مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَرِّضِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ عَلَى ٱلۡقِتَالِۚ إِن يَكُن مِّنكُمۡ عِشۡرُونَ صَٰبِرُونَ يَغۡلِبُواْ مِاْئَتَيۡنِۚ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّاْئَةٞ يَغۡلِبُوٓاْ أَلۡفٗا مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمۡ قَوۡمٞ لَّا يَفۡقَهُونَ} (65)

{ يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال } والتحريض في اللغة كالتحضيض وهو الحث على الشيء ، وذكر الزجاج في اشتقاقه وجها آخر بعيدا ، فقال : التحريض في اللغة أن يحث الإنسان غيره على شيء حثا يعلم منه أنه إن تخلف عنه كان حارضا ، والحارض الذي قارب الهلاك ، أشار بهذا إلى أن المؤمنين لو تخلفوا عن القتال بعد حث النبي صلى الله عليه وسلم ، كانوا حارضين ، أي هالكين . فعنده التحريض مشتق من لفظ الحارض والحرض .

ثم قال : { إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين } وليس المراد منه الخبر بل المراد الأمر كأنه قال : { إن يكن منكم عشرون } فليصبروا وليجتهدوا في القتال حتى { يغلبوا مائتين } والذي يدل على أنه ليس المراد من هذا الكلام الخبر وجوه : الأول : لو كان المراد منه الخبر ، لزم أن يقال : إنه لم يغلب قط مائتان من الكفار عشرين من المؤمنين ، ومعلوم أنه باطل . الثاني : أنه قال

{ الآن خفف الله عنكم } والنسخ أليق بالأمر منه بالخبر . الثالث : قوله من بعد : { والله مع الصابرين } وذلك ترغيبا في الثبات والجهاد ، فثبت أن المراد من هذا الكلام هو الأمر وإن كان واردا بلفظ الخبر ، وهو كقوله تعالى : { والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين } { والمطلقات يتربصن بأنفسهن } وفيه مسائل :

المسألة الأولى : قوله : { إن يكن منكم عشرون صابرون } يدل على أنه تعالى ما أوجب هذا الحكم إلا بشرط كونه صابرا قاهرا على ذلك ، وإنما يحصل هذا الشرط عند حصول أشياء ، منها : أن يكون شديد الأعضاء قويا جلدا ، ومنها : أن يكون قوي القلب شجاعا غير جبان ، ومنها : أن يكون غير منحرف إلا لقتال أو متحيزا إلى فئة ، فإن الله استثنى هاتين الحالتين في الآيات المتقدمة فعند حصول هذه الشرائط كان يجب على الواحد أن يثبت للعشرة .

واعلم أن هذا التكليف إنما حسن لأنه مسبوق بقوله تعالى : { حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين } فلما وعد المؤمنين بالكفاية والنصر كان هذا التكليف سهلا لأن من تكفل الله بنصره فإن أهل العالم لا يقدرون على إيذائه .

المسألة الثانية : قوله : { إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا } حاصله وجوب ثبات الواحد في مقابلة العشرة ، فما الفائدة في العدول عن هذه اللفظة الوجيزة إلى تلك الكلمات الطويلة ؟

وجوابه أن هذا الكلام إنما ورد على وفق الواقعة ، وكان رسول الله يبعث السرايا ، والغالب أن تلك السرايا ما كان ينتقص عددها عن العشرين وما كانت تزيد على المائة ، فلهذا المعنى ذكر الله هذين العددين .

المسألة الثالثة : قرأ نافع وابن كثير وابن عامر { إن تكن } بالتاء ، وكذلك الذي بعده { وأن تكن منكم مائة صابرة } وقرأ أبو عمرو الأول بالياء والثاني بالتاء والباقون بالياء فيهما .

المسألة الرابعة : أنه تعالى بين العلة في هذه الغلبة ، وهو قوله : { بأنهم قوم لا يفقهون } وتقرير هذا الكلام من وجوه :

الوجه الأول : أن من لا يؤمن بالله ولا يؤمن بالمعاد ، فإن غاية السعادة والبهجة عنده ليست إلا هذه الحياة الدنيوية . ومن كان هذا معتقده فإنه يشح بهذه الحياة ولا يعرضها للزوال ، أما من اعتقد أنه لا سعادة في هذه الحياة وأن السعادة لا تحصل إلا في الدار الآخرة فإنه لا يبالي بهذه الحياة الدنيا ولا يلتفت إليها ولا يقيم لها وزنا ، فيقدم على الجهاد بقلب قوي وعزم صحيح ، ومتى كان الأمر كذلك ، كان الواحد من هذا الباب يقاوم العدد الكثير من الباب الأول .

الوجه الثاني : أن الكفار إنما يعولون على قوتهم وشوكتهم ، والمسلمون يستعينون بربهم بالدعاء والتضرع ، ومن كان كذلك كان النصر والظفر به أليق وأولى .

