمال غريبة مدهشة من السحر ، اهتم الانجليز و غيرهم بالبحث عن الحقيقة أمرها فعرفوا بعضا و جهلوا تعليل الأكثر .
و هو لا يروج إلا بين الجاهلين ، و له مكانة عظيمة في القبائل الهمجية ، و البلاد ذات الحضارة تسميه : بالشعوذة والدّجل وهو أنواع ثلاثة :
1 – ما يعمل بأسباب طبيعية من خواص المادة معروفة للساحر مجهولة عند من يسحرهم بها ، كالزئبق . الذي قيل : إن سحرة فرعون وضعوه في حبالهم وعصيهم فلما أرسلت الشمس أشعتها ؛ خيّل للمشاهدين أن الحبال والعصى تسعى وتتحرك .
2 – الشعوذة التي أمرها خفة اليدين وإخفاء بعض الأشياء ، وإظهار بعض ، وإراءة بعضها بغير صورها .
3 – ما يكون مداره على تأثير الأنفس ذات الإرادة القوية في الأنفس الضعيفة القابلة للأوهام ومن ذلك ما يسمى : بالتنويم المغناطيسي .
وعلى الجملة فالسحر صناعة بالتعليم كما ثبت بنص الكتاب الكريم ، والاختبار الذي لم يبق فيه شك بين العلماء في هذا العصر9 .
ويمكن تقديم خلاصة عن الموضوع فيما يأتي :
( أ ) ذهب الشيخ محمد عبده إلى أن السحر خيال ووهم لا حقيقة له ، والساحر لا يؤثر إلا في شخص قلبه هواء وعقيدته هباء .
( ب ) وذهب بعض العلماء إلى أن السحر حقيقة تتلقى بالتعليم والتعلم ، وهو يؤثر حبا وبغضا ونزيفا ومرضا . . . إلخ .
( ج ) ورد في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم سحر وأن رجلا من اليهود قد أخذ شيئا في شعر رأسه ومشاطه وعقد فيه 11 عقدة ، ووضعه تحت حجر في بئر ذكوان وأرشد الله رسوله إلى ذلك وأنزل عليه 11 آية في سورة الفلق وسورة الناس ، وأحضر علي رضي الله عنه المشط والمشاطة من البئر وقرأ النبي صلى الله لعيه وسلم سورة الفلق وسورة الناس ؛ فبطل أثر السحر منها10 .
( د ) أنكر الشيخ محمد عبده صحة هذا الحديث وقال : إنه حديث آحاد . ولعل الحديث أضيفت إليه زيادات في لفظه ليست صحيحة .
( ه ) عند التأمل نرى أن السحر حقيقة لا خيال وهو ابتلاء من الله يمتحن به بعض الناس قال تعالى : { وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله } .
مما يحفظ المؤمن من السحر والأذى ما يأتي :
1 – قراءة قل هو الله أحد ، والمعوذتين .
2 – أن يقول بعد صلاة الصبح وبعد صلاة المغرب : لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد ، يحيى ويميت وهو على كل شيء قدير( 10 مرات ) .
{ وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر ويقولون إنه لمجنون . ( القلم 51 ) .
4 – قراءة الأخيرة من سورة الحشر :
من قوله تعالى : لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون . ( إلى آخر السورة ) .
6 – قراءة قوله تعالى : { ما شاء الله لا قوة إلا بالله } . 11( الكهف : 39 ) .
7 – وأهم شيء هو اليقين الجازم بأن أحدا لا ينفع أو يضر إلا بإذن الله : فهذه هي الصخرة الصماء التي تنكسر عليها نظرات الساحرين والحاسدين ، ومن وجد في قلبه اليقين والثقة التامة بأن الله وحده هو النافع الضار ؛ فقد وجد سبيل النجاة والحفظ ، قال تعالى : { فالله خير حافظا وهو أرحم الراحمين } . ( يوسف : 64 ) .
وعن عبد الله قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يا غلام ، احفظ الله يحفظك ، احفظ الله تجده تجاهك ، إذا سألت فاسأل الله ، وإذا استعنت فاستعن بالله ، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء ما نفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك ، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن يضروك بشيء ، لم يضروك إلا بشيء ، قد كتبه الله عليك ، جفت الأقلام وطويت الصحف " 12 .