الوجه الثالث : وهو وجه لا يعرفه إلا أصحاب الرياضات والمكاشفات ، وهو أن كل قلب اختص بالعلم والمعرفة كان صاحبه مهيبا عند الخلق ، ولذلك إذا حضر الرجل العالم عند عالم من الناس الأقوياء الجهال الأشداء ، فإن أولئك الأقوياء الأشداء الجهال يهابون ذلك العالم ويحترمونه ويخدمونه ، بل نقول : إن السباع القوية إذا رأت الآدمي هابته وانحرفت عنه ، وما ذاك إلا أن الآدمي بسبب ما فيه من نور العقل يكون مهيبا ، وأيضا الرجل الحكيم إذا استولى على قلبه نور معرفة الله تعالى ، فإنه تقوى أعضاؤه وتشتد جوارحه ، وربما قوي عند ظهور التجلي في قلبه على أعمال يعجز عنها قبل ذلك الوقت .

إذا عرفت هذا فالمؤمن إذا أقدم على الجهاد فكأنه بذل نفسه وماله في طلب رضوان الله . فكان في هذه الحالة كالمشاهد لنور جلال الله فيقوى قلبه وتكمل روحه ويقدر على ما لا يقدر غيره عليه ، فهذه أحوال من باب المكاشفات تدل على أن المؤمن يجب أن يكون أقوى قوة من الكافر فإن لم يحصل فذاك لأن ظهور هذا التجلي لا يحصل إلا نادرا وللفرد بعد الفرد . والله أعلم .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَرِّضِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ عَلَى ٱلۡقِتَالِۚ إِن يَكُن مِّنكُمۡ عِشۡرُونَ صَٰبِرُونَ يَغۡلِبُواْ مِاْئَتَيۡنِۚ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّاْئَةٞ يَغۡلِبُوٓاْ أَلۡفٗا مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمۡ قَوۡمٞ لَّا يَفۡقَهُونَ} (65)

المفردات :

حرض المؤمنين : حثهم وحضهم .

لا يفقهون : لا يدركون ولا يفهمون .

65 – { يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال . . . } الآية .

يا أيها النبي ، رغب المؤمنين في القتال ، وبين لهم فضله وأجره ومنزلته ، وثواب الشهداء عند الله تعالى .

وقد كان القرآن حافلا بالحث على الجهاد وبيان فضله ، وكان المسلمون يقرءون سورة الأنفال عند الغزو ، أو كان أحدهم يقرؤها بصوت مرتفع ، تحريضا وتشجيعا ، وبثا لروح الحمية والدفاع .

كما حفلت السنة المطهرة ، ببيان ثواب الشهداء وفضل الجهاد والمجاهدين .

كما حفلت السنة المطهرة ، ببيان ثواب الشهداء وفضل الجهاد والمجاهدين .

وفي الحديث الشريف : " لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها ، ولقاب قوس أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها " lvii .

وروى البخاري في صحيحه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لولا أن أشق على أمتي ما قعدت خلف سرية ، ولو رددت أن أقتل في سبيل الله ثم أحيا ثم أقتل ، ثم أحيا ثم أقتل " lviii .

وفي صحيح مسلم : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحرض أصحابه عند صفهم للقتال ، ومواجهة العدو ، كما قال لهم يوم بدر ؛ حين أقبل المشركون في عددهم وعددهم : " قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض " فقال عمير بن الحمام : عرضها السماوات والأرض ، بخ بخ ! ! ثم تقدم فقاتل حتى قتل رضي الله عنهlix .

{ إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين } .

أي : إن يكن منكم عشرون ، صابرون ، محتسبون أجرهم عند الله ؛ يغلبوا مائتين .

وليس المراد منه الإخبار ، بل المراد الأمر : كأنه قال : فليصبروا وليجتهدوا ، وليثبتوا في مواقعهم . فهم بصبرهم ، وفقههم وإيمانهم ، ومعرفتهم بأسرار الحرب ، وأهدافها وغاياتها ، والإخلاص فيها ؛ ألأهل لأن يغلبوا مائتين .

{ وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا } . وترى أن القرآن اشترط الصبر ، وهو الثبات وتحمل المشاق ، والالتجاء إلى الله ، وإخلاص النية ، وتصحيح العقيدة .

{ ذلك بأنهم قوم لا يفقهون } .

" أي : بسبب أنهم جهلة بالله تعالى واليوم الآخر ، لا يقاتلون احتسابا وامتثالا لأمر الله تعالى ، وإعلاء لكلمته ، وابتغاء لرضوانه ، كما يفعله المؤمنون .

وإنما يقاتلون للحمية الجاهلية ، اتباع خطوات الشيطان ، وإثارة ثائرة البغي والعدوان ؛ فلا يستحقون إلا القهر والخذلان " lx .